الرئيسية / قصص / هل أنا أكلت الطفلة!؟…عبد الحميد الغرباوي المغرب

هل أنا أكلت الطفلة!؟…عبد الحميد الغرباوي المغرب

هل أنا أكلت الطفلة!؟…

 

..و حين اهتديت، كانت الطريق طويلة، و لم تكن هناك أنوار، كان الظلام سلطانا..

قلت، و عيناي مفتوحتان:

” و ما فائدة العينين المفتوحتين وسط الظلام !”

و خلصت، بعد السؤال، إلى أن إغلاقهما أفضل بكثير من تركهما مفتوحتين على اللاشيء، فأغمضتهما…

و حين أغلقتهما رأيت…

رأيت على جنبات الطريق و في وسطهما، أنوارا ملونة…

فرحي كان كبيرا، لأني ارتحت لموطئ قدمي على طريق ليست بالمستوية و لا بالنظيفة، والحال أن معظم الطرق مليئة بالحفر و الأزبال…

و رغم الأنوار المشعة قلت:

” لأتوكل على الله و السلام..”

كنت أسرع في المشي، و فجأة توقفت، قلت:

” و لم الإسراع !؟..هل أنا على موعد؟..

تذكرت وجها صبوحا كلمته و كلمني في زمان و مكان لا أتذكرهما، لكني لم أضرب معه موعدا… و كيف؟..و هو لم يتح لي الفرصة لمعرفة حتى اسمه…

عدت إلى نفسي و قلت مبتسما:

” سبحان الله !..ما أسرع الإنسان و أخفه…حين كنت صبيا، كنت أنطق بكلام أكبر مني بكثير، فكان هذا يثير في الكبار الكثير من القيل و القال إلى أن يقولوا:

“زربان على عمرو

ما عايشاي صغرو

هذا زمان

فيه الصبيان  كبرو..”

فيا زمان،

و يا عمر،

لم الحياة ضنينة؟

و العدذاب طويل ، طويل؟…

الطريق،

قبل أن اضيعها و أهتدي  إليها فيما بعد، كنت قد بدأتها و أنا أخرج مساء من مقر عملي، أسوط كالرابوز، و كأني حررت ظهري من كيس يزن طنا، قلت:

” أنا و الحمد لله واجد عملا، فلم التأفف و ضيق الخاطر !..غيري يتمنى العمل دون جدوى و أنا أضجر منه !..”

…لعل صفة الحمير الأزلية مستني، فأنا إذا بليد..لكن الذنب ليس ذنبي، لأني أعرف ما ينتظرني..إنهم يحرثون على ظهورنا سنينا، و حين تتعب و تحدودب، يهملوننا باحثين عن غيرها من الظهور التي ستصير محدودبة بعد مواسم الحرث الطويلة، لتأتي بعدها ظهور وظهور و ظهور، تتبعها ظهور…فإنتاج الظهور كثير و غزير و الحمد لله..و أما البلادة فآه منها…”

ماذا كنت أقول؟…

و قبل أن أتذكر ما كنت أقول، أتمم كلامي عن البلادة: البلادة صفة نتوارثها.

كلنا بلداء…عفوا، و لم الجمع؟…ليتحمل كل واحد مسؤوليته في الكلام و الحكم…أنا ” بعدا” أعلنها جهارا…أمامكم أعلنها جهارا: أبي بليد و أنا ورثت عنه البلادة، و ابني الذي سيأتي بعد أن أتزوج طبعا، بنت الحلال قطعا، سيواصل حمل هذه الصفة من بعدي في شجاعة و ثبات…و أنتم ألا تتحملون مسؤوليتكم و تعلنون عما في دواخلكم جهارا؟…

أقول..

الطريق قبل أن أضيعها، و أهتدي إليها فيما بعد، كنت قد بدأتها، و لأني بليد جاحد نعمة ربي، فقد خرجت أنفخ كالرابوز، و كأني خارج لتوي من حمام شعبي أفور…تصوروا، غيري لا يجد عملا، و أنا أزمجر كالديناصور الذي يراه ابني في التلفزيون و أراه معه…

أي ابن و أي تلفزيون !؟…

أنا أدخل و أخرج في ” الهدرة”…هذا مجرد حلم، فاغفروا لي زلتي…فأنا أحيانا، أرتكب حماقة و أحلم كالناس العقلاء، أن لي ابنا و زوجة و تلفزيونا بالألوان و آلة عصير و فران فيفي و الشيك الوردي و ” إياك دوم” و الدوام لله وحده سبحانه و تعالى، و فيديوما و بيدروما و رومية شقراء الشعر، زرقاء العينين تخدمني في الصحو و النوم…فاغفروا لي زلتي…

و الذي اذكى لهيب الأزمة في نفسي، وحدتي…

أنا وحيد..

حاولت التغلب على الأزمة التي تحبس أنفاسي بداخلي، ففشلت…

و كل الذين حاولت معهم اكتشفوا بلادتي…

يا لهم من أذكياء..اكتشفوا بلادتي بسرعة تضاهي سرعة الصاروخ أو البرق أو الصوت..

لم يمهلوني و لو لحظة قصيرة لأتدارك خطئي أو أخطائي و أصلح من سلوكي…

كيف السبيل إلى ذلك؟..و كل تجربة أجنيها من علاقة فاشلة ما تلبث أن تصير عديمة الفائدة في العلاقة الثانية و سر على هذا أو قس فالحال هو الحال…

…و في ذلك المساء، قبل أن أضل الطريق لأهتدي إليها فيما بعد، و أنا أخرج من مقر عملي مزمجرا، ساخطا (في داخلي طبعا)..لأني جبان قسرا، و يجب أن أكون جبانا و إلا أضعت عملي، كنت أفكر في امرأة تملأ عليّ وحدتي…

النساء كثيرات، “عشرة في شريط”، فلأختر واحدة منهن، تطرد عني وحشتي، بعد الزواج طبعا، و لن تكون إلا بنت الحلال قطعا، فنحن حلال في حلال (مالنا حلال و عرقنا المالح حلال و روائحنا العطنة حلال، و ظهورنا للحمل حلال، و خبزنا الناشف حلال و لحمنا حلال..حلال في حلال)…

أين الحرام إذا !؟…

أسمع أحيانا من يصرخ: “وا كروش لحرام..”

من هم ” كروش لحرام!؟..”..

“يا لبلادتك الظريفة!…”.هكذا علق سيدي و مولاي الباطرون الساهر على نعمتي و رزقي، عندما سألته، و هو يمرر راحته على كرشه…

و بينما أنا أجد في البحث عن امرأة، دخلت طريقا شحبت فيها الأنوار و ذبلت…و ما إن توغلت، حتى أظلمت في وجهي الطريق، و ما عدت أرى شيئا…ما عادت قدماي تريان شيئا…و من عميهما وطئتا شيئا لزجا، فزلقت اليمنى إلى الأمام ، أنا اليسرى فالتوت إلى الوراء…و بما أني أترك الأمور تسير كما أراد لها المكتوب أن تسير، فقد تركتني برهة أتأمل حالي و أنا اشم من العطن ما شاء لي المكتوب أن أشم…و بعد أن أخذت كفايتي من الشم و التأمل، نهضت حامدا الله على سلامتي، فأنا، على كل حال، لم ينكسر لي عظم، و لم يشج لي رأس، و لم تتسلخ لي كف…لكن سؤالا طن في رأسي البليد:” الظلام كثيف و هذي الطريق دخلتها دون إرادتي، أكيد دون إرادتي، و إلا كنت امتنعت عن ولوجها، فلم العينان مفتوحتان !… لأغمضهما و أوكل أمري للمكتوب…

فيا مكتوب

بأي صمغ أنت مكتوب؟…

و حين أغلقتهما رأيت…

رأيت على جنبات الطريق و في وسطها أنوارا ملونة، و إذا بامرأة شابة، صبيحة الوجه،  تقطع عليّ الطريق. حسبتها من اللواتي يقطعن في الليل البهيم الطريق، و يضعن تحت اللسان شفرة “مينورا ستانلس” الزرقاء، لكني و أنا البليد، كنت كعادتي مخطئا، إذ سرعان ما ابتسمت ، و بطرفها إليّ اشارت، فتبعتها و هي تدخل في سكة و تخرج من أخرى، حتى دخلت دارا و أشارت إليّ فدخلت و رفعت النقاب عن وجه كالقمر في ليلة تمامه، ثم صفقت بيدها فنزلت طفلة، فقالت لها:

” إن رجعت تبولين في الفراش تركت هذا الكلب يأكلك”

…و لست أذكر ما حدث بعد ذلك…

لكن الذي أعرفه و الذي لا أستطيع تذكره لأني لم أنسه ، و كيف أنساه و هو حاصل الآن، أني حين فتحت عيني، وجدتني هكذا أمشي على الأربعة أوعوع داخل هذا القفص…

هل أنا أكلت الطفلة!؟…

 

شاهد أيضاً

تطبيق تحدي المعرفة حمله مجانًا

        يحوي التطبيق على 12 تصنيفا الأدب العربي اللغة العربية التاريخ صدر …

أم على قلوب أقفالها – محمد فتحي المقداد

  مع بداية انطلاق حياتي العمليّة في العام ١٩٨١، انقطعتُ عن الدراسة في الصفّ الحادي …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: