الرئيسية / مقالات / الروايــة ومعيــار الحجــم – د. محمد عبدالله القواسمة
الروايــة ومعيــار الحجــم - محمد القواسمة

الروايــة ومعيــار الحجــم – د. محمد عبدالله القواسمة

يوجد نوعان من الرواية من ناحية الحجم: الرواية الطويلة، والرواية القصيرة، وتختلف مقاييس الحجم في الآداب المختلفة؛ فحسب مقاييس الأدب الأمريكي ـ على سبيل المثال ـ تعتبر الرواية طويلة إذا كان عدد كلماتها يزيد على أربعين ألف كلمة، مثل روايات: الثلاثية (بين القصرين. قصر الشوق. السكرية) لنجيب محفوظ، وخماسية «مدن الملح» لعبد الرحمن منيف، و»البؤساء» لفيكتور هيجو. و»الحرب والسلم» لتولستوي، و»ثلاثية نيويورك» (مدينة الزجاج. الأشباح. الغرفة الموصدة) لبول أوستر. وتعتبر الرواية قصيرة إذا كان عد كلماتها بين سبعة عشر ألفًا وأربعين ألف كلمة، مثل روايات: «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، و»اللص والكلاب»، و»الشحاذ» لنجيب محفوظ، و»قلب الظلام» لجوزيف كونراد، و»الشيخ والبحر» لإرنست هيمنغواي، و»رجال في الشمس» لغسان كنفاني.
واعتمادًا على عدد الكلمات يفرق النقاد بين الرواية وغيرها من الأنواع السردية؛ فالرواية أكبرها حجمًا، ثم تأتي القصة الطويلة، والقصة القصيرة، والقصة القصيرة جدًا. وفي الواقع، إن مقياس الحجم في تصنيف الأعمال السردية ليس سليمًا فهو مقياس غير ثابت أو محدد لا في أدب الشرق ولا في أدب الغرب، فتوجد قصص طويلة يقترب حجمها من الرواية القصيرة، وتوجد قصص قصيرة تقترب من القصة الطويلة مثلما نجد في بعض أعمال تشيخوف. لعل المقياس السليم في تصنيف هذه الأنواع هو تركيبها الفني، وليس حجمها وعدد كلماتها؛ فالرواية أكثر تعقيدًا من غيرها، فيها تتداخل الأزمنة والأمكنة وتتنوع، وتكثر الشخصيات والأحداث وتتعقد. أما القصة الطويلة فتنساب أحداثها انسيابًا متواليًا، ويتضح فيها المكان والزمان، ولا تتعقد فيها الشخصيات، ثم تأتي القصة القصيرة التي تمتاز بالكثافة والتركيز الشديدين، فتتناول شريحة من الحياة، أو حدثًا صغيرًا، أو موقفًا معينًا، ثم تأتي القصة القصيرة جدًا لتقترب من بيت الشعر في الإيجاز والتصوير، أو الجملة النحوية من حيث التركيب والإحكام.
وإذا كنا لا نقيم وزنًا للحجم في تقييم الأعمال الروائية وتميزها عن غيرها، ولا نعده مهمًا في تصنيف الأنواع القصصية فإنا نجد الأهمية في مدى قدرة العمل على التعبير عن معاناة الإنسان، وملاءمته للظروف التي يعايشها، ونجد الرواية القصيرة هي الأقدر على ذلك؛ فالرواية الطويلة تأكل زمنًا في قراءتها مما لا يتوافر للقارئ الذي يغرق في مشاكل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ فلم يعد لدى الانسان وقت ليمضي ساعات كثيرة في قراءة رواية من ألف صفحة أو أكثر؛ فالدقائق لها قيمة مادية لدى الإنسان المعاصر؛ الزمن هو الحياة أو المال كما يقولون. ثم إن في كثير من الروايات الطويلة مواضع من السرد والحوار والوصف يمكن حذفها دون أن يختل البناء الروائي، مثلما نلاحظ حتى في الرواية الأمريكية التي يكتبها بول أوستر ونيكولاس سباركس، فإنها لا تخلو من الحشو، وكثرة التفاصيل، وبخاصة في وصف الأمكنة، والاستطراد في الحوار، وفي تحليل الأحداث، وأحوال الشخصيات النفسية.
إن هذا العصر، عصر العولمة، الذي تسيطر عليه التكنولوجيا الحديثة، ووسائل الاتصالات الرقمية، وتتميز فيه الحياة بالتعقيد، وسرعة التغير في كل جوانبها لا يناسبه غير الرواية القصيرة التي تقدم عالمها للقارئ دون تطويل، أو زيادة، وينحصر فضاؤها غالبًا في مكان وزمان محددين. كما أن الرواية القصيرة تتوافق مع العقل العربي الذي تغذى منذ عبدالله بن المقفع وعبد القاهر الجرجاني على الإيجاز والتكثيف، وفهم البلاغة بأنها القول الموجز الذي يهدف إلى الوصول إلى المعنى بيسر وسهولة مع الملاءمة لمقتضى الحال، أي مراعاة أحوال الناس الذين يتوجه إليهم القول. وقد تجسد هذا الفهم فيما ورد عن العرب في قولهم إن خير الكلام ما قل ودل، وإن كل صغير جميل.

 

المصدر الدستور الأردنية

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في المجموعة القصصية (شيء عابر ) للكاتبة سمر الزعبي

بقلم: احمد محمود دحبور في احدى رسائل جبران إشارة الى أن القصة القصيرة هي : …

رواية 36 ساعة في خان شيخون

قراءة على رواية (36ساعة في خان شيخون – للروائي محمد عبد الستّار طكو)

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد رواية (36 ساعة في خان شيخون) وثيقة معتبرة، سلّطت …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: