الرئيسية / دراسات / قراءة في قصيدة – لدي فائض من كريات الحزن للشاعر جابر محمد جابر – إياد النصيري

قراءة في قصيدة – لدي فائض من كريات الحزن للشاعر جابر محمد جابر – إياد النصيري

جابر محمد جابر —-الرجل الجنوبي الذي تغنى بحب الشعر وعشق الجمال والهدوء والطبيعة–ورسم حرفه باتقان –للارض -والوطن–والانسان— واحب بصدق الصادقين–رغم الحزن الذي يعتريه من جوانب اخرى-
جابر—لم يكتب الشعر فقط— انه ملم بالجوانب الادبية والثقافية–يكتب القصة-والرواية-والخاطرة–ويمارس الصحافة في عمله الابداعي–
قصيدة « لدي فائض من كريات الحزن » واحدة من قصائد الشاعر جابر محمد جابر الفنية، المدرجة في ديوانه : « دوائر مربعة » التي تشد القارئ إليها وتستدرجه إلى عالمها الذي أتقن الشاعر بناءه فكرا وعاطفة ولغة وتصويرا. أحاول في هذه القراءة أن ألامس بعض دلالاتها العميقة وخصائصها الفنية والجمالية، بالوقوف على تجليات الحلم واللغة الشعرية في القصيدة.أما اللغة في القصيدة، فهي لغة شعرية تقوم على خلخلة لغة التخاطب المألوفة وإعادة بنائها وفق رؤيا الشاعر العميقة والفلسفية، وبفعل خاصية التخييل. فيجعل الشاعر جابر محمد جابر منها لغة شعرية خاصة تسعفه في تقديم ترتيب وتعريف جديدين للأشياء في أذهاننا، وتحديد طبيعة العلاقة بين الإنسان وذاته وبين الإنسان ومحيطه. ان من مزايا شعر الحداثة عموما، وشعر –جابر–الذي بين أيدينا خاصة، خلوه من أدوات الاستطراد والربط في أغلب القصائد، حيث نجد القصيدة لديه كتلة واحدة السبك تقودك منسابة حتى تصل لنهايتها، وهنا نلاحظ ميزة رائعة ووجميلة في شعر –جابر–وهي: أن القارئ يتشوق للنهاية تماما مثل القصة القصيرة والرواية حيث أن نهاية القصيدة هي لحظة التنوير الكبرى في شعر جابر—- حيث اصف نص شاعرنا جابر بأنه عالم من الحزن لا يعرف كنهه لكن زادته ألقا وتفردا فلفظة ” الحزن ” تكررت في النص–خمسة مرات–
لقد عمَّق الشاعر صورته ووفق في التنبيه إلى المضمون عن طريق توزيع مضمون السياق، إن إعادة القراءة مرة أخرى للنص تنبهنا إلى لفتة جمالية في هذا الجريان السريع للأسطر، الذي يقوم على تعابير ليست مألوفة تحمل معنى في انفراد كل واحد منها بسطر مستقل.
كثيرة هي الصور الفنية التي تعمق رؤية الشاعر، وتضفي عليها جمالاً ورونقاً نابعاً من صدق التجربة واضطرام المعاناة، لتصبح الدلالة الشعرية معادلاً موضوعياً ودقيقيا بنبض المعاني المتدفقة الآخذة بتلابيب الظلال الحيوية المتجددة، فضلاً عن تكثيفها بإشارات تتلبس الألفاظ والجمل في لغة شعرية أخاذة.
لقد اخذنا جابر وحلق بنا نحو فضاء واسع ليشعرنا انه يعاني من حزن موجع في نص ثري متعدد الصور الشعرية —
الصورة وحدة من الوحدات الأساسية التي برع فيها الشاعر في صياغة قصيدته، وهي أفضل سبيل لنقل تجربته، وتثبيت الآثار الشعورية للشعر في النفس، كما أن القصيدة صورة كبيرة أدت إلى نجاح العنصر الفني المتمثل بالصورة، وهي صورة من المزية الغامضة أو السريالية اللاواعية، ومع ذلك فهي ذات بعد عميق لتفسير الحالة.
إن الشاعر –جابر محمد– أثبت لنا من خلال هذا النص الجميل قد ساهم ،في تكوين قاموس شعري ولغوي ثري استطاع أن يشق لنفسه طريقا جديدا يخصه وحده ولا يشبه أو يقلد غيره فيه، وهذا كافٍ لأن يلفت إليه الأنظار فهنالك فرق بين أن تقرأ لشاعر وتفيد من تجربته في تنمية ثقافتك الشعرية واللغوية، وبين أن تتكئ على شعره في كتاباتك، فالشاعر يكتب دوما مستمدا عباراته وصوره من مخزونه اللغوي وذاكرته الشعرية، وأيضا ما يحيط به من أحداث—-
ولا أستطيع إغفال التجربة الشخصية وتأثيرها في شعره، فقصيدة هنا أتت من معاناة وأخرى قالها مسحوراً بها حبس الإحساس بالجمال وبين هذه وتلك يكون الصدق الغني حاضراً في قصائده واعتقد أنها وراء إعطاء الصورة الجميلة عند الشاعر جابر محمد جابر—
وأنتهز هذه الفرص لأبوح بما يخالج شعوري تفاؤلاً صادقا لم أقله من قبل، إن هذا الاسم إن كتب الله له أن يعيش طويلاً ولم تعاكسه الفروق سيكون رقماً شعرياً مهماً ليس على الساحة المحلية فقط، ويظل هذا إحساسي الخاص، لأني أرى موهبة شعرية مميزة، وشاعرية تظل من خلال قصائده والتي بإذن الله ستنال إعجابكم وستداعب الذائقة الشعرية لديكم،
نص القصيدة
————————لدي فائض من كريات الحزن.. جابر محمد جابر
احترمت حزني ،
لأنه ترفع عن الأفشاء ..
حتى لظلي ،
حزني كان له ..
مقام التاريخ وسطوته
انا ..
رجل الشهوات الأرضية
والفرح المنخفض ،
الذي نام دوماً..
عند اقدام الحقيقة
ها أنا أمشي
بوحل احذيتي
على احلامي
وحين غفى أرقي..
وغط في نوم عميق ،
على فراش الحرمان
جاءت قاطرة عمري
المزدحمة باحزان الاخرين ،
تسير بتباطؤ مقصود ..
لم اعد اثق ببراءة الطيور ..
الانهار…
لذلك اغلقت نافذة وجعي
لكي لاتطل شرفتي ،
على فاجعة .
***
يوم فتحت مفكرة حياتي
لم اجد غير جثة الوقت
تتمدد باسترخاء
وجسدي يجهش بالبكاء سراً
صرخت باسمها ..
متى ينتهي ذلك الغسق الحلمي
ثمة التباس جسدي حصل
وانا انظر
في جغرافيا رغباتها المتوحشة
جلست اتأمل ..
جمالية انوثة ملغمة ..
بلغز مركب
قررت ..
ان امتنع عن الجلوس
الى مائدة الحياة الفاخرة
واضع تعاستي ..
في ذاكرة الفقدان
كي اوهم الغبار
ان يلاحق ذاكرة مظلله
لاحتفظ ..
بجمالية الحزن الهادئ
وبلاغة الصمت ،
وفصاحة التهكم ،
لأن لدي ..
فائض من كريات الحزن
————————————
جابر محمد جابر
شاعر وكاتب صحفي
*ولد في مدينة العمارة
*تخرج من معهد المعلمين بصره
*عمل في الصحف والمجلات الادبية محرراً ثقافياً
*عمل في المكتب الاعلامي لوزارة الثقافة
*عمل رئيساً لتحرير جريدة الحضارة وهي ادبية تصدر عن وزارة الثقافة
*عمل محرراً ثقافياًَ في دار الشؤون الثقافية العامة
*عضو اتحاد الادباء العراقيين واتحاد الادباء العرب
*عضو نقابة الصحفيين العراقيين واتحاد الصحفيين العرب
*عمل اميناً لسر اتحاد ادباء ميسان لدورتين متتاليتين
*اصدر المجاميع الشعرية التالية
– قصائد ملعونة -1977
-دفء الثلج -2000-وزارة الثقافة
-تعاويذ هرمة -2003
-احلام مبللة -2007- وزارة الثقافة
-دوائر مربعة -2012
-مطر على رصيف الذاكرة -2013 –قصص قصيرة جداً
-له تحت الطبع
– سلالم الصحو – رواية
-صرخة بوجه الغول – -رواية
– زوايا المفارقات الحادة – كتاب نقدي
*فاز بالجائزة الثالثة في مسابقة اتحاد الادباء العراقيين للقصة القصيرة جداً
* فاز في مسابقة منتدى نازك الملائكة للقصة القصيرة جداً عام 2012 بالجائزة الثالثة
* يعمل حالياً محرراً ثقافياً في جريدة المشرق الدولية

شاهد أيضاً

اللغز  المجنح ( كوروناCovid-19 ) – هويدا ناصيف

كورونا covid-19 فيروس من عائلة كورونا المكونة من ( سارس١ -ميرس-سارس٢ ) فكيف إنتقلت الى الانسان ؟ نحن في رحلة غير معروفة  تماماً مع هذا الفيروس فالعلماء حول العالم لا يفهمون تصرفاته المختلفة تماماً من دولة الى دولة ومن جسد الى جسد  فإنتشاره السريع في الصين فاجأ العالم وهزّ عروش الحكام  فقطّعت العروق ما بين الدول وتصحّرت المطارات  إنّه الوباء الأكثر فتكاً والأكثر  عنفاً مما سبقه من  أوبئة وفيروسات ً.

قلق كُورُوني (أدب العزلة في زمن الكورونا) – محمد فتحي المقداد

قصة قصيرة بقلم الروائي -محمد فتحي المقداد منذ الشّهر الفائت قالها صديقي الشّاعر: “أنا قلق”. …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: