الرئيسية / قصص / بــــوح المــــــــرايا أمينة الزاوي تونس

بــــوح المــــــــرايا أمينة الزاوي تونس

بــــوح المــــــــرايا

ضوء خافت يتسلل إلى غرفتها من النافذة الصغيرة .. تغادر مخدعها مترنحة ، تتحسس طريقها بحذر، تكاد تصطدم بحافة السرير تارة و بالكرسي تارة أخرى ، بخطى متثاقلة ترنو نحو هدفها ثمّ تنتصب وسط الغرفة محاولة تحسس ملامح وجهها بيدها تسترجع خارطته في ذهنها ، تحصي شاماتها الصغيرة و ما نتأ عن بشرتها الناعمة من حبوب متطفلة لم تعهدها و حين تمرر أصابعها على مواضع التورم ينبض الألم حيث تتموضع كدمات خلفت ندوبا ذات بقع داكنة .

يجهض صوتها المرتجف سكون الليل ، تدندن لحنا يوصف حزنها الدفين، يعري خوفها من عقارب الوقت التي تسري فوق سنين كينونتها .

هي لا تحب صوت “أليسا” لكن الوجع الكامن في كلمات تلك الأغاني التي تجتاح مخيلتها يجعلها ترددها مثل أناشيد تتلى في محراب معتم و بارد . رائحة زهور الخزامى المجففة التي تنبعث في أرجاء الغرفة مثل هالة من سكينة تحتويها  لتمتص توترها  و تسمو بروحها بعيدا عن حمم غضب و سطوة الضعف  تجلد كبريائها على عمود التنازلات التي يجب أن تقدمها قربانا للحفاظ على استقرار جدران منزل يأوي ثلاثة أقباس من روحها و تحميهم من ضياع محتم في ظل أسرة مشتتة و يوفر لها بعضا من  الأمان  في مجتمع تلتهم فيه الأفواه وجوه النساء المستضعفات اللاتي ينحتن  كينونتهنّ بصلابة على صخور حياة ضارية تنخر الوحدة فيها خلايا الصبر.

رغبة جامحة في الصراخ تجتاحها لتحرر روحها الأسيرة داخل قضبان الصمت. تخلصها من ذلك الشر الدفين في أعماق ذاتها والذي يتهاوى فوق جليد خضوعها براكين من تمرد .

تتعاقب في مخيلتها أحداث أيامها المتشابهة ، فتلوح لها الحياة طريقا طويلة تقطعها مترجلة  صباحا صوب مقر عملها وتعود منها على متن سيارة الأجرة . و تنسج صورا افتراضية قد تشفي الجوع القابع  في أغوار نفسها.

” سيارة فاخرة لونها أبيض يقودها رجل – تتأجج في داخلها ازاءه نيران الحقد الطبقي- بسرعة  جنونية  تنقلب مرارا مثل مشهد متكرر في ألعاب سباق السيارات ثمّ تعم ضوضاء بحجم الفاجعة.

تتكدس جثث الضحايا تحت الركام  و تمضي سيارة الأجرة بسلام ، سائقها لا يتوقف عن الحديث بحماس عن فوضى ما بعد الثورة، ظروف عمله الشاقة ،الشكوى من تصرفات المسنين  محاولا أن يثبت لها أن لا شيء قد يرضي الزبائن الطاعنين في السنّ ..   يمتزج صوته بأنغام الأغاني التي تبث على أثير الاذاعة المحلية تروي قصة وجع ، خيبة مريرة أو توثق  لخيانة ما وقد تعقب أحيانا نشرة أخبار منتصف النهار التي تأتي محملة بمختلف الأحداث الهجينة التي أصبحت تتعاقب في عصر أصبح اللامألوف فيه يؤثث حياتنا اليومية برتابة مقيتة.

فجأة، تظهر شاحنة ضخمة في الاتجاه المعاكس و هنا تحلق فراشات خيالها الجامحة عاليا فتقترب الشاحنة بسرعة هستيرية.  تختبر قوة الشعور بالخوف حين تضع نفسها على حافة الهلاك، ذلك الهلاك الذي لطالما تمنته في أحيان كثيرة لكنها تشعر فجأة أنها ليست مستعدة بعد للرحيل في اللحظات الأخيرة  ما قبل  الكارثة . هي تبدو ضعيفة حدّ الهشاشة أمام هاجس الفراق وترك البعض منها على قارعة الضياع في مواجهة أنياب هذه الحياة الضارية  ولا تريد أيضا  أن تغادر هذه الحياة قبل أن تحلق بجناحين من معدن، أن تلتقط صورا كثيرة  باسمة  بوجه صافٍ خال من مساحيق التجميل التي عبثا تحاول اخفاء تلك الكدمات الزرقاء أو البنفسحية ..

قبل أن تسْحَق العربة الصفراء مثل حشرة ضئيلة الحجم ،  تتنبه أنها قد وصلت إلى وجهتها المعهودة حتى تتوقف رحلة جنونها و تهدأ ثورة مشاعرها  فتأمر السائق بلطف أن يتوقف ثم تغادر صوب مملكتها الصغيرة لتمارس خلف بابه المغلق طقوس عبوديتها ، يقتات صبرها من تلك الابتسامات الطفولية في كل مرة لتصبح أكثر جلادة و  تحيك لجاما من الصبر مجددا في كلّ مرة يثور فيها كبرياءها  .. ”

تستعرض مشاعرها، تتكثف الأسئلة في مخيلتها وتتناسل نيرانا من شك تعري خوفها المقيت .. تغيب تلك الابتسامة الملائكية عن صورته التي ارتسمت أمامها طيفا من نور ليحتل مكانها وجه ساخط يضمر خبثا ما.. تتعاقب الصورتان أمام ناظريها بتواتر ، يبتسم لها، يهديها وردة حمراء فتزهر حدائق صبرها  وتكتسي مهجتها برداء زهري ساحر.. يتلاشى نصف الوجه الباسم رويدا رويدا و تلتهمه العتمة ليظل النصف العابس يرميها بسهام الخديعة، يعصف صوته المدوي بضعفها ، يسلبها جلَدها  ويئد فرحها الطفولي تحت كثبان الوجع .. تجمع خصلات شعرها الطويل بكلتا يديها، ترفعها عاليا لتتحسس وجهها مجددا، تشعر بألم حاد مازال يسري في المواضع المتورمة منه،  تتصارع أفكارها، يتمرد قلبها، تجتاحها الرغبة في الصراخ مجددا يحاول صوتها البحث عن سبيل يشق جليد الصمت ولكن هيهات..

عبثا تحاول أن تمحو من ذهنها حتمية عشقها الأحمق للرجل ذو الوجهين. تلملم شتات روحها ، تتوجه صوب النافذة  ثمّ تسدل الستار بتوتر فهي لا تريد للضوء أن يجهض عمق تأملها وبحثها في أغوار نفسها الدفينة عن الخلاص..

هي لا تريد أيضا أن تبوح المرايا الضخمة المثبتة على الحائط قبالتها بكلّ أسرارها ..

شاهد أيضاً

تطبيع وتمييع

الشاعر شادي الظاهر – تطبيع وتمييع

  من سلَّمَ الأوطانَ للنخَّاسِِ حتى يبيعَ الدُّرَّ للأنجاسِ يا من تُمزق ثوبَ طُهرِك بالخنا …

محمد عبدالله المنصوري

الشاعر محمد المنصوري – سمفونيةُ اليمنِ الخالدة

  أنا اليمنيُّ لي قدرٌ تعاااالى ثيابُ النورِ دوما من شعاعي وهبتُ السابقين ترابَ مجدي …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: