الرئيسية / دراسات / إضاءة على رواية ترانيم الغواية للكاتبة ليلى الأطرش بقلم الكاتب أحمد الحرباوي

إضاءة على رواية ترانيم الغواية للكاتبة ليلى الأطرش بقلم الكاتب أحمد الحرباوي

رواية ترانيم الغواية هي آخر اعمال الكاتبة الفلسطينية ليلى الأطرش، الصادرة عن منشورات ضفاف-بيروت، استطاعت الكاتبة بأسلوبها المميز أن تتجاوز بالقارئ جمود الزمن، فأعادت المشهد التاريخي أمامه بشكل حي ليعايش تفاصيلاً أكل الزمن أحداثها ولاك النسيان وجودها، الطريقة الاحترافية التي اتبعتها ليلى الأطرش في روايتها الأخيرة هي طريقة السرد التي روت فيها أحداث الرواية والوقائع التاريخية التي ارادت توثيقها في ذاكرة القارئ بشكل سهل وسلس، فروت الأحداث على لسان ميلادة البطلة الأكثر تأثيراً في الرواية، هذه المرأة التي تجاوزت عقدها الثمانين التي باحت لنا بأسلوبها المحكي تفاصيل خبأها الزمن عنا، فجاءت شخصيتها وكأنها جدة تروي لأحفادها الحكمة كي لا يحيدوا عن الطريق الصحيح في الحياة، وهنا نجحت الكاتبة في توظيف عنصر المتعة والتشويق لمتابعة القراءة، كما أن الوقائع التاريخية التي طُرحت داخل القصة هي الدهشة بحد ذاتها وأظهرت سعة الثقافة والموروث الأدبي التي تمتلكه الكاتبة. اللغة والأسلوب: اللغة السردية في الرواية جاءت على أسلوبين: الأسلوب الأول: أسلوب روائي جميل تخللته صور فنية بالغة الرقي والجمال وهي اللغة التي استخدمتها الكاتبة بعيداً عن شخصية ميلادة. الأسلوب الثاني: سرد ميلادة للأحداث والوقائع المرتبطة بشخصيتها، فجاءت بلغة عفوية أقرب للعامية، ذات ترانيم تقترب من السجع بسلاستها، أسلوب جديد يجعل القارة يندمج معه بكل خفة فلا يخرج من انسجامه الا على صوت ضحكة يُطلقها من روحه، وهنا يدل على مهارة الكاتبة وبراعتها في تقمص دور هذه الشخصية بشكل أوصل صدق رسالة الكاتبة وسموها. المكان والزمان في الرواية: المكان: القدس. الزمان: العصر الحديث مع استرجاع أحداث تاريخية حدثت في عصور مختلفة. الشخصيات الرئيسية في الرواية هم: راوية: التي ذهبت الى القدس لتصوير فيلم وثائقي عنها وللبحث عن أوراق حكومية تثبت ملكية عائلتها لأراضي في عين كارم. ميلادة: تعتبر الشخصية الرئيسية الأكثر عمقاً وتأثيراً في الرواية، فأغلب الاحداث التي وردت في الرواية جاءت على لسانها، وهي شخصية واقعية عفوية تتسم بالحنكة والحكمة. لا يوجد شخصيات ثانوية بمعنى أنها ارتبطت بالحدث الرئيسي بالرواية أي( لقاء راوية بميلادة) فالرواية لم تعتمد على قصة تطورت احداثها بشكل متسلسل بل جاءت على شكل سرد استذكاري عن شخصيات مختلفة تأثرت قصصهم بعوامل مختلفة وبأشخاص مختلفين، مثل قصة ميلادة وعائلتها وما احتوته من مصير والدها ووالدتها وطفولتها، ثم قصتها مع أخويها وما حدث مع زوجاتهم وأولادهم والتي روت الكاتبة على لسان ميلادة كل قصة بشكل منفصل عن الأخرى، عدى عن قصة علاقة ميلادة بزوجها المطران وما حصل مع عائلته وصولاً الى وفاته، وقصص أخرى تعلقت بصديقتها زهرة وقصص تاريخية عن الخليفة الفاطمي او بائعات الهوى في القدس الغربية وأيام القدس الفنية والثقافية وقصص تعلقت بالخلافات داخل الطوائف المسيحية وعن بعض المواقف لزعامات القدس وصراعهم على السلطة والمكانة…… الخ.

الأحداث التاريخية التي وردت في الرواية امتدت على فترات متباعدة، هنا برزت مهارة الكاتبة في ادراجها داخل النص بشكل غير مشتت وغير مُبهم، فاسترجاعها للأحداث عن طريق ربطها بالأماكن او بأحداث جديدة حركت الكاتبة الأحداث حولها أبرز مهارة الكاتبة وحنكتها مع العبرة من هدف ذكرها وادراجها داخل الرواية( الاحداث التاريخية). كما تركيز الكاتبة على اظهار الترابط الديني داخل المدينة المقدسة اظهر عمق الوجود العربي وعدالة قضيته في وطنه، كما أن الرجوع لذكر أسباب الخلاف بين الطوائف المسيحية وخاصة الكنيسة اليونانية والأرثوذكسية وكيف أثرت ابعاد هذا الخلاف على الظروف الاجتماعية والسياسة في القدس هو محاولة من الكاتبة لإعادة تحليل وبناء التركيبة الاجتماعية للمدينة المقدسة مستندة على وقائع واحداث تاريخية أعطت نظرة مستقبلة لما هو آتي، ورسائل المطران لإبنه عبارة عن دعوة للتفكر والتعقل وطرح أسئلة بكل جرأة تحتاج الى أجوبة كبيرة وخاصة فيما يتعلق بالكهنوتية داخل الكنيسة. رغم التنوع الكبير في الأحداث والقصص التي طرحتها الكاتبة في راويتها الا أنها كلها كانت مستندة على أساس تاريخي قوي ومتين ومن هنا يظهر سبب ترابط الأحداث وأهمية الرواية لمن يريد أن يكون على بعد خطوة من الحقيقة، فالرواية تعد مرجع. تاريخي وإرثي يتكلم عن العادات والمفاهيم الاجتماعية وعادات السكان وشكل الحياة في القدس في أواخر الخلافة العثمانية الى فترة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.

استطاعت الكاتبة بأسلوب جديد وفي منتهى الجرأة ان توقع القارئ في شباك روايتها، فكانت كلماتها تعويذة مُقدسة تتسرب الى داخل روح القارئ لتترك في عقله بصمة من التاريخ تفتح آفاق تفكيره نحو العديد من الأسئلة المفتوحة التي سيحاول البحث عن اجوبتها في واقعه.

 

شاهد أيضاً

تطبيع وتمييع

الشاعر شادي الظاهر – تطبيع وتمييع

  من سلَّمَ الأوطانَ للنخَّاسِِ حتى يبيعَ الدُّرَّ للأنجاسِ يا من تُمزق ثوبَ طُهرِك بالخنا …

محمد عبدالله المنصوري

الشاعر محمد المنصوري – سمفونيةُ اليمنِ الخالدة

  أنا اليمنيُّ لي قدرٌ تعاااالى ثيابُ النورِ دوما من شعاعي وهبتُ السابقين ترابَ مجدي …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: