الرئيسية / قصائد / ذِئبيَّات السوريّ الأخير – نجم الدين سمّان‬

ذِئبيَّات السوريّ الأخير – نجم الدين سمّان‬

 

وحيداً.. مثلَ ذِئبٍ
كنتُ أحرُسُ أبوابَ دمشقَ
مِن الوَحشَة.

وما استأنَستُ.. لهُمُ
ولا آنَستنِي رائِحةُ الشِوَاءِ
في بيوتِهمُ
في مؤتمراتِهِم
وفي خطاباتِ الطاغية.

وحيداً.. مثل ذِئبٍ
أحرسُ أسوارَ “بيزنطه”
من وَحشَةِ سوريٍ.. مثلِي
نائمٍ على مَقَاعِدِ غُربَتهِ
في حديقةِ ” أكسراي”.

و ما استانَستُ لهُم
ولا آنسَتنِي رائِحَةُ الشواءِ
في بيوتِ.. أحزابِهم
في مَطَاعِمِ.. هيئاتِهم
في مَطَابِخِ.. ائتلافِهم
و في خطاباتِهم.. ضدّ الطاغيه.

ثم أنِّي.. رأيتُ الدَمَ
كحَبَّاتِ الرُمَّان.
رأيتُ أشلاءَ أرواحِنَا
كَحِبالٍ اللحمِ المقدّدِ
على الجدران
رأيتُ الزمانَ في مَخاضِهِ
رأيتُ..
خرابَ الأرواحِ و الأمكِنَه.

رأيتُ ” طُروَادَةَ ”
تتمايَلُ.. عَن أسوارِهَا
بِحصَانٍ.. مِن خَشَبٍ
يتمترَسُ العَرَّابُونَ في جَوفِهِ.

رأيتُ.. خِيانةَ ” هيلينَ ”
لإكليلِ الغارِ حولَ جبيني
و كَعبَ “أَخِيلٍ” لحظَةَ مَقتلِهِ
بشَهقةِ رُمحٍ
قبلَ الفصلِ الأخيرِ
مِن.. جحيمِنَا.

سَمِعتُ.. في الليلِ
صُرَاخَ الطُروادِيَّات
لحظةَ.. اغتصَابِهِنّ
و طقطقةَ عِظامِ المُعتَقلِين
تحت أحذيةِ الجُندِ و المُرتزَقه.

سمِعتُ.. آخرَ زفيرٍ
لطفلةٍ ماتَت مِن جوعهَا
في حربِ التجوِيعِ والتركِيعِ.

سمِعتُ..
أزيزَ رصاصةِ القنَّاصِ
داخلَ جُمجُمةٍ
كانت تَحمِلُ حقيبتها
كصخرةَ ” سِيزيفَ ”
عابرةً.. خطوطَ التَمَاس.

و حيداً.. مثلَ ذئبٍ
لا يُؤانِسُنِي في العَتمَةِ
سِوَاي.

و كنتُ رأيتُ سَدَنةَ الهَيكَلِ
يبيعونَ صُكوكَ اللهِ.. لِرَعِيَّتِه
ورأيتُ.. تجّارُ الحروبِ
و أمراءَ الحروبِ..كلّهُمُ.
و سماسرةَ جمعياتٍ خَيرِيَّه
يبيعون الطراوديينَ مقابلَ خَيمةٍ
لِيُراهِنُوا بِهِم..
على عاصفةٍ قادِمَه.

رأيتُ المُنافِقِينَ..
بوجوهٍ.. مِن جُلودِ أقفيتِهِم
و الذين.. تركوا “سبارتاكوس”
لِذئبةِ ” روما ” بِحَلمَاتِهَا السبعه.
ذبحوا ” بروتوسَ ” بذاتِ السكِّين
حينَ استدارَ عنهُ.. قَيصَرُهُ
وانتخبوا قيصراً
بعدَ.. قَيصَرٍ
يستبدلونَ الطُغاةَ.. بالغُزاةِ
و الغُزاةَ.. بالقتلَةِ المأجورين.
يتكاثرونَ.. كالأرانبِ
عندَ توزيعِ.. الأُعطِيَات.

وحيداً.. كذئبِ ” الإودِيسَةِ”
و مثلَ ” أولِيسَ ” في متاهَتِه
تَعثَّرتُ.. بِرَملِ تَغرَيبَتَي
خِضتُ في المِلحِ
إلى.. مُنتهى جُرحِي
لأكونَ.. في سفينَتِهِ:
و حيداً.. كذئبٍ
بينَ.. كلِّ اثنينِ
مِن طَيرٍ و مِن وَحشِ.

دفعتُ للمُهرِّبين
كلَّ ما قد تبقّى.. لَدَيّ
بِعتُ ملابسي
لِسَمَاسِرَةِ.. بَنِي قومي.

رمَانِي كلُّ.. قُرصَانٍ
على كلِّ.. شاطِىءٍ
تركني مِثلُهُ.. بِعَينٍ واحده.

عَصَفَ البَحرُ.. بِي
سَبعَ مرّاتٍ
أغرقَنِي.. سبعَ مرّاتٍ
التهمتني أسماكُ القِرشِ
سبعَ مرَاتٍ
ابتلعني.. حُوتُ يُونِسَ
سبعَ مراتٍ
أوهمتني النوارسُ
سبعَ مرّاتٍ
بأنها.. غابتي الأولى
فإذا بِي..
في جزيرةِ منفايَ الأخير.

مَن سَيَحفِرُ.. قبراً
لذئبٍ وحيدٍ
يحرِسُ أسوارَ وَحدَتِهِ
قبلَ ارتعاشِ الندى
بأزهارِ الأسى و الآسِ
قبل.. قبلةِ الضوءِ
لِشفاهِ الفجرِ.

من ذا.. سيعودُ بِرمَادِي
إلى.. دمشقَ
لِتُزهِرَ.. الروحُ ثانيةً
بالياسمين.

أنا.. ذِئبُ البَوَادي
ذِئبُ.. جَبَالِنا
ذِئبُ.. السُهُوب
ابنُ الخطايا.. كلِّها
ابنُ.. كُلِّ الذنوب؛
أكرَهُ.. أبناءَ آوى
و بناتِ آوى
و الراعِيَ الكذّاب
و كِلَابَه.

فلا يقتربنَ أحَدٌ
أنا الذِئبُ السورِيُّ
خَسِرتُ.. كُلَّ شَيءٍ
سِوَى.. ذاتِي
فاحذَرونِي.

شاهد أيضاً

تطبيق تحدي المعرفة حمله مجانًا

        يحوي التطبيق على 12 تصنيفا الأدب العربي اللغة العربية التاريخ صدر …

أم على قلوب أقفالها – محمد فتحي المقداد

  مع بداية انطلاق حياتي العمليّة في العام ١٩٨١، انقطعتُ عن الدراسة في الصفّ الحادي …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: