الرئيسية / قصص / بوابة المنفى د عبد الإلاه رابحي

بوابة المنفى د عبد الإلاه رابحي

بوابة المنفى

-عبدالالاه رابحي-    

03       

الى أرواح كلّ الغرقى…

… تماما كصدمة قطار مباغتة، او هطول صاعقة مفاجئة،او ركلة دابّة طائشة،او ضربة شمس حارقة، او طعنة مدية غادرة . تماما كما شلال ماء جارف، او لهيب نار أكول، كجوقة كلاب مسعورة تأبى بشراسة ان تتخلّى عن الغنيمة… كانت للموجة الهوجاء أظافر وعين وقرنان وناب ، ناعمة الملمس كجلد سمك القرش … قبل ان تتكسّر على الصخر الحاد، وتتدحرج مهزومة، منهوكة، صاغرة نحو الأقدام الرّطبة ثم تعاود التراجع لتستجمع قواها كوحش كاسر يلح على الانفراد بالطرائد الجرحى . ثيّار عميق كالأخدود يشق مجرى اللجّة الزرقاء الى شطرين ، واحد نحو عنف الماء المالح،والآخر نحو الهوّة السحيقة يجرّ الاجساد الطّرية جرّا الى تنفيذ ما سطر منذ غابر العصور في اللوح المحفوظ … غضب كائن منافق … البحر يثأر من اكتساح البر وجرائم البشر، ويتذكّر بحنين مفرط زمن القرابين البريئة ، وطقوس استسقاء الخصب ، وشعائر عبادة آلهة المنتجعات،وأرباب اليخت العظيم، وعروش الانهار والوديان ، من خيرة الوجوه الآدمية الناصعة البياض . هل كان اليافعون ضريبة عشق الاسياد للكائن المرائي ؟ هل الامواج الذهبية كذبة شاعر مثالي حالم استوطن كرسيا وثيرا وراح يخط بيمناه ما يخفيه عن يسراه؟ أم هي عظمة الخالق في ان ينتقي من عباده الصالحين من يشاء ؟ من ملائكة فراخ زغب الحواصل لا سقف ولا رغيف، بالكاد بدأت تنبث لهم اجنحة واعدة بالتحليق بعيدا نحو اقتلاع جذور بؤس من خلّفوهم …الى وجوه كالحة قبل الأوان اختارت مرغمة ركوب البحر سرّا نحو الجنان الموعودة فرارا من وطن لا يرحم … لماذا لفظ الموج تسع وجوه واحتفظ بالذكر والأنثى؟ هل لغاية في نفس الموج ان يضمن نسل الغرقى لما بعد الطوفان القادم ؟ ام لحفل جنائزي بهيج حيّر الشاعر ان يتوشّح بالسواد ام بالبياض في الاربعينية الرمادية ما بين العرس والمأتم … هما الآن على صهوة الفرس الأزرق يلوحان من بعيد ، ويستعطفان بوابة المنفى ان تظلّ بين الانفتاح والانغلاق…

ركب الذكر والانثى سفينة نوح ، وقال ثالثنا لا عاصم اليوم من غضب اليمّ ، وانسابت دموع الجمع بين التوسّل والابتهال … وقال رابعنا يكفيه من كل جنس زوج حتى تكتمل الاهازيج ، لعلّ ربان السفينة يمخر العباب في الاتجاه الصحيح ، هو الذي علّمته حنكة الامواج ان البوصلة لا ترتقي ابدا صعودا بل في سواد الافق انما تشير الى الامام دوما، فتنفّست الريح ،وقال خامسنا ” البركة في الحي” ، وقال سادسنا ، صاحب البرنس، ” عزاؤنا وعزاؤكم واحد”، وقال كلبنا    ” افّ من هذا الزمان ومن اهله”. ضحك الموج حتى استلقت الموجة على ظهرها ، وقال الماء ” وفي الشبع ودرء الجوع فليتنافس المتنافسون ” . ولما بلغ العدّ نصابه نصب الاهل خيامهم ، وقدّموا اسماءهم لهيئات المصالحة والانصاف، وقال الفقيه بعد ان مسح بكمّه فمه من الايدام وتجشأ :” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون،وصاحب الهدم والغريق والشهيد في سبيل الله ” رواه البخاري ومسلم ، ونبر مشددا على ” الغريق” ، وتنابز الصحابة بالالقاب ، وسار بالركبان حديث الغرقى ومن معهم حتى اذا ما شبّه لهم ان السفينة  قد رست على الجودي، قال كبير القوم :” هاتوا اصواتكم ان كنتم صادقين ” ، وفي الغد تسابق المهرولون الى دور الصفيح ليعلنوا ان الصدقة الجارية آتية لا ريب فيها ، وان كبير القوم ما ثبت ان نسي وعوده ، ولاكت الالسن الاخبار ان سفينة نوح لم تغادر بعد الميناء . حينها عاد الشاعر الى رشده وقال ” اليوم ضرر وغدا امر…”.

الشراط 08-08-2015   

 

 

    

               

 

شاهد أيضاً

تطبيق تحدي المعرفة حمله مجانًا

        يحوي التطبيق على 12 تصنيفا الأدب العربي اللغة العربية التاريخ صدر …

أم على قلوب أقفالها – محمد فتحي المقداد

  مع بداية انطلاق حياتي العمليّة في العام ١٩٨١، انقطعتُ عن الدراسة في الصفّ الحادي …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: