الرئيسية / مقالات / اصطياد الدهشة قراءة في قصيدة (عميقٌ و واسعٌ كمَقْبرةٍ جَمَاعيَّة ) للشاعر د . فارس خضر ناظم ناصر القريشي

اصطياد الدهشة قراءة في قصيدة (عميقٌ و واسعٌ كمَقْبرةٍ جَمَاعيَّة ) للشاعر د . فارس خضر ناظم ناصر القريشي

اصطياد الدهشة قراءة في قصيدة (عميقٌ و واسعٌ كمَقْبرةٍ جَمَاعيَّة ) للشاعر د . فارس خضر
ناظم ناصر القريشي
1982015
يقول غاستون باشلار (الشِّعر هو ميتافيزياء لحظية. يجب أن يعطي، في قصيدة قصيرة، رؤيةً للعالم وسِرَّ نفسٍ وكائن وأشياء – الكل دفعةً واحدة)
كانت القصيدة في تكوينها الأول تماهي الطبيعة في إيقاعاتها وتأخذ شكلها و أصبحت اليوم تماهي الروح و الطبيعة فإيقاعاتها روحية ولغتها اجتازت جسر التعبير لتصل الى الخلق والإبداع والكشف والابتكار وأصبح الشعر مغامرة في اللغة كاصطياد الأحلام والدهشة فالشاعر مغامر في اللغة يحاول من خلال فكره الخلاق وخياله الابداعي ومرجعياته الثقافية

و المعرفية و مورثاته ومواهبه أن ينبثق من بيئته و يعبر عن ذاته وبيئته ليضيف إليها الكثير لذا ترى القصيدة هي الشاعر

و الشاعر هو القصيدة ذاتها وكذلك المتلقي يرى انه جزاء من القصيدة وعنصر مهم من عناصرها على اعتبار القصيدة هي الحوار إلا مرئي بين الشاعر و المتلقي و خاصة اذا وجد الكلمات تعبر عما يود أن يقوله ولا يستطيع التعبير عنه او يكتشف أن القصيدة تعبر عن عوالم مخفيه في ذاته فيرى نفسه يتجول بين الكلمات كأنه كاتبها لهذا يكون الشاعر هو المكتشف والكلمات هي مسباره لاكتشاف عوالم جديدة في اللغة وهذه هي ميزة الشاعر الحقيقي وهذه هي الحداثة برأيي هي حداثة في الزمن ثم تتبعه اللغة
وهكذا هو الشعر لدى الشاعر فارس خضر يفرض نفسه بكثافة الإبداع مستندا الى موهبته مقتحما الخيال بالخيال جاعلا من القصيد كيان مستقلا بذاته له زمنه المطلق مرتبط بعالمنا بالكلمات والتي تكون حرة تعبر عن ذاتها بشكل جديد وتهب حضورها للمتلقي في الذي ما لا يمكن توقعه من خلال الإيقاعات التي تتشكل داخل النص لحظة الكتابة فتكون إيقاعات الروح الذاهب نحو المطلق
كل إنسان وليد بيئته ومرتبط بواقعه كذلك الشاعر لكنه أكثر إحساس بهذه البيئة فنرى في رؤياه عناصر الإبداع والخلق تضيف لهذا الواقع وتعيد صياغته ففي قصيدة (عميقٌ و واسعٌ كمَقْبرةٍ جَمَاعيَّة ) يضعنا أمام الحياة بمكابداتها مباشرة بهذا العنوان الصادم الذي وضعه الشاعر و الذي يتناسب مع تاريخ الحزن والهموم و الذي ينشب أظافره في القلب و العيون و الحياة
حزن عميق و واسع كالعطش لا ترويه إلا الدموع بحيث لا تكفي كل خناجر الشاعر لقتله لكن هذا لا يعبر عن اليأس و أنما بدية الانعتاق والثورة
خنَاجِرِي
لا تكفي لصدرِكَ
يا ..
أيها الحزن.
هنا في البدء يكتشف السر الكامن في اللغة و القدرة على كيفية مزجها بمنطق الأشياء وجعل المحسوس و إلا محسوس على صعيدا واحد فالخناجر محسوس والحزن لا محسوس لكن الشاعر جعلنا نشعر أن الحزن موجود بكيانه أمامنا ,ثم يقول انا ابن البكاء ونحن نعلم أن البكاء وليدنا وهذا يدلل على الهم الكبير الذي يحمله الشاعر اتجاه حياته وحياة الآخرين وحياة وطنه
أنا ابْنُ الْبُكَاءِ
و لا إيقاعاتٍ مُوسيقيَّةٍ
و لا دُمُوع.
أن الانزياحات في القصيدة تعتمد على ثقافة الشاعر وموهبته وتمكنه من اللغة والشاعر هنا لا يصف المشهد الواسع بل يرسمه ويبدأ بتجسير المسافة بين القصيدة والمتلقي بين الفكرة وما ستحدثه من تأثير حيث تبدأ القصيدة بالانفتاح على فضاء من الخيال الابداعي و على التأويلات من خلال الصور التي رسمها فهو ابن البكاء و صامتٌ بلا أذُنَيْنِ فرغم جمالية الصوره لكن القسوة و الألم والقهر تضع بصماتها على الكلمات فالبكاء بصمت لا إيقاعات موسيقية ولا دموع , فقط تبكي بصمت دموعك تتحول الى سكاكين ودم تتعذب وتختزل كل هذا العذاب بكلمة أه لا تستطيع أن تطلقها فيصبح الهواء الذي تتنفسه هو ألاه والشاعر يقول في أحدى لقاءاته (فقد اكتشفت أنني كائن ضعيف بإنسانيته المعذبة..) لكنه يدرك ويعي ما يجب القيام به
أجهشتُ بِدَمٍ وسكاكِينَ
واخْتَزَلْتُ آلاتِ التعذيبِ كُلَّها
في هَوَاءٍ منغَّمٍ
يَخْرُجُ مِنْ فَمِي
رغم تورط الشاعر بالحياة وانغماسه فيها بعمق يحاول جاهدا أن يفضح الزيف والقبح ويجعلها أفضل فهو يقرأ ما يشعر به الآخرون فتنسكب ألامهم في كلماته ودموعهم من عينيه فالحزن الذي استشرى في كل مكان بعدما وزع البكاء ارثه في السَّوَاقي والطواحينِ وحتى في صَفِيرِ الرِّيحِ وكتب وصيته
وقالَ لي:
اُتْـرُكْ دُمُوعي لِلْمَطَر
اُتْـرُكْ دُمُوعي للينابيع.
وحده الشاعر يعرف أين يجد الدموع الآخرون يشعرون بها لكنه الوحيد القادر على إيجادها فهو ابن البكاء و وريثه الشرعي و موجود في ما لا تتوقع بإحساسه الكثيف في الحياة و الآخرين الذين يبكون يتامى و أرامل وجياع و آخرين يشعرون بالهزيمة والانكسار قد يتحول الشاعر الى غيمة لا ليمطر و أنما ليجمع الدموع ويبكيها بصمت ويحرق جثة البكاء مجسدة بالدموع بين جفنين الى الأبد مكفنا رماده بالصمت
أنا ابْنُ الْبُكَاءِ
ابْنُكَ يا أبي
سأحْرِقُ جُثَّتَكَ
وأُكَفِّنُ رَمَادَكَ بِالصَّمْتِ
سأَدْفِنُكَ إلى الأبَدِ
بَيْنَ جَفْنَـيْنِ
بِلا رَجْفَةٍ
ونظرةٍ مَيِّتَـة.
أن الطبيعة الإلهامية لكلمات الشاعر تبين لنا أن القصيدة تحمل الكثير من التجانس المطلق بين ثناياها من خلال توحيد الإيقاعات بتناغم وجداني و وحدة الموضوع و مهما تكون صياغة القصيدة سواء كانت عمودية أو تفعيلة أو نثرا المهم أن تكون شعرا ,وهذا ما نجده لدى الشاعر فارس خضر فعندما نقرأ له نشعر وكأننا نتجول داخل أنفسنا فيغمرنا إحساس بالانتماء الى ما يحتويه هذه النص من كثافة الصور الشعرية ومجازاتها التأملية والايحائية حامله بين المعاني المطوية إيقاعاتها الروحية التي تتماها مع الطبيعة , حيث يكون الشاعر شغوفا لا في تصوير الواقع من منظوره وبرؤية خاصة فحسب وإنما لإضافة الشيء الكثير من خلال تفاعل كلماته الحرة و الجريئة وفق هارمونية جمالية المعنى و الأيحاء والسعي لاصطياد الدهشة التي تخلق بوجدان المتلقي ذلك التأثير ليشعر وكأنه يعيش الحدث أو زمن القصيدة وهو يتأمل كيف يكون الشاعر مسكون بالشعر ومسحور بالكلمات ليصبح الشعر طريق للحياة
النص
عميقٌ وواسعٌ كمَقْبرةٍ جَمَاعيَّة
فارس خضر
خنَاجِرِي
لا تكفي لصدرِكَ
يا ..
أيها الحزن.
أنا ابْنُ الْبُكَاءِ
صامتٌ بلا أذُنَيْنِ
ولا إيقاعاتٍ مُوسيقيَّةٍ
ولا دُمُوع.
أجهشتُ بِدَمٍ وسكاكِينَ
واخْتَزَلْتُ آلاتِ التعذيبِ كُلَّها
فى هَوَاءٍ منغَّمٍ
يَخْرُجُ مِنْ فَمِي
أطْلَقَنِي أبي في الْعَرَاء
بعدَ أن فقَدَ صَوْتَهُ
في جِنَازة.
ثم وزَّعَ نفسَهُ
في السَّوَاقي والطواحينِ
في صَفِيرِ الرِّيحِ
وهْيَ تَجْلِدُ البُيُـوتَ
وقالَ لي:
اُتْـرُكْ دُمُوعي لِلْمَطَر
اُتْـرُكْ دُمُوعي للينابيع.
تعَلَّقْتُ بِجِلْبَابِهِ المشروخِ
مِنْ كَـثْرَةِ النَّحِيبِ
وصَحَوْتُ
وأنينُ أَسْـمَالِهِ
مَحْشُـورٌ بينَ أظَافِرِي.
أنا ابْنُ الْبُكَاءِ
أَجْمَعُ أشْلاءَهُ
مِنْ أفْوَاهِ الْيَتَـامَى،
وأنامُ
بأحضانِ الأرَامِلِ
ودَمُهُ عَلَى صَدْرِي.
رأسُهُ مَطْهُوٌّ
على مَوَائِدِ الْجُوعِ،
ويداهُ تُهَيِّجَانِ
أَسِرَّة الحنينِ
في ليالي الشتاءِ الحزينة،
قدَمَاهُ تتَحَرَّكانِ بِخِفَّةٍ
بـينَ غَدْرِ حَبِيبَةٍ والظلام،
وصدْرُهُ
مُوَزَّعٌ مَعَ الأنْفَـاسِ
“يبكي ويَضْحَكُ
لا حُزْنًا ولا فَرَحًا”
أنا ابْنُ الْبُكَاءِ
ابْنُكَ يا أبي
سأحْرِقُ جُثَّتَكَ
وأُكَفِّنُ رَمَادَكَ بِالصَّمْتِ
سأَدْفِنُكَ إلى الأبَدِ
بَيْنَ جَفْنَـيْنِ
بِلا رَجْفَةٍ
ونظرةٍ مَيِّتَـة.

شاهد أيضاً

تطبيع وتمييع

الشاعر شادي الظاهر – تطبيع وتمييع

  من سلَّمَ الأوطانَ للنخَّاسِِ حتى يبيعَ الدُّرَّ للأنجاسِ يا من تُمزق ثوبَ طُهرِك بالخنا …

محمد عبدالله المنصوري

الشاعر محمد المنصوري – سمفونيةُ اليمنِ الخالدة

  أنا اليمنيُّ لي قدرٌ تعاااالى ثيابُ النورِ دوما من شعاعي وهبتُ السابقين ترابَ مجدي …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: