الرئيسية / دراسات / ليل الخيانة في ” ليل العائدين ” ل “عبد الحميد شوقي ” …بقلم عبد الإلاه رابحي

ليل الخيانة في ” ليل العائدين ” ل “عبد الحميد شوقي ” …بقلم عبد الإلاه رابحي

ليل الخيانة في ” ليل العائدين ” ل “عبد الحميد شوقي ” …بقلم عبد الإلاه رابحي

 

“الموتى لا يعودون في المساء ، ولا ليل للعائدين ” (ص 162 ) ،العائدون لا ليل لهم ، ومن لا ليل له لا حكي له ، من لا جراح له لا قصة له، والليل مأوى الحكي وموئله ، فيتكفل السارد ، مجبرا لا بطلا ، بحكي جراح الليل ، بخطاب استنطاق الصمت ، وتكليم الخرس ، إنارة العتمة ، والدخول إلى سراديب الظلمة حيث الألم يستدعي الإفصاح،والصورة الرمادية تنادي البياض كي يكون للصفح معنى ، وللحكي وظيفة ” التطهير ” تقليبا لمواجع جيل قدره أن جاء بين حكمة الصمت ووجوب الكلام ،كذلك كان وكد الروائي ” عبد الحميد شوقي”، وهو يجترح لليل الجراح عودة بين ” عودة المكبوت” و” عودة الوعي ” في فك أسرار الخيبات والهزائم إبان ليل أرخى سدوله بأنواع الهموم ليبتلي . ألم يقل السارد في ” ليل العائدين”، وفي الصفحة الأولى : “… لم تشتعل في شرايينه سوى صورة واحدة: مرج الدوالي التي تنفس هواءها ذات ليلة باردة وغادرها في فجر قاس ” (ص7 ) ، هي المدة الزمنية ، والفاصل الوقتي الذي جاءت ” ليل العائدين ” لحكيه ، تجميد ليلة باردة ، وتضخيم فجر قاس ، وكأني بساردها انما يحكي عبر صفحاتها المتعددة وقائع ليلة واحدة وفجر مفرد، كانت ليلة ليست بمقياس الزمن الخارجي العادي بل بمقياس الزمن النفسي حيث يؤاخي الألم والأرق دقائق التوقف البطيء ، وتمارس عقارب الساعة لسع البرد القارس القاسي على شخوص مترنحة بين الحلم والواقع ، ذوات تعيش الليل البارد بكل قسوته وتؤذي من أجسادها ضريبة الذاكرة المثخنة بالجراح. بين “مرج الدوالي ” و” القشلة ” و” العاصمة ” كان لسارد العائدين ما يحكيه بين وهم البطولة وحقيقة الخيانة ، بين الشهامة والخسة ، بين كبرياء البدويين ونذالة الحقراء منهم ، و” موسى ” يرحل بين الأمكنة حاملا ما ترسّب من أحقاد لم تزرعها غير معادلات مختلة بين أعيان يملكون فدادين على حدّ البصر ، وتابعين خدّاما لهم ، وتابعي التابعين أدركوا بحسّهم البدوي أن للحرمان سلاح الانتقام . وفي التباس معايير الصراع بين الهياكل الاجتماعية المتناحرة بصمت ، تركب الأطراف سرّ تصفية الحسابات الشخصية إلى حد ممارسة سياسة الأرض المحروقة في وضع فلذات الأكباد على السنة النار الملتهبة ، فترسم رواية ” ليل العائدين ” بدقّة متناهية مسار حياة ” موسى ” ، وهو يخط في ألواحه وصايا الخيانة ، وتبرئة الاختيار الفاشل في اتقان ممارسة الطعن من الخلف ، حيث اختزلت مذكّرته ، بعد فوات الأوان ، كل التفاصيل التي أفلح السارد في إخفائها بين ثنايا سطور الحكاية الملغزة … فمن هو ” موسى ” ، هذا الذي امتلك منذ البداية موهبة الاشتغال بصمت لإخفاء معالم الجريمة ؟ انه من جهة ” بطل ” الليل ، والمتحكّم في ليل الحكي من جهة أخرى ، هو الشخصية التي عاشت حقيقة الليلة الباردة في ” مرج الدوالي ” ، من مسائها القاتم الى فجرها القاسي ، وقد امتطى صهوة الخيانة يزيد بها ليل المكان حلكة ، يقول السارد : ” لقد وقع ما وقع في ليلة ما ، في دناءة ما ” (ص15) ، في الجهة المقابلة ، ولأن الأشياء بضدها تعرف ، كان ” المهدي ” ، الشخصية النقيض ، المتشبعة بروح الوفاء للتابعين وتابعيهم ، تسأل بوعي مبكّر عن ” حقيقة النجوم المصابيح التي زيّن الله بها السماء لرجم الشياطين ” (ص 16)، هي المصابيح / الأنوار التي كان المهدي يريد بها انارة الليل الدامس ل ” موسى ” حيث الخوف والمجهول ، هي الكتب التي أحاط بها نفسه كي يكون للأشياء معنى ، وينجلي ليل موسى الصامت دوما في حبكه لخيوط الغدر والخيانة انتقاما للطفل الذي كانه بين أم قاسية وزوج أم لا يبحث الا على التخلص منه ، يكبر معه الحقد على الآخرين ، وبصمت بالغ حدّ الخرس يعد نفسه لدخول مسالك الغدر ، ومدارج الخيانة ، تهييئا لاعدام الرفاق الحالمين بغد أجمل تحت يافطة ” القلاع الثورية ” ، ورمي ” نصيرة ” ، كما الآخرين ، رفيقة الطفولة في أحواش ” مرج الدوالي ” ، بين أنياب العسس الفولاذية بلامبالاة الحقد الدفين الذي سرعان ما اكتسح مروج مسقط الرأس ، ألم يقل ” الشيخ حداد ” ، وهو يسأل ” خضرة ” عن ” المهدي”، المغيّب في دهاليز الأمن غير الأمنة : ” شعلي الفتّاشة ، مال المحال مظلم ” (ص125)، ليردف بتعبير مجازي غامض يلتمس الجواب من وراء سعف الالتباس والغموض :” … الظلمة ، الظلمة ، شفتهم فالظلمة ، سمعت البارود …” ، هي نفس الظلمة التي أودت ب” الحكماوي ” ، سليل الأحرار ، في اختيار المسار الصعب . بذا كانت سيرة ” موسى ” في ” ليل العائدين ” سيرة المؤامرة التي حيكت ليلا لتنتهي بفجر قاس تلفّه رمادية الغموض ، والرفاق يتساقطون تباعا. هو نفس الغموض الذي اعترى حكي ليل الخيانة في تقطيع سردي يؤاخي بين المقاطع السردية المتناثرة ، ويحاول عبثا لملمة خطاب الذاكرة المبعثرة . نتف سردية ليلية من الهنا والهناك ، بقدر ما تصنع ” التشويق ” بقدر ما تخفي حبائل الحكي المتعثر تعثر المتواليات السردية كي يلائم الخطاب الروائي مضمون الحكاية ، ويستدعي قارئه لاعادة التركيب في اخلاص سردي لخطاب الذاكرة المنسية ، ووفاء تقني يتمرّد على كل كتابة تقليدية ترمي الى تدجين القارئ، بل هي الكتابة الحاثة على انتاج المعنى المتوارى خلف الأسرار الكامنة ، والأفعال الدنيئة المرتكبة في جنح ليل الخيانة. لم يكتب السارد سيرة النصر في ” ليل العائدين ” ، على غرار كتابة ” النهايات السعيدة ” ، بل كتب سيرة ” الأبطال المهزومين ” ، وهو يضع الأصبع على سبب الهزائم ، وعلّة الخيبات ، حيث الخيانة تسكن اللاشعور ، وتشكّل الجزء الأكبر من بنية عقل عروبي عمّر طويلا ، ولم ينجب ، نكاية ب” مّي عناية ” ، قابلة ” مرج الدوالي ” التي تهب الحياة بسخاء ، غير الفجر القاسي في انتظار ليال حالكة قادمة … وحيث المُخبر يموت مرّتين : واحدة خلال دناءة المعيش وحقارة الوجود ، وأخرى حين ” عودة الوعي ” ، على مشارف خريف العمر ، يقول ” موسى ” ، وهو العائد الى ” مرج الدوالي ” في نكوص مرضي من ليل الخيانة :” – أنا ميّت ، لا أريد أن أرى أحدا ، انسوني …!”(ص 53) ، فقط لأنه أدرك بعد فوات الأوان ، ما قاله السارد قبل ذلك ، في استباق استشرافي :” … لم يكن يعرف ان للتاريخ ذاكرة غير قابلة للخصاء…” (ص 15) . وفي تقابل النقيضين ( موسى والمهدي) من داخل المعقل الواحد ، بين موجبه وسالبه ، تكون لليل العائدين ميزة الكشف عن العلة الحقيقية لوأد الأحلام وواقع الهزيمة ، فليس العيب في الخصم التاريخي ، بل العيب كل العيب في ضعاف النفوس ، أولائك الذين يصرفون الاحباط الشخصي ، المحض ذاتي ، في افشال المشروع التاريخي ليتحوّل الصراع الموضوعي الذي من شأنه تسريع وثيرة التحول التاريخي الى تطاحن داخلي صامت يؤجل التحولات الى أجل غير مسمّى . من هنا تنهض ” ليل العائدين ” ، في تقديري ، على مثلث ، ضلعاه ” موسى ” و”المهدي”، وقاعدته ” نصيرة “. هو المثلث الذي هيمن على مدار الحكي في خاتمة الرواية اذ الأشياء بخواتمها ، ان لم نقل هو أساس الحكي كله ومبتغاه. وهو ما تعكسه ظاهريا على الأقل الدلالات المصاحبة لاختيار أسماء الشخوص ، حيث اسم العلم برتبط بوظيفة بؤرية تؤسسها دلالات مصاحبة، تمتد من المستوى اللغوي الى الرابط الاجتماعي والثقافي ، فيصبح اسم العلم صانع كينونة قبل ان يكون مكوّنا أو لعبة سردية : ف” موسى ” ، الضلع الأيمن من المثلث ، لغة ، آلة فولاذية مرتبطة دلاليا بالذبح، والنحر، والطعن ، والغدر، والقتل ، ولم يكن ” موسى ” في ” ليل العائدين ” الا تلك الآلة الحادّة لتنفيذ مؤامرة الطعن من الخلف ، وقد حيكت ليلا . كان المقابل الموضوعي لتنفيذ تقديم القرابين انسجاما والسياق الأسطوري الذي يحمله الاسم في اللاشعور الجمعي . أما ” المهدي ” ، المنقاد للخير لغة ، والدّال عليه ، يمهّد الطريق ويهيّئه ، ويرشد اليه ، يضيء السبيل ويبينه ، ولم يكن ” المهدي ” ، الضلع الأبسر من المثلث ، في “ليل العائدين ” الا السبيل الى تحقيق حلم الانتقال من شرّ مستشر الى خير منتظر بكل ما يحمله هذا الاسم من دلالات كامنة في التاريخ القريب من أمس ” مرج الدوالي ” ، يقول الضلع الأيسر للضلع الأيمن :” أنت قتلت شعابا وأودية وأحلاما مزروعة كالدوالي في مرج الدوالي وفي أحراش القلب …آه يا موسى “(ص232 ) . أما ” نصيرة ” ، القاعدة الخارجة من الضلع الأيسر، فلغة صيغة مبالغة للتأييد والعون واعانة المظلوم ، ولم تكن الا كذلك ، زادتها أنوثتها الطافحة تذويت التجربة كي تكون قربان الخير بين انياب الشر … انه المثلث الذي يجعل من ” ليل العائدين ” ملتقى القصدية الثقافية بكل روافدها والابداع الأدبي بكل جمالياته .

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في المجموعة القصصية (شيء عابر ) للكاتبة سمر الزعبي

بقلم: احمد محمود دحبور في احدى رسائل جبران إشارة الى أن القصة القصيرة هي : …

رواية 36 ساعة في خان شيخون

قراءة على رواية (36ساعة في خان شيخون – للروائي محمد عبد الستّار طكو)

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد رواية (36 ساعة في خان شيخون) وثيقة معتبرة، سلّطت …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: