الرئيسية / من هو / لين هوي ين.. مي زيادة الصينية

لين هوي ين.. مي زيادة الصينية

الزهور الأجمل تبرز، حتى وإن كانت في قلب بستان تتناثر فيه آلاف الأزهار. لين هوي ين امرأة سبقت عصرها بكثير. أبدعت في كتابة الشعر وتخصصت في الهندسة المعمارية وأتقنت الإنجليزية، حتى صارت أول مهندسة في الصين الحديثة، وأيقونة في الأدب الصيني. كانت تنظم صالونا ثقافيا يتردد عليه كبار المثقفين في الصين. أغرم بها الشاعر الصيني الكبير شو تشي مو، وأحبها مثقفون آخرون، لشخصيتها وثقافتها. عندما قرأت عنها أكثر، تذكرت على الفور الأديبة العربية الكبيرة مي زيادة، فشعرت أن هناك أشياء مشتركة بينهما.

ولدت لين هوي ين في العاشر من يونيو سنة 1904، بمدينة هانغتشو في شرقي الصين. والدها، لين تشانغ مين، كان سياسيا مرموقا وعاشقا للشعر والخط وموهوبا فيهما، وفوق ذلك كان نموذجا للأب المتفتح، فربى ابنته بطريقة مختلفة. تلقت لين هوي ين تعليما جيدا، مقارنة بالفتيات آنذاك. كانت  الطفلة المفضلة لوالدها، وكانت في عينيه جوهرة نادرة.

في عام 1916، انتقلت لين هوي ين من شانغهاي إلى بكين مع والدها الذي  تولى  منصبا رسميا هناك. في بكين التحقت بمدرسة بيهوا للفتيات التابعة للكنيسة الإنجليزية. في عام 1920، وكان عمرها ست عشرة سنة، رافقت والدها إلى إنجلترا عندما ذهب لإلقاء محاضرات هناك. سافرا إلى العديد من المدن الأوروبية، وعادا مرة أخرى إلى لندن. بفضل تفوقها التحقت بكلية سانت ماري في إنجلترا.

في ذلك الوقت، تعرف الشاعر الصيني شو تشي مو على والد لين هوي ين، في إحدى الندوات. كان شو عائدا للتو إلى لندن قادما من الولايات المتحدة الأمريكية. توطدت علاقته بوالد لين هوي ين، وصار يزوره في بيته، وهناك رأى لين هوي ين للمرة الأولى، فتاة كزهرة ساحرة الجمال. كانت شخصية لين هوي ين وثقافتها وعشقها للأدب هو الذي جذب شو تشي مو، فأصبحا صديقين. كانا يلتقيان يوميا ويتناقشان حول الشعر والأدب، ولم يمر وقت طويل حتى لمعت نجمة في سماء كل منهما، فقد وقع كلاهما في الحب. أغرمت لين هوي ين بالشاعر، فأضحى ظله يظهر في معظم أشعارها. ولكن قصص الحب لا تنتهي كلها بنهايات سعيدة، فعلى قدر جمالها قد تكون نهايتها قاسية ومؤلمة.

كان شو تشي مو متزوجا وأبا لطفل عمره عامان. كان زواجه تعيسا، ويسعى دائما إلى حياة مثالية، ويصارع من أجل الحب والحرية. لم يكن يحب زوجته تشانغ يوه يي التي لم يكن قد التقى بها قبل زواجهما، ولكنه تزوجها إرضاء لأهله. كان شو تشي مو يبحث عن بداية جديدة، وشعر أن لين هوي ين هي تلك البداية. كان يقول لها دائما: “أفهمكِ بعمق تماما مثلما أفهم نفسي.” وكانت لين هوي ين تنظر إليه ببراءة، وتومئ برأسها قائلة: “أصدقك.”

 

عندما أدركت لين هوي ين أن ما بينها وبين شو تشي مو أكبر من مجرد مشاعر الصداقة، وعلمت أن شو تشي مو يعتزم تطليق زوجته، قررت الابتعاد. رفضت أن تبني سعادتها على حساب امرأة أخرى. قررت الانسحاب وترك لندن بأسرها. انتهزت فرصة سفر شو تشي مو إلى ألمانيا، ورحلت دون أن تودعه، فقط كتبت له رسالة تخبره فيها بقرارها. فاض فؤادها بحبه، ولم تكن تملك جسارة توديعه.

في خريف سنة 1921، رحلت لين هوي ين عن لندن مع والدها عائدة إلى الصين، تاركة وراءها حب عمرها. وبعد ذلك بعام واحد، طلق شو تشي مو زوجته.

في بكين، واصلت لين هوي ين دراستها في مدرسة بيهوا. في هذه الفترة، أخذت الغيمة التي كانت تثقل قلبها تتبدد رويدا رويدا، وبدأ الضوء يتسلل إلى قلبها. ظهر شاب يدعى ليانغ سي تشنغ، كان  يأتي لرؤيتها دائما. كان طالبا في جامعة  تشينغهوا. كان والدا لين هوي ين وليانغ سي تشنغ صديقين. يقال إن اللقاء الأول الذي جمع بين لين وليانغ  كان في عام 1918، قبل سفر لين إلى لندن، وإنه كان هناك إعجاب متبادل بينهما أيضا.

في عام 1923، وبينما كان ليانغ سي تشنغ يقود دراجة نارية بصحبة أخيه، للمشاركة في مسيرة إحياء ذكرى “المطالب الـ21 المخزية”، صدمتهما سيارة وتم نقلهما إلى المستشفى. كانت إصابة ليانغ سي تشنغ بالغة، مما تسببت في إعاقة في قدمه. عندما سمعت لين بخبر الحادث، هرعت إلى المستشفى، وكانت تذهب إليه يوميا وتعتني بصديقها، ومن هنا نشأت مشاعر أقوى بينهما.

قد تحمل الأقدار إلى المرء ما لا يتوقعه. في سنة 1924، جاء الشاعر الهندي الكبير طاغور إلى بكين للمشاركة في ندوة، فتجدد اللقاء بين شو تشي مو ولين هوي ين. كانا كلاهما مسؤولين عن الترجمة لطاغور، وكانت لين هوي ين مسؤولة عن مرافقة طاغور طوال رحلته في بكين. اشتعل الحب مجددا في قلب شو تشي مو عندما رآها، ولكن  لين هوي ين كانت قد  قررت أن لا تترك فرصة لهذا الحب ليتمكن منها مرة أخرى.

كان طاغور يرى أن لين هوي ين وشو تشي مو ثنائي رائع، كأنهما خلقا لبعضهما. كتب أبياتا قصيرة وأهداها إلى لين هوي ين: “زرقة السماء اللازوردية، عشقت خضرة الأرض الزمردية، فتنهد النسيم المار بينهما: آه”.  شبه طاغور شو تشي مو بالسماء الزرقاء، ولين هوي ين بالأرض الخضراء.

في مايو عام 1924، عقد طاغور العزم على العودة إلى بلاده، وغادر بكين إلى مدينة  تاييوان في مقاطعة شانشي، ثم إلى هونغ كونغ ثم إلى اليابان التي عاد منها إلى الهند. كان شو تشي مو رفيقه في رحلة العودة، وعندما جاءت لين هوي ين لتوديع طاغور قبل مغادرته كان برفقتها ليانغ سه تشنغ، فتألم قلب شو تشي مو كثيرا.

بعد ذلك بشهر تقريبا، ذهبت لين هوي ين وليانغ سه تشنغ باقتراح من والديهما إلى الولايات المتحدة الأمريكية للدراسة في قسم الهندسة المعمارية بجامعة بنسلفانيا. لم يكن ذلك القسم يقبل الفتيات في ذلك الوقت، فالتحقت لين هوي ين بقسم الفنون الجميلة في نفس الجامعة، وكانت في نفس الوقت  تدرس المواد الرئيسية المقررة على  كلية الهندسة. تطورت مشاعر لين هوي ين وليانغ سه تشنغ. بعد عام تقريبا، تلقت لين هوي ين خبرا مؤلما، فقد مات والدها.

تخرجت لين هوي ين في جامعة بنسلفانيا عام 1927، والتحقت بجامعة ييل لدراسة المسرح. وفي النهاية توج حب ليانغ سه تشنغ ولين هوي ين بالزواج في عام 1928، وكان ذلك في كندا. قبل زواجهما قال لها ليانغ سه تشنغ: “هناك سؤال واحد أريد أن أسأله لكِ مرة واحدة، وبعدها لن أسأل. لماذا أنا؟” قالت له: “الإجابة طويلة جدا، علي أن أفني عمري كله لأخبرك بها. هل أنت مستعد للإصغاء لي؟”

عاد الزوجان إلى الصين في أغسطس من نفس العام، ليُدرّسا في قسم الهندسة المعمارية بجامعة دونغبي. في عام 1929، أعلن رئيس الجامعة عن جائزة لمن يقوم بتصميم شعار للجامعة. وفي النهاية وقع الاختيار على الشعار الذي صممته الموهوبة لين هوي ين. بعدها رزقت لين هوي ين بطفلها الأول.

كانت لين تعاني من مشكلات صحية في الصدر. بعد أن تمكن المرض من جسدها، انتقل ليانغ سه تشنغ وابنته ولين هوي ين ووالدتها ليعيشوا في دار رباعية صينية تقليدية في زقاق بيتشونغبو في بكين. في هذا المكان، انطلق الصالون الثقافي الكبير الذي كانت تقيمه لين وزوجها، والذي تردد عليه كبار الأدباء والكتاب. وهناك رآها الفيلسوف الكبير جين يوي لين للمرة الأولى، وأصبح عضوا دائما في المجالس الثقافية التي كانت تنظمها لين، وسرعان ما وقع في حبها، كما انجذبت هي أيضا إليه. ذات يوم حينما عاد زوجها من السفر، هرعت إليه قائلة: “قلبي يعتصر ألما، أحبُ شخصين في آن واحد، ولا أعلم ماذا علي أن أفعل.” بالطبع، صُدِم ليانغ سه تشنغ من كلامها، ولكنه لم يثر. صمت قليلا، ورد عليها بهدوء: “لكِ مطلق الحرية، إذا اخترت جين يوي لين، فسأتمنى لكِ السعادة إلى الأبد.” بعد تفكير تراجعت لين عن الفكرة، فلها زوج يحبها، وابنة جميلة، ووظيفة مرموقة، لا يمكن أن تضرب عرض الحائط بكل هذا وتتخلى عن حياتها هذه لتبدأ حياة جديدة. ابتعدت لين هوي ين عن جين يوي لين، وهو أيضا تراجع. عندما أخبرت جين يوي لين بما قاله لها زوجها، قال: “يبدو أن ليانغ سه تشنغ متيم بكِ، وأنا لا يمكنني أن أجرح شخصا يحبك بصدق، ينبغي لي أن أنسحب.”

في عام 1931، حدث شيء زلزل كيان لين هوي ين. كانت تستعد لإقامة ندوة عن العمارة والفن الصيني لممثلين ومندوبين أجانب ببكين، وقبلها أرسل لها شو تشي مو برقية يخبرها بالحضور، وطلب منها أن ترسل له سيارة لاستقباله، فذهب زوجها بنفسه ليستقبله، ولكنه انتظره طويلا ولم يصل. جاء الخبر المفجع، فقد سقطت الطائرة التي كان فيها شو تشي مو والتي كانت متجهة من نانجينغ إلى بكين. توفي شو تشي مو عن عمر يناهر 34 عاما. حزنت لين هوي ين حزنا شديدا، ورأت أنه ضحى بحياته في سبيلها، من أجل  حضور ندوتها. يقال إنها احتفظت بجزء من حطام الطائرة وعلقته في غرفتها، لتتذكره دائما. فيما بعد كتبت له قصيدة بعنوان “لا تفقدي”:

لا تفقدي، مشاعر الماضي المتوهجة،

فهي الآن مثل ماء جار، خفيف

في قاع  ينبوع جبلي بارد مقفر،

ووسط ليل حالك، وبين غابات الصنوبر.

تنهيدة أشبه بشىء مبهم،

فلتظلي محتفظة بتلك الحقيقة!

نفس القمر الساطع،

ونفس الأضواء التي تكلل الجبال البعيدة،

والنجوم  المتناثرة في  السماء،

فقط هناك شخص لا أراه، معلقا كالأحلام.

إن سألت الليل، سيجيبكِ بهذا الكلام:

عليكِ أن تصدقي دوما،

أنه في رحاب هذه الوديان باق،

صدى الصوت ذاك!

ذهبت لين هوي ين وزوجها إلى عدة مدن ومقاطعات في الصين، منها خبي وشانشي وشاندونغ، ليقوما بإحصاء ومعاينة المواقع الأثرية الموجودة هناك، وساهما في الحفاظ على الكثير من البنايات الأثرية والتاريخية، واكتشفا مواقع أخرى. فيما بعد، صار ليانغ سه تشنغ يحمل لقب “أبو العمارة الصينية الحديثة”.

عندما اندلعت حرب المقاومة الصينية ضد العدوان الياباني في عام 1937، كانت  لين هوي ين في البيت وحدها. شنت القوات اليابانية ثلاث غارات جوية، فانهار بيتها ولكن لم يحدث لها مكروه. فيما بعد قرر ليانغ سه تشنغ وعائلته الانتقال إلى مدينة كونمينغ، حيث ألهم الجمال والهدوء النسبي هناك الزوجين فكتبا الشعر من جديد. وهناك أيضا صمم الزوجان مسكن الطالبات في جامعة يوننان.

ساهم الزوجان مساهمة عظيمة في مجال العمارة، فكتبا الكثير عن العمارة الصينية، فألف ليانغ سه تشنغ “تاريخ العمارة الصينية”، الذي سجل فيه الأماكن القديمة والأثرية التي تحتاج إلى ترميم وحماية في وقت الحرب، كما استخدما الاثنان أساليب علمية حديثة لدراسة وبحث  العمارة الصينية القديمة، وأصبحا من الرواد في هذا المجال.

داهم المرض لين هوي ين مجددا واشتد عليها، فرحلت عن العالم في سنة 1955، عن عمر يناهز 51 عاما.

 

الاسم باللغة الانجليزية لمن أرا البحث Lin Huiyin (1904-1955)

المصدر الصين اليوم

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في المجموعة القصصية (شيء عابر ) للكاتبة سمر الزعبي

بقلم: احمد محمود دحبور في احدى رسائل جبران إشارة الى أن القصة القصيرة هي : …

رواية 36 ساعة في خان شيخون

قراءة على رواية (36ساعة في خان شيخون – للروائي محمد عبد الستّار طكو)

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد رواية (36 ساعة في خان شيخون) وثيقة معتبرة، سلّطت …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: