الرئيسية / دراسات / بقلم د. أحمد عقيلي / المنهج التكاملي في عيون النقّاد: (الدكتور سعد الدين كليب نموذجاً) – بقلم د. أحمد عقيلي

المنهج التكاملي في عيون النقّاد: (الدكتور سعد الدين كليب نموذجاً) – بقلم د. أحمد عقيلي

تناول كثير من النقاد المنهج التكاملي في النقد بين مؤيد ومحايد ورافض، ولعلي أقف على أبرز تلك المواقف في ملامسة نقدية شفيفة، ولعلي أبدأ مع الناقد الدكتور سعد الدين كليب ، الذي عالج المنهج التكاملي بصورة موسّقة، وقدّم عرضاً لتطوّره التاريخي، ثمّ ناقش المصطلح، إذ يحاول أن يعرّف المنهج عموماً، فيرى أنّه مجموعة من الأدوات المعرفيّة التي تحدّد مسارالبحث والباحث معاً، كما حدّد السمات العامة للمنهج النقدي وهي: الانسجام والاتساق بين أدواته المعرفيّة، ووصل من هذا التعريف إلى نتيجة مفادها أنّ المناهج النقديّة من نفسيّة وبنيويّة وواقعيّة وأسلوبيّة، تتسم بانسجام داخلي فيما بين مفهوماتها ومقولاتها ومصطلحاتها، لكنّه رأى أنّ الدمج بين هذه المناهج مجتمعة في منهج تكاملي واحد أمر غير دقيق لأنّ في هذا الدمج تناقضاً كبيراً، يقول :” نلحظ أنّ ثمّة تناقضاً في المنطلق أو في المفهومات المحوريّة بين تلك المناهج الثلاثة، ممّا يؤدي إلى أنّ ثمّة استحالة في الجمع بين تلك المناهج في منهج واحد، بصرف النظر عمّا يمكن أن يحمل من تسميات ” يشرح الدكتور سعد الدين هذا التوجّه فيرى أنّ مفهوم اللاشعورهو المركز والمحور في المنهج النفسي، لكنّه في المنهج الواقعي فمفهوم الواقع هوالمركز والمحور، علاوة على أنّ المنهج النفسي يدرس العمل الأدبي من خلال إحالته على الطبيعة النفسية للفرد، في حين يدرسه المنهج الواقعي من خلال إحالته على الطبيعة الاجتماعية للطبقة، بالمقابل فإنّ المنهج البنيوي يرفض أيّ إحالة للعمل الأدبي، ولعلّ هذا هو السبب الذي دفع الدكتور سعد الدين إلى القول باستحالة الجمع بين هذه المناهج في منهج واحد إلا إذا استطعنا الحصول على أدوات معرفية منقّحة تنقيحاً يتناسب مع المنهج القائم على الجمع بين المناهج المختلفة والمتناقضة، وهذا بعيد لأنّ الدكتور سعد الدين يرى أنّ الجمع بين الواقع واللاشعور والبنينة، سيؤدي إلى خلط وتشويش، وبالنهاية إلى ما يسمّى بالتلفيق البعيد عن الانسجام والعلميّة، يقول: ” إنّ الجمع بين الواقع واللاشعور والبنينة، بوضعها مفهومات محوريّة ذات مضمونات محدّدة في منهج واحد، لايؤدي إلى خلط وتشويش؛ مما يعني عجزاً عن التعامل مع المنهج ومع الظاهرة الأدبية على حدٍّ سواء ” أشار الدكتور سعد الدين كليب إشارة مهمّة وهي أنّ هناك من جمع بين منهجين فقط وليس مناهج عدّة، وهذا ممكن برأيه، واستشهد بـ ( جاك لاكان )، الذي جمع بين المنهجين النفسي والبنيوي، و( غولدمان )، الذي جمع بين المنهجين الواقعي والبنيوي، لكن بعد إجراء بعض التعديلات التي يتطلّبها هذا الجمع، ومن النقّاد العرب ( جورج طرابيشي)، الذي جمع بين المنهجين النفسي والواقعي . يصل الدكتور من خلال ذلك كلّه إلى إلى إثارة سؤال مهم : ” هل ثمّة منهج تكاملي؟ أو نقد تكاملي ؟ للإجابة على هذا السؤال عاد إلى جذور الفكرة التكامليّة ابتداءً من سيّد قطب وفيصل وصليبا، وانتهاءً باليافي، فرأى أنّها لا تعدو كونها رغبة في الإفادة من المحاسن والابتعاد عن المساوئ دون تحديد الكيفيّة أو الإجراء التطبيقي لذلك المنهج، وقد وقف الدكتور سعد الدين مطوّلاً على موقف اليافي وناقش الأسس الخمسة التي وضعها له، ورأى أنّها أسس لا تحدّد منهجاً ولا تقترح أدوات معرفيّة، وإنما هي في قسم كبير منها تخصّ الناقد الأدبي وليس المنهج، فالموسوعيّة مثلاً لا يمكن أن تكون وصفاً لمنهج اليافي، إضافة إلى أنّ حصر هذه الصفة بالناقد التكاملي غير علمي وفيه الكثير من المغالطة، يقول: ” إنّ الناظر في تلك الأسس يلحظ بشكل واضح، أنّها لا تحدّد منهجاً ولا تقترح أدوات معرفيّة. بل إنها في شطر كبير منها خاصة بالناقد الأدبي لا بالمنهج .وذلك مثل الموسوعيّة والانفتاح والانتقائية، فهذه صفات خاصّة بالمنهج أو النقد. ” يتساءل د. سعدالدين تبعاً لما تقدّم هل يمكن اعتبار ناقد الواقعية( جورج لوكاتش)، والناقد النفسي الأوّل ( فرويد)، عديمي الموسوعيّة ؟! لعلّه بهذا التساؤل يرد على فكرة اليافي التي تحصر الموسوعيّة بالتكامليّة، كما لاحظ الدكتور سعد الدين أنّ اليافي حين نادى بالتركيب بين المفهومات والمصطلحات من مناهج مختلفة خدمة لمنهجه التكاملي، أغفل تحديد مجال هذا التركيب، كما أغفل الإجابة عن الأسئلة التي تواجه مفهوم التركيب، ولم يجب عن الأسئلة التي تواجه مفهوم التركيب، واكتفى بالتفريق بين التركيب والتلفيق، متجاوزاً قضيّة مهمّة وهي أنّ مجالات التركيب وطبيعته وطريقته، مسائل غير متّفق عليها بين النقّاد . كما تناول الدكتور سعد الدين قضيّة التحديد التي اقترحها اليافي، ورأى أنّها قضيّة مهمّة يتفّق فيها مع اليافي في كونها عنصر أساسي في العمليّة النقديّة، لكنّها ليست المنظور الأوحد في هذه العملية، ومن ذلك كلّه وصل إلى الحكم بأنّ الأسس التي اقترحها اليافي للمنهج التكاملي، ما هي إلا أسس عامة لا تحدّد منهجاً ولا توضّح طريقةً، إذ إنّ بعضها خاص بالنقد وبعضها الآخر خاص بالمادة وآخر بالمنهج، وذلك كلّه بشكل عام ومجرّد، وهذا مادفعه للقول بأنّ مشكلة المنهج التكاملي تكمن في كونه منهج بلا هويّة، يقول : ” إنّ مشكلة ما يسمّى” بالمنهج التكاملي” تكمن في كونه منهجاً لا هويّة له، إذ إنه “منهج” يعتاش على المناهج السائدة عادة، فمرة يبدو بنيوياً، وأخرى يبدو أسلوبيّاً، وثالثة واقعيّاً، ورابعة نفسيّاً… وهكذا ” يصل الدكتور سعد الدين في النهاية إلى حكمه النقدي، ومفاده أنّه لا وجود للمنهج التكاملي ولا للنقد التكاملي، إنما قد نجد ناقداً تكامليّاً، يحاول الأخذ من كافّة المناهج ممّا يميزه، لكن لا يجعله معصوماً عن الخطأ، ولهذا اعتبر أنّ المنهج التكاملي حلم ورغبة لايمكن تحقّقها، واستدلّ على ذلك مرور أكثر من خمسين سنة على أولى الدعوات إليه دون ولادة حقيقية لهذا المنهج، ويقول الباحث أنّنا قد نجد ناقداً تكامليّاً يحاول الإفادة من المناهج النقدية كلّها أو بعضها، لكنّ هذا الناقد لايمكن أن يشكّل ظاهرة قابلة للتعميم، أو أن تكوّن منهجا تكامليّأ مستقلا .

شاهد أيضاً

حديث غزة – منصر فلاح

  لأجلك يا ذرى المجد العتيد أهيم اليوم بالعشق الأكيد . أمرغ حرف قافيتي وأهذي …

محمد الربادي

تلاوة الحنين – محمد الربادي

  حار عقلي في هموم المتعبينا سال دمعي في دروب الحالمينا حين أتلو في حنيني …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: