الرئيسية / مقالات / محمد رمصيص : باحث و ناقد من العيار الثقيل مجدالدين سعودي

محمد رمصيص : باحث و ناقد من العيار الثقيل مجدالدين سعودي

محمد رمصيص : باحث و ناقد من العيار الثقيل

مجدالدين سعودي

محمد رمصيص و أعز ما يكتب :
هو ناقد متمرس …
عاقل و هادئ في أجوبته و مداخلاته … يطرح التساؤلات العميقة و لا تهمه الأجوبة ..
يزن الكلمات و العبارات بميزان الحكمة عبر تراكمات فكرية …
ناقد حتى النخاع و يكتب في النقد الأبي ( القصة ، الزجل ، الشعر ، الثقافة الشعبية … ) ..
الكتابة و الموت :
الموت ذاك الكائن الذي نجهل عنه كل شيء و يأتي على حين غفلة ، لكن الكتابة عند محمد رمصيص هي نقيض للموت ، لأنها استمرارية و وجود ، لهذا يقول : ( الكتابة لعب مع الموت ، سخرية من الزمن ، هزء من الرحيل الأخير . الكتابة اقامة في اللغة و سباق مع الوقت الآتي , تمرد على الصمت و اعلان عن حضور الذات … ) .
باصرار عشق الحياة يعترف محمد رمصيص : ( نعرف جيدا أن الموت يقين لكننا نصر على تصديق كذبة الحياة ) ، و يتابع : ( ربما كان التفكير في الموت ملهما للانسان و محفزا له على اكتشاف الكتابة و تأسيس الحضارة .. ) .
الكتابة عند محمد رمصيص حياة و وجود و تأريخ لهذا الوجود ، يقول : ( يقال عادة ، ان – الكتاب لا يموتون لسبب بسيط أن كتاباتهم تخلدهم في ذاكرة التاريخ .. ) …
الموت و الكتابة وجهان لعملة واحدة تدعى الوجود و التمرد ، لهذا يقول محمد رمصيص : ( فاذا كانت الكتابة بشكل من الأشكال صناعة لتلك الذات الراسخة في ذاكرة التاريخ و القادمة من المستقبل ، فان الموت نفسه صدمة مخبأة في الزمن الآتي … ) ، و يواصل بذكاء قائلا : ( ان جرح الموت لا تشفيه سوى الكتابة اذ بها يصنع الكاتب ذاتا سرمدية نكاية بالذات البيولوجية السريعة العطب … ) .
مع محمد رمصيص نستمتع بكتابة مغايرة و حكيمة عن الحياة و الموت و الكتابة ، بلغة بسيطة و عميقة في نفس الوقت ، يقول محمد رمصيص : ( يبدو الموت لأول وهلة غير عادل لأنه يأتي في الغالب بعد نضج الأفراد ذهنيا و جسديا ، لكنه في العمق فعل ديموقراطي يساوي بين جميع الناس … ) .
ما بين الكتابة و الموت وجود : ( فاذا كانت الكتابة بشكل من الأشكال صناعة لتلك الذات الراسخة في ذاكرة التاريخ و القادمة من المستقبل ، فان الموت نفسه صدمة مخبأة في الزمن الآتي … ) .
و بطريقة المبدعين و النقاد الكبار يكتي محمد رمصيص حول بعض تجليات الموت في الشعر العربي … يستشهد ناقدنا المتميز بعدة نماذج ، فيقول : ( و في ذات السياق يقول أبو العلاء المعري عن الموت باعتباره الحقيقة الوحيدة في هذا العالم الزائف ، و لذلك فهو يعري الحياة و يكشف سرابها :
صاح هذه قبورنا تملأ الرحب فأين القبور من عهد عاد
رب لحد قد صار لحدا مرارا ضاحكا من تزاحم الأضداد ) ..
و كذلك : ( حيث نصادف محمود درويش مثلا يعطينا الانطباع و كأنه مات مرارا قبل موته الفيزيقي ثم عاد ليحكي لنا قصته مع الموت :
أحبك يوما
و أعرف تاريخ موتي
بدون انتحار
وراء الخريف البعيد
أمشط شعرك
أرسم خصرك
في الريح نجما و عيد ) ..
محمد رمصيص و التنوع الأدبي :
ينهل محمد رمصيص من الثقافة الهندية و المسيحية و البوذية والاسلامية و غيرها ..
و عندما يكتب ، يتأمل الكون فيكتب ، ثم يتساءل ، ليكتب ، و لهذا تأتي كتاباته عميقة … فهو الناقد الأكاديمي المتمرس و الباحث الحقيقي الذي يقوم بتشرح موضوعاته بمهارة و قدرة كبيرة …
المهرجانات الثقافية:
انطلاقا من تجربة الدكتور و الناقد محمد رمصيص في الملتقيات و المهرجانات الثقافية ، فهو يؤكد على أن تكون لهذه المهرجانات قيمة أدبية و فكرية و علمية مضافة عوض مهرجانات البهرجة ، فالمهرجانات الثقافية بالنسبة اليه : ( هي تتويج لحصيلة جماعية و تراكم في الابداع و النقد و التأمل و التفكير – على مدار سنة – و ليست رقما أو نسخة مجانية تضاف لأرقام بدون معنى … )، لهذا يؤكد على وجوب وجود استراتيجية الفعل الثقافي و حضور استراتيجية العمل الثقافي عبر القراءة العلمية الدقيقة في تجربة الضيف و الاحتكام للهوية الابداعية للمبدع و توثيق أنشطة المهرجانات …
محمد رمصيص و الموضوعية :
في كل كتاباته ، هناك عمق و رؤيا حقيقية و استشهادات ملائمة و اختيار مواضيعه بدقة متناهية و الابحار في عمق القضايا ..
محمد رمصيص كاتب كبير و ناقد حقيقي …
الثقافة الشعبية :
يمتاز محمد رمصيص ببعد النظر في تشريحه للمفاهيم و الظواهر الاجتماعية ، فهو دائما ينطلق من الأسئلة التي هي مفاتيح دراساته النقدية ، فعن الثقافة الشعبية ، يقف طويلا أمام التسمية ، و لهذا يشرك القارئ و الباحث معه و يحثه على الغوص بعيدا في المفاهيم عوض الارتكان الى قبول كل التسميات ، فيطرح حول مفهوم الثقافة الشعبية ما يلي : ( هل يمكن الحديث عن مفهوم الثقافة الشعبية ؟ … و هل يمكن للمتعدد أن ينتج ثقافة بصيغة المفرد ؟ و هل يمكن للمختلط طبقيا أن ينتج صوتا ايديولوجيا واحدا ؟ ألا يجدر بنا الحديث عن ثقافة الطبقة المسودة و ثقافة الطبقة السائدة ؟… ) ، و لهذا يعتبر سي محمد رمصيص المفهوم ملتبس و غير دقيق علميا ..
يستنتج الناقد الكبير أن مفهوم الثقافة الشعبية : ( توضع في مقابل الثقافة العالمة ) كذلك، و مع هذا يتبادلان التأثير و التأثر ، و لكل هذه الاعتبارات و غيرها يفضل الأخذ مرحليا بمفهوم الثقافة الشعبية ..
و حسب الناقد دائما ، ( تتصف الثقافة الشعبية بكونها نصوص مجهولة الصاحب ، أو لنقل أنها نصوص جماعية كتبت من طرف ذوات غير معروفة … فضلا عن كونها ثقافة شفاهية في الغالب بخلاف الثقافة العالمة … غير أن هذا الزوج المفاهيمي ( شفاهي – مكتوب ) يلزمه الكثير من التأمل و الحفر …
محمد رمصيص : تواضع الكبار
قليل الكلام و كثير القراءة ..
صديقه الوفي مكتبته الممتلئة بكل أصناف الكتب و المعرفة ، هو و الكتاب وجهان لعملة واحدة تسمى الابداع …
الشيخات و الفن الأصيل :
يعرف سي محمد رمصيص الشيخات قائلا : ( شريحة من النساء يحفظن الشعر الشعبي ، يجدن الرقص و لهن حس موسيقي مميز و صوت طروب ، يتقن في الغالب العزف على الآلات الايقاعية و أحيانا يجدن العزف على الآلات الوترية كما يحفظن المقامات و الطبوع الموسيقية الشعبية … ) . كما أنهن : ( يؤثتن أعراس المغاربة و يصنعن أفراحهم بالغناء و الرقص … ) ، و الشيخة المغربية هي كذلك : ( مرآة اللباس المغربي التقليدي الأصيل و ذاكرة للشعر الشعبي … ) ، لكن للأسف ( ظاهرة الشيخات بالمغرب الراهن في تراجع لعدة أسباب …
يواصل محمد رمصيص قائلا : ( ان رقص الشيخات بقدر ما يحاكي اللعب الجماعي المتحرر من الضوابط يؤسس لفرجة تستدعي مشاركة وجدانية من طرف المتلقي و خروج استعراضي لهن من ذواتهن … يلتقي الاثنان في نقطة خارجية حيث يتقوى الشعور بالتوحد في فرجة احتفالية مزدوجة التلذذ … لحظة ينمحي فيها الفرق بين المؤدي و المتلقي أو يكاد عبر وسيط الصوت و الانشاد و الرقص … ) .
يواصل محمد رمصيص تحليله و قراءته ، فيقول : ( ان جسد الشيخة لحظة الرقص و هو يسافر بنا في التاريخ الموغل في القدم تصبح له بسبب هذا ، قدسية مضاعفة و ملتبسة ، فهو في لحظة الرقص يصبح ملكا للجميع و في ملكية اللا أحد في الآن نفسه … ) .
ختامه مسك :
عالم محمد رمصيص عالم المعرفة و القراءة و الكتابة ، و كتبه القيمة تشهد له بذلك …
هو كاتب قليل الكلام و حكيم كلامه القلم الذي يحفر في الثقافة تأريخا و بحثا و عملا رصينا ..
محمد رمصيص ثابت في مواقفه و ملم بميدان النقد …
مجدالدين سعودي
كاتب و اعلامي و ناقد مغربي

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في المجموعة القصصية (شيء عابر ) للكاتبة سمر الزعبي

بقلم: احمد محمود دحبور في احدى رسائل جبران إشارة الى أن القصة القصيرة هي : …

رواية 36 ساعة في خان شيخون

قراءة على رواية (36ساعة في خان شيخون – للروائي محمد عبد الستّار طكو)

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد رواية (36 ساعة في خان شيخون) وثيقة معتبرة، سلّطت …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: