الرئيسية / دراسات / المناص والمتعاليات النصية في أضمومة “انكسار السراب ” ل:زكية حداد إنجاز : الميلودي الوريدي

المناص والمتعاليات النصية في أضمومة “انكسار السراب ” ل:زكية حداد إنجاز : الميلودي الوريدي

المناص والمتعاليات النصية
في أضمومة “انكسار السراب ”
ل:زكية حداد
إنجاز : الميلودي الوريدي

مدخل منهجي :
ما بين مصطلحات “المتعاليات النصية “و ” المناص ” و” الهوامش النصية ” و” النص المحيط “… يبرز تعريف جيرار جينيث للمتوازيات النصية = المناص على أنه : (كل ما يجعل من النص كتابا يقترح نفسه على قرائه أو بصفة عامة على جمهوره ،فهو أكثر من جدار ذو حدود متماسكة ، نقصد به هنا تلك العتبة بتعبير ” بورخيس ” البهو الذي يسمح لكل منا ، دخوله أو الرجوع منه …) ويتحدد بمجموع الافتتاحيات الخطابية المصاحبة للنص أو الكتاب ، من اسم الكاتب ، والعنوان ، والمؤشر الإجناسي ، والتصديرات، والتظهير …ولفهمه لزم فهم أنواع مبادئه ، التي ستمكننا من تحديد نظام الرسالة المناصية ، الحاملة لعناصرها الفضائية ، والزمانية ، والتداولية ، والوظيفية … لكنني سأتبنى في مقاربتها منهجا انتقائيا ، يعتمد مبادئ الأهمية ، والمألوفية ، والتناسبية ، بما يوافق الحال والمقال ،لذا سأقتصر على مقاربة العتبة الغلافية ، والمؤشر الإجناسي ، والتصدير ، والعتبات الصغرى ،وأخيرا المؤشر الإسمي .وما يشفع لي في تبني هذا المنهج الانتقائي /الإقصائي هو كون العنونة مجموع معقد أحيانا أو مربك ، وهذا التعقيد والإرباك ليس نابعا من طوله أو قصره ، لكن مرده إلى قدرة المتلقي على مجاراة إشكالات تحليله وتأويله حتى بالنسبة للقراء الافتراضيين لنصوص القص القصير جدا .والذين هم معياريون طبعا ..
نظام العتبات في الأضمومة :
* العتبة الغلافية :
(انكسار السراب) تضعنا أمام كم من التأويالات والمقاربات ،أهمها النحوية ، ثم البلاغية ، وبعدهما القصدية الوظيفية ،فهي نحويا تطرح إشكال العلاقة الإسنادية والنسبية ،اعتبارا لكونها نُسجت على علاقة إضافية من مضاف “انكسار ” ومضاف إليه “السراب،وهما طرفان لم يجردا للإسناد التام ،بل يشكلان تركيبا إفراديا تختص بهالإضافة والصفات والمصادر، لأنها لم توضع أصلاً للإسناد، ولكنها لا تخلو من نسبة تربط طرفيها لتؤدي معنى خاصا لا يؤديه غيرها من الابتدائية والفعلية في النسبة الأصلية، لأنهما أصلا الإسناد الإسمي الدال في الغالب على ثبوت الصفة اذا لم يقصد المتكلم في الجمل الفعلية وقتاً معيناً لحصول الأحداث فيها، وإنما يقصد إلى معرفة نسبة الحدث، أو إمكان حصوله ( فهناك كثير من التراكيب لا يطلب فيها المتكلم اكثر من معرفة نسبة الحدث ووقوعه) وكأنه في ذلك أحال الأحداث إلى ما يقترب من اتصاف المسند اليه في الجمل الاسمية، لأن مضمونها الفعلي لم يقع على أساس التصور الذهني للأحداث، ذلك التصور الذي لا يحتاج في الغالب إلى زمن ما، وبما أن الإسم لما كان يصلح لطرفي النسبة، والأسماء توصف ولا يوصف بها، نجد أنفسنا مضطرين لإقامة الدلالة وعقد القول على الإفادة والتبليغ، إلى التأويل والتقدير القائم على أن المرجح عند النحويين أن الأسبقية تكون للمخبر عنه أو المنسوب اليه، وهو الإسم لذلك اشترطوا فيه التعريف لكونه معلوما بخلاف الخبر، فإنه نكرة، وهو بذلك حديث مبين للمنتسب إليه، لأن وظيفة النسبة هي ربط المنسوب بالمنسوب إليه ، وليس العكس،و بهذا يكون أصل القول ” السراب المنكسر ” وما كان بناء التعبير على الوجه الأول لدى القاصة إلا لأهمية الانكسار على السراب في وجدانها .
وهنا يتمظهر الإشكال بلاغيا على نحو تساؤل – هل يمكن وصف السراب بالانكسار عقلا ؟
الجواب طبعا ب” لا” .. .لكن في درس اللسانيات الحديثة يدخل “لو سيركل ” مثل هذه التعابير فيما أسماه ب(المتبقي) من اللغة,الذي يروغ من قواعد النحو ويتفلت من قوانين الألسنية ,- وهو الجانب الذي يرتع فيه المبدعون والشعراء -…ومع أنه لا يسير بحسب القواعد اللغوية إلا أنه يغني اللغة و يرفدها ولا ينقض عراها –حسب قول جيرار جينيث –في كتابه “عنف اللغةّ”..كما يحضرني هنا حديث ” ريفاتير” عن ” السياق الأصغر ” الذي يمكن التدليل له بالاستعارات التي تقوم على نعث الشيء بما لا يُعد من صفاته نحو : ” عطر صارخ ” فالاسم الأول في العبارة ” نسق أصغر ” والوصف المخالف لطبيعته ” انحراف ” . ويمثل ريفاتير لهذه الوحدة الاستعارية بالمعادلة الشهيرة :
نسق أصغر + مخالفة = مسلك أسلوبي .
القصدية الوظيفية :
معلوم أن العتبة تتمتع بأولية تراتبية في التلقي على العمل ،وهذه الأولية تعني قيام مسافة بيِّنة بين العمل وعتبته ، بما يمنح الإثنين استقلالهما بنسبة أو بأخرى لتستقل العتبة ,وظيفيا بمقاصد نوعية تفرض اتصالا سبقيا بين الكاتب والمتلقي ، ومن ثم نرى أن على المنهج المقارباتي الموجه إلى العمل ، أن يُفرد إجرائيا مستويين لتحليل العتبة ، ينظر الأول إليها باعتبارها بنية دلالية مستقلة لها اشتغالها الدلائلي الخاص ،وهنا في عتبة الساردة” زكية حداد ” (انكسار السراب ) نلمس بعدا تكسيريا ورغبة هدمية للمعنى الموروث للسراب المتجدر في الوجدان العربي ، عبر أمثالهم ،والتي تنبني على تقرير سلطته التوهيمية والتغريرية ، فقد قيل :(أغر من السراب ) لأن الظمآن يحسبه ماء. ويقال في مثل آخر : ويخلف من رجاه . لكن المتتبع للفظ ” السراب ” المنحدر من ” سَرِبَ ” .كالسراب يغر من رآه
الفعل بمعنى (سال) ، أومن الإسم (سَرَبَ) بمعنى المسلك الخفي كما جاء في الآية : (فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَباً ) يصطدم بدلالته الأيقونية : كصفة لما ليس له وجود إلا في المخيلة ،لكن المفهوم نفسه
ستتسع مدلولاته بتعدد العلوم الإنسانية التي وظفته بخلفيات إبستيمولوجية مختلفة، وبمكونات مصطلحية متعددة ،و يكتسب حجية رمزيته وحقيقة دلالته .
وهنا ينبري خيال زكية حداد لإضفاء صفة الانكسار عليه فيصبح عائقا مرئيا ومحددا بشكل مخصوص يستعير صفات القدرة على عكس المرئيات وحجبها أيضا كلما ازدادت درجة عتامته وسماكته ، فهل هي دعوة منها إلى تكسير ” الوهم ” والاحتفاء ب”العقل ” طبقا لتصور “اسبينوزا ” القائم على وجود معرفتين :
1) معرفة أولية غامضة ووهمية
2)معرفة عقلية ، تصارع لهدم الغموض والوهم وتتغيى القطيعة مع المفاهيم الجمعيىة المشتركة ، والانتصار للمفهوم الفرداني .الذي تحكمه ملكة الفهم (الفاهمة )وهي ملكة خلخلة القواعد ، وإعادة بناء المفاهيم ، التي تقوم بها الذات المبدعة المتخيلة ، وتقتفيها فيه الذات المتفلسفة العالمة.
أما المستوى الثاني في مقاربة العتبة فهو المستوى الذي تتخطى عبره الإنتاجية الدلالية لبنية العتبة حدودها متجهة نحو العمل ككل، ونحو نظام التعتيب النصي للمتن الحكائي، وأنساقه ومرجعياته السطحية والمضمرة . وسنأتي عليه في حينه .
العتبة الإجناسية: *
تندرج الأضمومة إجناسيا ضمن السرديات القصيرة جدا ، أو كما اصطًلح على تسميته (القصة القصيرة جدا ),وقصرها مرده إلى القصر الشكلي ولا يتعلق بأي حال من الأحوال بالمدى الدلالي , بمعنى أن نصوص القصة القصيرة جدا في شكلها اللفظي لا تقبل إلا اللفظ الغني دلالة ، الكثيف إشارة …الموحي والمُلمّح إحالة وتضمينا ..المحيط رمزا وعلامة ..والمتعلق بالعقدة القصصية المضمنة في النص …ومعناه أيضا أن نصها نصوص متعددة ,مسكوت عنها تمتاز بأنها قادرة على التوالد وجاهزة للتوليد والتفريخ وإعادة الانكتاب تبعا لمرجعية القارئ وسياق وأعراف القراءة المتبناة..وبالمقابل فهي نابذة للمباشرة وللفظ الاعتيادي اللازم للحدود القاموسية بدل الحدود البلاغية وهنا تحضر مقصديتها الإحيائية….كما يتجاوز خطابها الفني حدود السرد المباشر الأحادي الدلالة إلى آفاق التصوير البلاغي والمجازي والرمزي المتميز بانزياحه وقد متحت نصوص “زكية حداد ” وعتباتها من هذا المعين الذي لا ينضب ، وسخرته بكل حمولاته الممكنة ، عن طريق :
-الإزاحة المكانية : حيث يزيح النص دلالة الشيئ العرفية عن المركز , ليركز بدلا منه على ما يرتبط به مجازيا…
– التغييب : عن طريق تحويل الشيئ إلى وجود رمزي, يتداعى النص حوله بواسطة علائق استعارية
– الانحراف: يتمثل في شكل الحوار بين محورين يمثلان المحور الدال ,والمحور الخفي الدلالة
وهنا تجسدت قيمة هذه النصوص الحوارية بإطلاق شرارة التأويل والمساءلة بين نصوصها ، احتفاء بفعل التلقي الإيجابي …
وهذه المقومات هي ما منح نصوص الق.ق.ج في الأضمومة سرها وسحرها وجماليتها وفتح آفاقها لاختلاف القراءات …وميزها بمستويين :المستوى الشكلي الجمالي القصير والمستوى الدلالي العميق والمتجدد…
والواضح أن القاصة “زكية حداد ” في ” انكسار السراب ” تبدأ في تحقيق القيمتين ابتداء من عتبتها التي وإن كانت تشكل لوحدها خطابا قصيرا من حيث البنية والتركيب ,لكنها تفجر دلالات قادرة على احتواء كل العتبات النصية الصغرى , ومؤهلة لاحتواء مجموع النصوص دلاليا , بل وقادرة على إحالات تتعدى ما تقوله النصوص إلى ما سكتت عنه …لكنها –العتبة – لم تكن لتصل كل هذا إلا لأنها حققت تحديها البلاغي الجمالي عن طريق مجاز لفظي (. إضافة إلى ما تحققه من مجاز عقلي يتجلى في الإسناد المركب إلى الزمان والمكان والحال التي يفيدها (المصدر – انكسار-) …كل هذا يندمج في تجانس وتناغم تامين لإبراز الوظيفة الوصفية للعتبة الغلافية كما أسلفنا .. فتصبح الكتابة حينها لدى القاصة اختيارا وجوديا صرفا يناقض ولا يساير ,يقاطع ولا يوازي , يناوش ولا يهادن …
التصدير:*
قبل هذا لا بأس – ما دمنا بصدد دراسة المناص – أن نتعرض لكشف مدى التقاطع الدلالي بين العتبة والتصدير الذي ارتأت القاصة خوضه نظما واستهلته ب:
حين جمعت دفاتري وأحرقتها …
اعتقدت أني قتلت كل حروفي .
فالواضح الجلي في هذا الاستهلال نسبة التعالق والتجاور القائم بين ما وضحناه في مقاربة العتبة
الكبرى من حضور مفهوم الوهم والتوهم في فعل ” اعتقدت ” المقيم في حقل دلالي عنوانه البارز ” الظن ، والحسبان والتصور ،والتوهم ، ) والمتضاد مع (اليقين ) ،وبذلك تكون عملية إحراق الدفاتر والحروف دالة على الانتقال من المعرفة الوهمية إلى المعرفة العقلية أو على الأقل من مستوى الاعتناق الظني إلى مستوى المساءلة وإعادة التفكير ، فتخلص في سطر الختم إلى أن الحرف والكلمة والفكرة لا تموت ، بقدر ما هي قابلة للتمظهر وإعادة الخلق وبذلك تكون في منظور “القاصة ” هي الثابت، بينما الفكر متغير .
حروفي كأحلامي لا تموت ..
العتبات النصية : *
نسجت القاصة زكية حداد غالبية عتباتها النصية على الإفراد ، و يمكن تقسيمها إلى :
– عتبات أيقونية , دأبها الصمت القائل , والإيجا ز البليغ , تعلق رمزيتها بالأذهان ,وتتفتق دلالاتها في وجدان القارئ تمثلات وتأويلات تحقق للعلامات ,الثبات / الحركة .. الصمت / البيان … الحضور / الغياب … الانكشاف / التستر …وتمثلها العتبات مثل émoticône frown وراقة – مهرج – هدية – الناقد – الحذاء – شتلة – ورم – ثعبان – الشاه – علبة – ديكتاتور – فراشة – السراب – طفيلي …) وهي تتعالق مع العتبة الكبرى ، إما تعالقا صريحا ، كما هو الشأن بالنسبة للعتبة النصية ” السراب ” .أوتعالقا تضمينيا كما في الباقي .
– عتبات إسمية مفردة لا تكتمل دلالاتها وإيحاءاتها إلا بتقدير مضمراتها وإسناداتها العقلية على التغليب والانتقاء والاستدعاء والإقصاء ونمثل لها بالعتبات émoticône frown أصالة – نزوة – قطيع – حالمة – وقار – احتراق – أطياف – الرهان …) .
– عتبات إشهارية : قد تخفُتُ جماليتها لكنها وظيفيا حققت تأثيراتها الاستدعائية حتى وإن مارست بعض التمويه والمراودة الانتفاعية وتمثلها العتبات : (لاجئ – براءة – قداسة …)
* عتبات جُمَلية :
وهي على قلتها ، جمل خبرية لمبتدآت مقدرة , وغالبها من مضاف ومضاف إليه ، لكنها ليست إضافات عادية ، بل إضافات بلاغية مجازية على معنى (مِن) لبيان الجنس ، وقصديتها جمالية أولا ، أما وظيفتها فاستئناف أجناس جديدة تنتمي إلى مُتخيل الساردة أكثر من انتمائها إلى عالم الواقع ، كما في العتبات :(رقصة الجمر = رقصة من الجمر ) ، (نساء الملح =نساء من الملح )، (أرض الملح = أرض من الملح ) . أما العتبة (رهين المحبسين ) وهي أيضا إضافة مجازية تحمل معنى الظرفية على تقدير حرف الجر “في” الذي يفيد المكان ..وإن كنت أرجح تناصها مع لقب أبي العلاء المعري للشبه الجزئي بينه وبين الشخصية في النص بمقتضى قرينتي الاستهلال ” قضى حياته في زنزانة الوهم “، وقرينة القفلة “قضى بقية عمره بين حدبته وأوهامه “…
…أما المتون التي اشتغلت عليها القاصة فهي مقاطع من الواقع وليست واقعا مجسدا نقف عنده , بل يحيلنا ضمنيا وقصديا إلى واقع آخر أكبر، وغير مُعطى كاملا ,عبر تكثيف فني للمضمون بصيغة تنبؤية، ونزوع الى الترميز يأنسن الجماد والحيوان و ينصبها شخوصا عاقلة متفاعلة وفاعلة في الحدث…واقع ضمني تشغله شخصيات حكائية عادية لا نجد لها اسما تاريخيا محددا إلا فيما ندر ، ولا تحمل بعدا وعظيا متعاليا ،ولا بطوليا خارقا ، بل هي شخصيات استكانت ل “السراب/الوهم “فحجب عنها بعد الرؤيا، ونعمة انتقاد الظواهر المرضية التي كرسها الواقع ، فنابت القاصة عنا وعن شخوصها في تكسير وهمها ووهمنا القاتل الذي حسبناه ملاذا،لكنه كان سجنا أو سجنا مزدوجا حسب تعبيرها ..

شاهد أيضاً

حديث غزة – منصر فلاح

  لأجلك يا ذرى المجد العتيد أهيم اليوم بالعشق الأكيد . أمرغ حرف قافيتي وأهذي …

محمد الربادي

تلاوة الحنين – محمد الربادي

  حار عقلي في هموم المتعبينا سال دمعي في دروب الحالمينا حين أتلو في حنيني …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: