الرئيسية / قصص / ليس بعد اليوم – سمر الزعبي

ليس بعد اليوم – سمر الزعبي

ليس بعد اليوم سمر الزعبي تزكم أنفه رائحة “المنتولاتو” كل مساء، كأنها طقس أساسي لا مفرّ منه.. كل يومياته طقوس لا تطاق، تبدأ بـ”المنتولاتو” وتنتهي به، فيولّي ظهره بينما تسعل هي راجية كفّاً تربت على ظهرها. لا تلومه؛ فهي غير قادرة على أداء نشاطاتها الحياتيّة، ولا واجباتها تجاه العائلة، وبالأخص هو، لكن تتأمل اهتماماً تظن أنها لا تستحقه؛لو يدلك ظهرها قليلاً، لو يداعب خصلات شعرها، ثمّ تنطفئ الأمنية بنومها قبل أن يعلو صوت شخيره. -“الله يقطع المنولاتو”.. يتمتم حينما يستدرك أنها غائبة، فالرائحة تشغل فيديو اليوميات أمام عينيه، بدءً بتحضير ساندويتشات الأولاد أول النهار، ثمّ “الشحططة” بين الباصات.. وصولاً للمكتب الذي يدخله بخدر مذ توظف به حديثاً، ليس كسول الطبع كما يذكر نفسه، لكن الإضاءة الخافتة تزيده خدراً، والمكتب المنزوي ذو الكرسي الصغير الذي يطقطق إثر كل حركة، يفعل ذلك أيضاً. فكر مليّاً أن يفاتح المدير بهذا الشأن، لكنه حدس بما سيقوله لو تناقشا، فقرر أن يولي مطلبه بزيادة الراتب الدرجة الأولى من الاهتمام، لكن مذ التحق إليهم لم يقتنص فرصة مناسبة بعد.بدت فكرة رائقة، أول النهار أفضله.. ها هو يدخل المكتب كعادته على عجل،هنيهة ويجتمع الموظفين على عصبيته من تقصيرهم، أو أخطائهم، كل يوم تأنيب، وتوبيخ، كم تمنى لو تكون لديه الجرأة؛ أن يردّ عليه كلامه، أو يشتمه، أو ألاّ يفتح له المجال بالصراخ عليه؛ كأن يكون أكثر اتزاناً، ليضفي على شخصه الهيبة، أو رسميّاً إلى حد ما، أو أكثر فاعلية وإنتاجاً كي يرضيه.. لكن ما لا مهرب منه أنّ طاقته تتبدّد فور دخوله المكتب.. وأن عطاءه لن يتطوّر بسرعة كما يرغب المدير. نفض غطاءه، أشعل سيجارة وعقارب الساعة تدق في رأسه، تذكره بوجوب الاستيقاظ مبكراً، وفي التقائها تنطبق أنفاسه، فترتفع حرارة الغضب لديه، وتتولد إرادة التغيير، ومن أين يبدأ؟ لا نافذة قريبة، لا إضاءة جيدة في ذلك المكان، كذبٌ ورياء يقابلهما بالمداراة، وصوت فيروز الذي يستقبله كل صباح حكاية أخرى، كم يتمنى لو يفصح عن عدم تقبّله.. نعم، لا يستغربنّ أحد.. هو لا يحبها، و لا يرى غرابة في ذلك، بل يردد في نفسه حينما يتملّص: “هل استحسان أدائها أو صوتها فرض عين؟”. لو كان كذلك فلم ينطبق عليه يوماً. يندمج بالعمل ويكاد يستوعبه، فتقفز فيروز تشتّته، يحرجه أن يفصح، يطلب تغيير الأغنية من زميله، يفعل.. لكن لفيروز أيضاً.. فيتحجج بأغنية سريعة كي تدب النشاط في أوصاله.. ولمّا أصرّ الزميل على روتينه اليومي بلا تنازل، وجد مَخرجاً مفاده: “أنّ فيروز تستفزه بذكرى لا يحتمل التفكير بها”. استجاب الزميل فترة من الزمن، ثم عاد صوتها يصدح، خصوصاً إن بَدَر من عصام أي فعل يخالف رغبته. قلّب بصره بالأدوية المرصوصة على الطاولة جانب زوجته، واشتمّ نفساً عميقاً من “المنتولاتو”، وعاد يولّي ظهره لها. كل ما يستفزه في كفَّه، وعطر زميلته الذي يتحدّى رجولته كلّما اقتربت منه في كفَّة أخرى، فيه دعوة تشي بها عيناه ورجاء؛ أن اقتربي أكثر، طهري أنفي من “المنتولاتو”، فتومض هيأة زوجته المريضة، ويشيح وجهه، ورائحة العطر ما زالت عالقة في أعماقه. ذات صباح لم تطبق عقارب الساعة على أنفاسه، أمر الأولاد أن يجهزوا الساندويتشات بأنفسهم، أعدّ الحليب فقط، ومدّوا هم السفرة، أوصلهم في طريقه مشياً كالعادة لكن دون أن يحمل حقيبة الظهر لأي منهم. لم ينتظر النظام المستحيل كما كان يفعل ذلك دائماً، بل تعربش صعوداً إلى الباص، وفاصلَ الكونترول، على غير العادة، لمّا حاول أن “يستغشم” ويتناسى الباقي. دخل المكتب دون أن يرسم ابتسامته البلهاء، لم “يدلدل” أذانه للزميلة، شغّل الزميل أغنية لفيروز، فقام محدثاً طقطقة مزعجة والكرسيّ يتسع مداه، كبس زر الإيقاف بعصبيّة لم ينبسّ بعدها أحد. ولمّا صرخ المدير يوبّخه، اعتلى صوته صهوة الغضب.. واستقال..قوبل طلبه بالرفض، فاقترح زيادة على الراتب،وأبدى المدير موافقة غير متوقعة. وفي حلول المساء، فرَدت بنته الكبرى “المنتولاتو” على ظهر أمها، أخذ العلبة من يدها، استغربت، بدت عيناه تطلبان منها الخروج، هنيهةواندغمت في عتمة غرفتها، ابتدأ يدلّك ظهرها، رفعت رأسها وقد لَوَت رقبتها، بدا وجهها مشرقاً كصبيحة عيد، وابتسمت: “عصام”. ابتسم وتفنّن في تدليلها، ثمّ دعك قدميها، وخلّل “المنتولاتو” بين أصابعهما، استرخت تنام، أطفأ الضوء، احتضنها، وظهرها ملاصق لبطنه.. ومنذ تلك الليلة لم تقوَ رائحة “المنتولاتو” على إزعاجه.

شاهد أيضاً

تطبيق تحدي المعرفة حمله مجانًا

        يحوي التطبيق على 12 تصنيفا الأدب العربي اللغة العربية التاريخ صدر …

أم على قلوب أقفالها – محمد فتحي المقداد

  مع بداية انطلاق حياتي العمليّة في العام ١٩٨١، انقطعتُ عن الدراسة في الصفّ الحادي …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: