الرئيسية / مقالات / قراءة في ديوان * بوح النهر الجاري * للشاعرة: بشرى لهلالي. د.حسن بنموسى

قراءة في ديوان * بوح النهر الجاري * للشاعرة: بشرى لهلالي. د.حسن بنموسى

قراءة في ديوان * بوح النهر الجاري * للشاعرة: بشرى لهلالي.

حبلى صدفي مع كتابات تبهرني …وأسافر عبرها لاستجلاء كنهها، لأكتشف جماليتها وبهاءها…حتى ألقاني وجها لوجه مع مبدع أو مبدعةأتعرف عليه من خلال نصوصه…شعريته…ذاك ما أخذني إليه ديوان * بوح النهر الجاري * لأتعرف منه على الشاعرة : بشرى لهلالي.
ديوان تسافر عبره الشاعرة إلى زمن الألم ، إلى مخاض الأحزان …ترادف الأيام وتطويهاعلى عتبات الكتابة كسيرة لتؤثت بها لوحة قاتمة تحترق في أعماق مخيلتها ، كوشاح أسود بحروف التضخيم ، والألوان القاتمة ينحتها عقلها الباطن من فصولها السفلى ، لترسم بها أحاسيسها شعرا فياضا مؤلما بدهشة تبهر …وتيمات تنزف دون تمفصل عن إنسانيتها المتفجرة على البياض سوادا مقلقا ، ببوح جريح ككائن يكاد يندثر صوته المبحوح الذي لم تبق له إلا الكتابة لتغادر منها أفكاره سجن المخاض العسير …مخاض المعاناة…مخاض التوثر والنحيب …
نجد الشاعرة بذلك تتخد ديوانها منبرا لتفريغ الألم بجمالية، لتخفيف الأجهاد، لصد صهد الرماد الذي لا تزال ناره في خفاء أعماقها تستعر ، لتنفيس جزء من المكابدة ، للأنعتاق من رقبة الزمن القاسي ، لتنفلت إلى ظل الشعر حتى تستريح مدثرة بغيمات من الكلمات التي تجد تحتها الملاذ والعزاء .
لم تجد الشاعرة في الزمن المحيط بها جمالا ولا رقة ولا صفاء ؛ فاختارت أن تخلق لنفسها رهانا جماليا يؤثت جزءا من حياتها حتى تعادل الكفة نفسيا لترنو إلى زمن تتساوى من خلاله أحاسيسها مع محيطها ونحو الآخر …فلجأت تسلم عمقها وقلبها إلى شعرية ناعمة شفافة ومؤلمة في نفس الوقت لتعبرمنها إلى البوح ، تداوي به الجرح الغائر وتعالج به مكابدتها علها تجد الرقة المفتقدة والكلمة البهية والنسق المثالي والإيقاع الذي يقارع الحزن بترانيمه الشجية …
هذه هي الشاعرة المناهضة لقوى الذات والنفس بالحرف ، بالكلمة ، بالقصيدة ، ولذلك أجد كلماتها تكتب بإحساس رهيف …حرفها …تشبيهاتها…استعاراتها…بياض الكتابة عندها
…كل ذلك ليس نمطيا ولا استدلاليا ، بل شعوريا يحسه القارئ حين اندماجه مع قصيدها ، إذ تكتب من فؤاد شفيف ينثر الأحاسيس قبل أن يدونها كلمات .
محيط أشعار كله ألم ذاك الذي يسكن الشاعرة في جل قصائدها انطلاقا من قصيدة الام التي تنطلق فيها بكرولونجيا جلية منذ الولادة وما تتخلله الطفولة من سعادة وشقاء وأفراح وتطرزها بخيالات الطفولة وعلاقاتها الطبيعية بحنان الأم وشغفها وخوفها …بأساليب توظيفية للتشبيه والإنزياح والتقابل أحيانا…تريد بذلك تعرية وجه الجمال الظاهر بلسان الفصاحة بمجاز مرسل في علاقته المحلية…ووجه المجاز في جماليته بهذه القصيدة أن ألفاظ كل منها و قصر أطرافها تنطوي على معان كثيرة متزاحمة وذلك بوضوح وسلامة في المبنى والمعنى في سياق شاعري بليغ …لتتضح من خلاله أن الشاعرة تختزل الكلمات وتفيض بالمعاني مستلهمة قولة البلاغي الكبير عبد القاهر الجرجاني حين قال البلاغة تختزل في : * تجويع اللفظ وإفاضة المعنى * .
أن تنتهي القصيدة بمأساة الموت والحزن والكمد ما ينقلنا من من حال قصيدة مفرح أولها مؤثر ومحزن منتهاها وذلك ما يملأ الذاكرة بالسواد المختزن بالعقل الباطن الذي سيكون له الأثر البالغ في القادم من القصائد كما كان من الأيام…مثل قصيدة الرحيل…والرحيل لا تقصد به الشاعرة السفر أو هجرة الإغتراب ، بل تقصد به رحيل الذات عن الذات ، رحيل النصف عن الكل ، رحيل الجسد عن كنهه ، هو الفراق الذي يزلزل الأركان …هو الذي يأتي قبل الأوان حيث تقول الشاعرة في مطلعها :
سأرحل قبل الأفول
كذلك قالت لي * بشرى *
وبكت…
سأعلن انسحابي
أغرز سيف المحارب
في عين الأحلام
لم تعد أحلاما مشتهاة
كيف نجد الشاعرة تكلم الآخر بضمير المتكلم في صيغة الاخرى الغائبة بقولها: سأرحل قبل الأفول…كذلك قالت لي * بشرى * …وبكت ، ثم تعود بضمير الأنا قائلة : سأعلن انسحابي ، أظن أن الموقف المهيب الذي أحاط بظروف الشاعرة حين الإيحاء بالكتابة كالظروف الواقعية التي تمثلتها ما يفسر هذه الظاهرة ، حتى إن الإنسان قد يكلم نفسه بضمير الآخر الذي ليس سوى استحضار للباطن المخفي فينا لطرح الأسئلة المعلقة لكن ما لبثت أن طرحتها بعقلانية حين استرجعت واقعيتها فقالت :
أغرز سيف المحارب
في عين الاحلام
لم تعد أحلاما مشتهاة…
وتضع بهذا التصريح حدا لفصل من فصول الحياة، للأحلام المؤجلة ، للحياة التي كانت تحارب من أجلها ، لتفارق مستقبلا رأت أنه أصبح يتجه نحو المجهول وتشرع نوافذ أخرى نحو آفاق أرحب .
تكاد قصيدة * بشرى* والعنوان إسم علم ، إلا إن كان صفة في دلالته قد لا تعكس سوى بالتضاد مضمونها ، إن مفرداتها وجملها في سياق يفضح الواقع المر ويؤكد انتماءها اللامشروط للمواجهة ضد المعاناة…للإحتجاج ، بشعرية يبدو ظاهرها أمامنا يكشف المضمر والمرموز ، قصيدة تحثنا على التفاعل مع تيمتها ، على خلق جسور التواصل …إلى النبش في الإختلاف والإنتصار عليه ؛ فقد نعشق الإختلاف غالبا حين تتلاقح الأفكار فيه ويزهو النقاش به ، لكن القطيعة لا يحبذها غير من ينبذ الإختلاف ويستبد بالرأي، وهكذا نجد خلاصة القصيدة تؤدي هذه الرسالة الأدبية السامية .
ونعود لمطلع القصيدة لتدبر المتكلمة التي تتوخى أن تفيد المخاطب بالحكم الذي تضمنه الخبر بالفراق : * سأرحل* حيث يسمى هذا الحكم : فائدة الخبر، فالمتكلمة تريد أن تفيد السامع ما كان يجهله من قرارها وتاريخ الأيحاء به : * قبل الأفول * وهي في هذا التصريح تأتي بخبر توكيدي خاصة حين تحدد الزمن الموحى إليه…لتقطع بين زمن مضى وزمن المستقبل ولتبين التغيير الحاصل ليس في العلاقة فقط بل حتى في الحياة والأحلام المشتهاة التي كانت تتهيأ لها مستقبلا …كل شيء تغير .
قلب متردد يكره ، يعاتب ، ويحنو ، يتعذب ويتعاطف في الآن نفسه ذلك ما يتبخر أريجه من قصيدة * رجل مشفى * لكنه لا مجال لنفي التضاد عن قلب الأم المعذبة الرحيمة والعنيدة في الآن نفسه ، خاصة حين تعصف بها ريح الخيانة فتصدح :
الخائن
المجرم
العجوز المجنون
كذا ننعته
كسرت عطره…
قواريره
خائن يتعطر عله يتطهر …
وخائنها عندما يصبح بين الموت والحياة ، يلج المشفى ويصبح بين يدي الرحمان قاب قوسين بين الدنيا والآخرة تتهلل حينا لقرب رحيله ، لعل رحيله يشفي غليل الخيانة ، وحينا يرفرف قلب الأم والأنثى داخل ملكوت عاطفتها اللامتناهية وتتمنى سلامته وشفاءه ولو خان وتعثر …هذا التردد العجيب يبين لنا كم هو قلب الأم / الأنثى قد يصفح ويعفو ويغفر التعثرات ويسامح ويصافي و يجتو طمعا في السلم الروحي والإجتماعي ونجد ذلك ببلاغة وإيحاء وسلاسة في قولها :
على عجل …
أدخلوه المشفى
مشرحة أو للتو
لجهنم قد يرحل
عادت من رحلتها
واللهفة من مقلها
يارب لا تدعه يرحل
أحتاجه العجوز
خان أو تعثر
في المشفى النساء حوله
كثر…كثر
جهنم عن يساره
والجنة بسبعة أبواب عن يمينه
حار ، ماذا يفعل ؟
الطبيب كان لديه الحل
شرح القلب
قطعه…قطعا…قطعا
ورمى لهن بالعظم….
قصيدة مليئة بالأيحاء ، بالترميز …وبها المضمر أكثر من الظاهر فالشاعرة أخفت الشخصيات في تمثلات متعددة ، عن يساره النساء / العشيقات ، كثر …كثر…و الحرام عن يساره وعن يمينه الحليلة الحلال التي تفتح له ابوابها السبعة ليلج الى جنتها من اي باب يشاء وبينهما الطبيب / العدل الذي يفصل في القضية التي لن يكون الخاسر الوحيد فيها سوى العجوز الخائن الذي حار ماذا يفعل في خياراته ما
بين اليمين واليسار، مابين الحلا ل والحرام ، ما بين الجنة والنار…
وهذه بلاغة جلية المعالم حيث استعملت الشاعرة الأستعارة التمثلية حين استعارت التركيب الدال على المشبه به للمشبه والقرينة الدالة واضحة ، كما تشبهت الشاعرة بحالة من تصرح مضمرا برأيها في شجاعة لا تخش في ذلك المجازفة …لكن هذه شجاعة شعرية تجعلها أكثر جرأة وترفع من مكانتها وتكتسب بها مناعة اقتحام المواضيع الممنوعة مجتمعيا بالعادة او بسبب التخلف …كما تكتسب بها قوة معنوية لتقتحم بها عوالم الشعرية التي كانت تقتصر على الذكورة او التي كانت إلى وقت قريب ممنوعة بامتناع الرقابة الذاتية بدواعي * حشومة * او * عيب * أن تتطرق الأديبة أو الشاعرة إلى مواضيع كهذه الممنوعة على الانثى…
الشاعرة * بشرى لهلالي * قلم آخر من أقلام النساء المغربيات اللواتي اقتحمن عالم البوح المسيج بالذكورية والمسلط على المرأة كأنها قاصر وتحتاج لمن يعبر عن خصوصياتها وعواطفها وعلى آلامها واحاسيسها بالنيابة …صكوكه الإجتماعية ذكورية تعاقبت علينا من أزمنة الانحطاط ولازال بعضها يؤثر سلبا في علاقاتنا بل ويميز حتى تمييزا عنصريا بين الجنسين.
فالشاعرة أجدها في بوحها تناضل ليس من اجل حقوق النساء كما تنادي بذلك المؤسسات الحقوقية ، بل تناضل من اجل عقد قانوني/ اجتماعي واقتصادي عادل ،يجمع الكل تحت مظلة عادلة وتراها الشاعرة قد تزيل الأحزان لتمحي الحقد الدفين والإستغلال البشع للعلاقات اعتمادا على التمايز …للوصول ألى حياة هادئة ودافئة .
نصوص الشاعرة تمتح من الواقع الاجتماعي …من الحياة…من المعيش اليومي ؛ وتشكل نصوصها بأدوات الكتابة الشعرية بأشكال هندسية تأتي فيها بالشرط وجوابه قصد خلق الدهشة وبهاء الامتاع ودقة الحجاج للإقناع …
أسالبيها البلاغية تجمع بين الإستعارة والتشبيه في تفاعلات ترمي ألى الجمالية لأبهار القارئ بسياقاتها الشعرية …كما تبني تمثلات لاستعاراتها …وتوظف المجاز المرسل والتشبيه الضمني والمقلوب والطباق والاستفهام والتمني والنداء…
ويقول الدكتور محمد حمود في شعرية * بشرى لهلالي * : ( إن الأستاذة بشرى لهلالي شاعرة لا تكتب قصيدتها باللغة ، بل بإحساس مختلج في صدرها ، معتمل في فكرها ، فإذا الإبداع ينبجس من قولها ، من غير حاجة إلى دعامة لغوية تقريبا …وهذا لعمري خير مؤشر على ما تتفرد به تجربة شاعرتنا ) .

الناقد : حسن بنموسى

شاهد أيضاً

أحمد عبد الرحمن جنيدو

القُدْسُ تَحْتَ القِيْدِ – أحمد عبدالرحمن جنيدو

قصيدة من ديواني الجديد(إنّها حقّاً) القُـدْسُ تَـحْـتَ القِـيْـدِ نَامَتْ تَـرْسِـفُ. دَمُـهَـا النَّـقِـيُّ مِنَ النَّخاسـَةِ يُـرْشَـفُ. …

قِصَّةٌ قَصِيرةٌ مجنونةُ حَيِّنَا – هند العميد

مجنونةُ حَيِّنَا كانتْ أكثرَ العاقلين حكمةً ورشدًا ، هكذا كانتْ تراها أحرفُ القصيدةِ ، وصورةُ …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: