الرئيسية / دراسات / إقراءٌ من وحي الرياح في حِراء الشعر للدكتور الشاعر أنس أمين المملكة المغربية

إقراءٌ من وحي الرياح في حِراء الشعر للدكتور الشاعر أنس أمين المملكة المغربية

إقراءٌ من وحي الرياح في حِراء الشعر
للدكتور الشاعر أنس أمين
المملكة المغربية

يتميز شعر ابتسام حوسني بطاقة وجدانية ثائرة لما آلت إليه خريطة العرب من اختزال حدودي و ثقافي و قومي، ما جعل الشاعرة المغربية حوسني تُصنِّج قصائدها بروح ثورية ملتزمة بقضايا الأمة و همومها ما انفكت هموما تحرك كل ذي نخوة و غيرة، ما جعل أشعارها سجلا للأحداث و ترجمانا صادقا لمشاعر عروبية ثورية تجسد التزامها بقضايا الأمة البئيسة.
و قد راهنت الشاعرة على آليات للتعبير عن مبادئها و مواقفها تتسم بالاجتراح و الجدة، يمكن اختزالها اقتضابا، في:
بنية الدم:
لمَّا كانت الشاعرة المغربية ابتسام حوسني شاعرة ثورية تنسكن في ثوابتها المبادئ العروبية الجزْلى، فقد زهدت الشاعرة عن حمرة الشفاه إلى حمرة دم مراق من قرابين الشهادة و الاستشهاد، فالقصيدة الحوسنية مُدرَّجة بدماء خضبت مفهوم لا تتهدّج فوق الالتزام إلا بغية استرجاع أرض سليبة من قبل الغاشم الذي يشرب نخب الاغتصاب الطيني في جام إن لم أقل جماجم الشهداء، و في احتساء الدماء نكتة بليغة من الشاعرةإلى تحريم شرب الدم طالما من الأشربة المحرمة قرآنيا، و عليه فالصهيوني يقفو و يقترف كل المحرمات الشرعية و الدولية و الإبداعية حتى، تقول الشاعرة من قصيدة (المتصابية):
هون عليك احتساء نبيذ خزرج
بجمجمة قتيل مكرر
دماء مجبورة على
ملء شوارع مدينتنا
إنه الواقع العربي الأزوم بتشكيل ابتسام حوسني بات جرحا مغرورقا بدماء تنزف من أوردة العروبة المنخنقة من رباطات عنق السادة، تقول الشاعرة بصبغيتها الحمراء من قصيدة ( نشيد الكادحين):
فوق عريشك
تجري في عروقنا مجرى الدم
… نزيفا من جرح غائر
… و خرقوا نسيج اوردتنا
ثقوبا ملغمة
فعلى رغم التشظي القومي و عشقا للأرض السليبة تتأبى الشاعرة إلا أن توضئ قلمها من دم الدواة طمحة لاستشهاد شعري و انتصارا لكل شهداء العروبة الذين قضوا نحبهم مضرجين بدماء الفداء حبا للأرض السليبة، إنها شهادة حلاجية راهنت عليها الشاعرة حوسني، فعندما اتهم الحلاج في عقيدته و أُمِر بقتله، قام فصلى ركعتين، و قال: ( ركعتان في الحب لا يصح الوضوء لهما إلا بالدم.
بهيمِيَّة العدو:
من بهيمية الإنسان إلى أنسنة البهيمة مساحة مجازية أفعمتها الشاعرة باستلهامها لبنية الحيوان من خلال شعرية حققت حيوانية العدو في لاغتصابه و استلابه، تنابزاً و تجاوزا لكل الحقوق الشرعية و التاريخية للطين و من فوق الطين، فالسامري السداسي سلب الأرض لمَّا صوَّتَ خوار عجله في بلاد بني يعرب، تقول الشاعرة:
فيضيع منه كل شيء
وطنه الأول
و خوار العجل
كي يرضى عنه
سامري الحكاية
إنه عدو حربائي بله ضفدعي، لا ينمو إلا في الماء العاكر الآسن من خلال مكائده التي تُزفُّ إليها النُّخَب و حبائله التي أسرت نخوة العرب، تقول الشاعرة بهذا المعنى:
جماهير منتخبة
غمرها الضفدع
أنها ردم مقيت
… يتربص بها
فرعون محنط
كقصعةٍ؛ تكالب العدو على العربان، فصحَّروا مرابع الأمة و جففوا منابع الوحدة، فأحفاد هولاكو أخرصوا شعاليل بغذان و أتْربوا كبرياء العربان، فتوحدوا على حساب شتاتنا مكا يتوحد الجراد على أشمخ الأدواح، معنًى استنبطناه من قول الشاعرة:
بغداد
إنسانة غجرية
… انتصبي
وقفا
كي تطردي الجراد الزنجي
في شموخ مبجل
و لعل بهيمية العدو إِوالية إبداعية لمَّعت السخرية في صائد حوسني، فاستدعت أسماء لحيوانات تنزوي في قائمة البهيمية إما لخبثها أو لاستهجانها أو لمجاجتها كالخنزير الوطني و حمار جحا و الثعلب، و تارة أخرى تستدعي حيوانات مقتبسة من الذاكرة الثقافية أو الدينية كطير أبابيل و البقرة و غيرهما.
شعرية الأعلام:
تستلهم الشاعرة ابتسام حوسني إوالية العلام على جهة ما هي إحدى مقومات قصيدتها الملتزمة، فتوظف العلَمَ في سياقه الرامز إذ تستنبط شعرية سرده من تلابيب القصيد، فالقدس واد غير ذي زرع استَنبتَتْ نكبتُه دلالات الوَلَه القَيْسي و حمولات التوثب الملحمي و امتشاط عرق الشرف المدنس، فبين المندس و المدنس تتوالى أسماء أثَّثت القصيدة الحوسنية، تقول الشاعرة من قصيدة ( للعدو.. سقوط بغداد):
أسماء خبرنا معناها
بأطلال قيس
فلا ليلى المولعة بالعشق
… و لا هند النعمام تسير جيوشها
نحو كسرى الفرس
فالإدريسية
سليلة البيت
و سياحةً في الديوان نلفي رزمة من الأعلام تخلع جبَّة الخمول المتحفي من الذاكرة التتريثية لتنقدح من خلالها دلالات ثورية بنكهة قومية، إذ وظفت الشاعرة اسم مليكة التي وقفت تتوضأ بباب العدل المفترض و المرضوض من قبل الفرعون رغم تحنيطه حيث لَكَّنَ فصاحة هارون و هرَّأَ عصا موسى، تقول الشاعرة:
مليكة وقفت تتوضأ
…فرعون محنط
لا يستحي أبدا
فلا عصا موسى تقربه
و لا لسان هارون
ينجيه من غرق مميت
إنه بَعْثٌ شعري لشخوص حملت رسائل ثورية من لدن الشاعرة أسلست التي أسلست الرسن لتوظيفها المسهب لهذه الشخصيات وعيا منها لما يُلاطُ بها من مغامزَ قومية و ثورية مثل نوح و يعقوب و حنظلة و عاد و الفقيه و هولاكو و السامري و غيرهم.
إن ديوان (من وحي الرياح) استقى معينه من مرجعية ثقافية فنية مشبعة بروافد فكرية و أدبية و شعرية و دينية، حيث استدعت الشاعرة التراث ملتفتة إلى ما يحب به الواقع العربي المحموم و المتمرغ نُبُوّاً في وحل الاستكانة.
و إذا كان المشهد الشعري العربي بخاصة المغربي ينضد على رفوف الإبداع دواوين انحبس شعرها في أغراض تقليدية، فإن الشاعرة ابتسام حوسني أوقدت أَوار تلهيب الواضيع في حندس انغمارٍ شبه كلي للشعر في مواضيع الغزل و الوصف و المدح وما يعتور هذه المواضيع من وهدة الاجترار، فما أحوج الشعر المعاصر أن يكون ورشا لتبني موقف أو صرخة مبدئ بخاصة من قبل الشواعر ما يحقق فحولة نسوية تشاكس و تؤانس الذات الجمعية بجهارة الإدلاء كما جَهْورتْ بها إبداعا الشاعرة ابتسام حوسني.

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في المجموعة القصصية (شيء عابر ) للكاتبة سمر الزعبي

بقلم: احمد محمود دحبور في احدى رسائل جبران إشارة الى أن القصة القصيرة هي : …

رواية 36 ساعة في خان شيخون

قراءة على رواية (36ساعة في خان شيخون – للروائي محمد عبد الستّار طكو)

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد رواية (36 ساعة في خان شيخون) وثيقة معتبرة، سلّطت …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: