الرئيسية / دراسات / التّقنيّات الفنّيّة في رواية «رجال في الشّمس» – هداية الرزوق

التّقنيّات الفنّيّة في رواية «رجال في الشّمس» – هداية الرزوق

للصّراعات الإنسانيّة والظّروف الاقتصاديّة المتوتّرة أثرٌ كبيرٌ في تشويه ملامح هُويّة الأفراد؛ حيث تتداعى الظّروف المُحيطةُ بالفردِ للتنشله من واقعه وفكره ومعتقداته لتزجّ به في دوّامةٍ مشوّهة النّهج، بعيدةً كلّ البعد عمّا استقرّ في عقليّة الفرد من مورثاتٍ فكريّة وأخلاقيّة وأيدولوجيّة؛ فالهويّة روحٌ تُحرّك الإنسان وتبعثه على القيام بما تشكّل في خلفيّته الذّهنيّة من معتقدات، وتأتي هذه الصّراعات العصيبةُ والظّروفة القاسيةُ لُتخرج الإنسان عن هدفه ومبتغاه، وتهشّم بعنفها ما تبّقى في سريرتهِ من فطرةٍ بشريّة جُبلت على حبّ الخيّر والكرامةِ والوطن، وقد تمكّن كنفاني ببراعته المُطلقة من نسج ملامحِ هذا التّشوّهِ والتّشتت والضّياع؛ وذلك من خلال إبراز فكره الخاصّ، وإظهاره للعديدِ من النّماذج السّيكولجيّة المتناقضة التي تنقلنا بأفعالها، لتذكّرنا بالكثير من الإشكاليّات المطابقة لتداعيات حياتنا السّياسيّة المعاصرة.
ولعلّ العنوان (رجال في الشّمس)  يمثّل وثيقة اجتماعيّة تحفى بالعديد من المتناقضات الذّهنيّة والثّنائيّات الشّعوريّة؛ ذلك أنّ العنوان بحدّ ذاته يُحيل إلى رمزيّة مُتناقضة؛ فكلمة (رجال) تُطالعنا لتجعلنا نتخيل أبطالاً يمثّلون عنفوان الرّجولة وجوهرها، في حين تخذلنا أفعالهم، لا بل نرتطم بمدى انهزاميتهم وتبعثرهم وشتاتهم، أمّا كلمة (الشّمس) والّتي تغمرنا بنورها وإشراقها، وتبعث فينا بصيص الحياة بمجرّد نطق اسمها، فإنها تغدو في الرّواية أداةً قاتلة ومصدراً مُثيراً لبواعث القلق والإدانة.
أجاد غسان كنفاني في رسم المكان في عمله الأدبيّ بحيث عبّر به عن ظروف العصر، وطبيعة المجتمع والعلاقات الإنسانيّة، حيث نجدُ للمكان والبيئة السّلطة العظمى في خلق رؤية الإنسان وسلوكه وماهو عليه، وهذا ما يؤكده كنفاني في متنه الرّوائيّ، فقد برز المكان ظاهراً جليّاً وكأنه أيقونة تعريفيّة تقدّم للمتلقي تفاصيل المدن الفلسطينيّة بروحها وتناغمها فنجد كنفاني يُسقط في عمله أسماء الأماكن المُتعدّدة فينقلنا بذلك إلى عوالم فلسطين ومقدّساتها من خلال انتقاله السّلس بين تلك المدن والأحياء.
أبدع كنفاني في استخدام تيّار الوعيّ الدّاخلي في ثنايا عمله الأدبيّ، وقد برز هذا التّيّار عند الكاتب من خلال تشكيله شخصيّة أسعد؛ حيث يعاني أسعد من العوز ممّا اضطره إلى المغامرة، رغم أنّه كان متردّداً وخائفاً، لكنّه في النّهاية وقع في فخّ الخديعة، فتضاعفت خسارته؛ فقد تشكّلت شخصيّة أسعد لدى الكاتب من خلال إظهار العديد من الصّراعات المهيمنة على ذاته وتصرفاته، ما يشي بالكثير من الخوف والتّردّد والانصياع وراء الشّهوات والملذّات الدّنيويّة الّتي تُشكّلُ هاجسُه الأكبر.
تشير الأساليب الإنشائيّة إلى حِرفيّة الكاتب اللغويّة وبراعته المُطلقة، فقد استطاع كنفاني أن يسجّل في عمله الأدبيّ تعابيرَ لغويّة شديدة الثّراء تُضفي على المتن الرّوائيّ هالة من القوّة والقداسة، فنجد تلك الأساليب الإنشائيّة الّتي تكسر جمود النّص وتبعده عن الرّتابة، فنجد الدّعاء المقترن بالتّعجب في قوله: « يا رحمة الله عليك يا أستاذ سليم!»، كما نلمح الاستفهام في العبارة : « أتوجد ثَمّة نعمة إلهيّة أكبر من هذه؟»، كما يستوقفنا النّداء في الجملة: « يا إلهي!  يا إلهي»، فتنسج هذه التّقنيّات الثّريّة لوحةً مشهديّة حافلةً بالمغزى، نابضةً بالفكر.
عمدَ غسان كنفاني إلى المزج ما بين تجربته المريرة وتراكمات القضيّة الفلسطينيّة من خلال رسمه المتقن للصّور الفنيّة الثّريّة، وقد أجاد كنفاني استمطار المشاهد المُصاغة بأروع التّعابير لجذب انتباه المُتلقي ودفعه لمتابعة العمل الأدبيّ بِنَهمٍ وسرورٍ؛ حيث نجد جمال التّشبيه في العبارة: (أخذ يمضغ ذلّه)؛ إذّ شبّه الذّلّ بالشيء الّذي يُمضغ، دلالة على الوقوع تحت وطأة الاضطرار لاحتمال مصاعب الحياة بذلّها ومذاقها المرّ، كما تستوقفنا الصّورة الفنيّة البديعة المقترنة بالحركة واللّون والتّصوير البصريّ المُتقن في الجملة: (وبدأت السّيّارة قبل أن يُغلَق الباب تلتهم الطّريق)؛ فقد شبّه السّيّارة بالإنسان الّذي يأكل، والطّريق بالطّعام الّذي يُؤكل كناية عن سرعة السّيّارة في قطع الطّريق، فتكون المشهديّة التّصويريّة لدى غسان أداة لإبراز ما تتضمّنه اللّغة من تعابير، لا بل تعمل الصّورة إلى جانب المتن الرّوائيّ جنباً إلى جنب بتناسقٍ وتناغمٍ يهدف إلى استنهاض ذهنيّة المتلقيّ ليتبصّر جوانب القضيّة، تمكّنَ غسان كنفاني من نسج منظومة الأحداث المتلاحقة من خلال توظيف لغته الفريدة، حيث تُطالعنا لغة «كنفاني» الفلسفيّة السّياسيّة الثّريّة فتشدّ أذهاننا لتثير في أنفسنا دافعاً قويّاً نحو متابعة المتن الحكائيّ، والغوص في أسراره، فقد تمكّن «غسان كنفاني»  ببراعته المطلقة من تسجيل تعابير لغويّة تطفو على سطح البنية ثمّ تؤول إلى دلالات بنائيّة عميقة البعد والمنظور، وهي تعابير تضفي على المتن الرّوائيّ هالةً من القوّة والقداسة ففي عبارة «أبي قيس»: « «… يا رحمة الله عليك يا أستاذ سليم! لا شكّ أنّك ذو حظوة عند الله حيث جعلك تموت قبل ليلة واحدة من سقوط القرية المسكينة في أيدي اليهود… يا الله! أتوجد ثَمّة نعمة إلهيّة أكبر من هذه؟»  نجد بُعداً فلسفيّاً يقترن بأسرار روحانيّة تشي بكيّفيّة فهم الذّات وغمار الكون الواسع.
لماذا لم يدقوا جدار الخزان؟ يتلاقى هذا السّؤال الّذي أقفل به كنفاني روايته مع الظّروف العصيبة الّتي يعيشها الفلسطينيّون في ظل الاحتلال، ولعلّ هذا السّؤال الذي اختتمت به النّهاية يستدعي أجوبة لم يقدّمها لنا النّصّ، وهو بحدّ ذاته خاتمة جديدة للرّواية، فالأحداث بمجملها تدور في محيط الرّمزيّة الواقعيّة، ولا تخلو من الرّومانسيّة الّتي يُقدّم بها الكاتب صرخة شعبه الّتي تحمل تاريخًا فلسطينياً مليئاً بالأحداث والأزمات، ويمكننا القول إنّ جدليّة هذا التّساؤل تقودنا إلى الوقوف على حقيقةِ الألم العميق والفقر والعوز والشّتات الّذي يُعانيه اللاجىء الفلسطينيّ لا بل ويعيشه بصمتٍ وإذعان.

شاهد أيضاً

أحمد عبد الرحمن جنيدو

القُدْسُ تَحْتَ القِيْدِ – أحمد عبدالرحمن جنيدو

قصيدة من ديواني الجديد(إنّها حقّاً) القُـدْسُ تَـحْـتَ القِـيْـدِ نَامَتْ تَـرْسِـفُ. دَمُـهَـا النَّـقِـيُّ مِنَ النَّخاسـَةِ يُـرْشَـفُ. …

قِصَّةٌ قَصِيرةٌ مجنونةُ حَيِّنَا – هند العميد

مجنونةُ حَيِّنَا كانتْ أكثرَ العاقلين حكمةً ورشدًا ، هكذا كانتْ تراها أحرفُ القصيدةِ ، وصورةُ …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: