الرئيسية / دراسات / بلاغة السرد في قصة “دودة الفاصوليا” من مجموعة “أريج الليل” للمبدعة المغربية الزهرة رميج/عزيز العرباوي المغرب

بلاغة السرد في قصة “دودة الفاصوليا” من مجموعة “أريج الليل” للمبدعة المغربية الزهرة رميج/عزيز العرباوي المغرب

11822755_863997740358693_3403139806198234629_n

يعتبر التخييل (Fiction) استراتيجية سردية في الخطاب السردي الحديث، حيث يساهم مساهمة كبيرة في إنتاج المعنى داخل هذا الخطاب. ولا يمكن لأي محلل أو ناقد للخطاب السردي أن يتجاهله أو يبعده من ذهنه. فالتخييل باعتباره وسيلة مهمة في العمل السردي لا يقف عند المستوى السطحي في الخطاب بل يتوغل في المستوى العميق لإنتاج الدلالة والمعنى. وفي هذا الصدد سنحاول تحليل قصة “دودة الفاصوليا” للكاتبة المغربية الزهرة رميج والمنشورة في مجموعتها القصصية “أريج الليل” الصادرة عام 2013 عن منشورات اتحاد كتاب المغرب. فالنص هو قصة قصيرة محكم البناء ومتميز الأسلوب واللغة ومترابط الأفكار والأحداث منذ بدايته حتى نهايته، وهذا إن دلَّ على شيء فإنه يدل على عناية الكاتبة بنصوصها السردية سواء كانت نصوصاً قصصية أم نصوصاً روائية…

ومن أجل مقاربة هذا النص، فإننا مدعوون إلى تحليله بلاغياً، باعتبار البلاغة مكوناً أساسياً في السرد، وقد أصبحت بلاغة السرد مقولة حاضرة بقوة في حقل السرديات من خلال العديد من الصور والأشكال والأنماط المحيلة عليا. وبذلك فإن التخييل هو جزء من هذه البلاغة لأنه يساهم في تحقيق المعنى وإنتاجه بالضرورة.

 

البناء السردي في النص:

يقوم البناء السردي في قصة “دودة الفاصوليا” على العديد من العناصر المكونة له، حيث يحضر الزمن محدداً ومعيناً ضمن إطار كرونولوجي منذ بداية القصة وحتى نهايتها. حيث يحدده السارد في أسبوع كامل، وهو المدة الزمنية التي بقيت على تحقيق حلم بطلة القصة بالهجرة إلى إسبانيا، والابتعاد عن سجن الوطن وجحيمه القاتل. وقد جاء الزمن مفصلاً في النص ليؤكد لنا أن الزمن يلعب لعبته في الإنسان ويسيره ويتحكم فيه وفي مصيره، حيث إنه زمن متتابع، مفصل ومحدد، “طيلة هذا الصباح، ويدها ترتعش…” (ص. 129)، وكأن هذه المدة الزمنية القصيرة المحددة في الصباح صارت نقمة عليها وعلى حياتها لأنها منعتها من القيام بأي شيء. “في مثل هذا اليوم من الأسبوع المقبل” (ص. 129)، هذا اليوم مرتبط بالحلم الذي سيتحقق، لكنه حلم مرتبط بالقلق والتوتر بدل الفرح. “في اليوم الثالث، تفقدت أحوالها كالعادة” (ص. 135)، لقد صار توالي الأيام أمراً سلبياً يورث المعاناة والتفكير الممل في المستقبل: “مع توالي الأيام، تحول لونها من الأخضر اللامع إلى بني باهت” (ص. 135). وتشابهت الأيام السبعة سوى من الحالة المتغيرة لدودة الفاصوليا التي بدأت تظهر عليها علامات الموت والهلاك والانسحاق: “في اليوم السابع مجرد قشة صفراء…” (ص. 135).

هذا التفصيل في زمن القصة، وهذا التحديد المرتب المرتبط بأحداثها، قد أسعف الكاتبة في ربط الأحداث بعضها ببعض، وبالزمن خاصة، حيث تمَّ استغلاله بطريقة منطقية وكرونولوجية ساعدت على إبراز أهم الأحداث في النص وتكثيفها. أما زمن الخطاب فهو زمن استرجاعي تمَّ تحديده منذ بداية القصة، حيث نفهم من خلاله أن الكاتبة تريد أن توصل للمتلقي مسألة معينة ودلالة محددة وما عليه إلا أن يجتهد في حل شفرتها، وتعتمد فيه على الذاكرة. فالبطلة تفرُّ إلى ذاكرتها من أجل استرجاع كلام قديم كان يروج بين النساء وبين المهاجرين والمهاجرات إلى إسبانيا: “تسترجع ذاك الكلام الذي لم تعره في حينه، اهتماماً وفسرته على أنه مجرد حيلة لثنيها عن عزمها وإبقائها سجينة هذا الجحيم القاتل الذي يتحول اسمه –ويا للعجب- إلى وطن…” (ص. 129- 130). هذا الاسترجاع يدفع المتلقي إلى استنتاج معين يبني به معنى النص، وهنا يشتغل مستوى التخييل الذي يساهم في تكوين معنى معين للنص قبل أن تتمَّ عملية القراءة الكاملة له…

يتفاعل الخطاب في النص من خلال العديد من المظاهر الخطابية الموجودة فيه، حيث نجد حضوراً لافتاً للخطاب المسرود المباشر منذ بداية القصة وحتى نهايتها، وهذا يدل على أن الكاتبة لا تريد أن تقطع الحبل الموصول والخيط الناظم في عملية السرد من البداية حتى النهاية. ورغم تواجد بعض المقاطع التي تدل على الخطاب المعروض النفسي (المونولوغ) فإنه لا يؤثر في هذه العملية المحكمة. فالمونولوغ في القصة يحضر عندما يريد السارد أن يدخل ذاتية الشخصية القصصية في عملية السرد ليكسر بها رتابة السرد بضمير الغائب ويمنح الحرية للشخصية للتعبير عن موقفها، وبالتالي عن مشاعرها وأحاسيسها: “سأحرمك أيتها الدودة العفريتة من ركام الفاصوليا وأفوت عليك فرصة الاختباء في أعماقه، سأضعك في مكان مكشوف، أرنِي عندئذٍ، حنة يديك… واثبتي إن كنتِ حقاً، تتقنين لعبة التخفي…” (ص. 131). لقد تكسر هنا، بهذا المقطع، إيقاع السرد وأصبح هذا المشهد الحواري السردي محدداً لموقف الشخصية من الدودة والذي كونته انطلاقاً مما سبقه من أحداث ووقائع… فإلى أي حد يمكن لهذه الأحداث والوقائع أن تربط عنوان القصة كعتبة أولى للنص، بمضمونه ومحتواه؟ وكيف يمكن لموقف الشخصية من دودة الفاصوليا أن يحيلنا على ما يمكن للنص أن يقدمه من معنى معين؟.

 

العنوان: مدخل أساسي لتأويل النص:

يعتبر العنوان عتبة أولى لأي نص كيفما كان نوعه أو جنسه، حيث يمثل المدخل الأساس لفهم النص أو على الأقل لتكوين رؤية شاملة عنه. وقد يكون العنوان في بعض الأحيان غامضاً ولا يقدم شيئاً للمتلقي لحل شفرة النص، لكنه يبقى هو  العتبة الأولى لهذا النص. وبتمعننا في عنوان القصة الموسوم ب”دودة الفاصوليا”، يقودنا إلى طرح العديد من التساؤلات والفرضيات الممكنة لعل أهمها: ما علاقة دودة الفاصوليا بأحداث القصة؟ وما هي مميزاتها؟ وأين تعيش؟ وكيف؟ ولماذا هي دون غيرها من الحشرات؟…

تعتبر “دودة الفاصوليا” من الحشرات الخضراء التي تعيش على النباتات الخضراء، فهي مسكنها ومصدر رزقها وملاذها الآمن، ولا يمكنها أن تجد بديلاً عن ذلك، خاصة تلك النباتات التي تحتوي على بذور داخلية مثل الفاصوليا والفول والجلبانة… وغيرها، لأنها تستطيع أن تعيش داخل تجاويفها تأكل البذور وتحتمي بها وفيها. وإذا ما خرجت أو أخرجت منها فإنها تموت وتهلك وتُسحق. وهذا ينطبق على بطلة القصة التي كانت ترغب في الهجرة وتحقيق حلمها، لكنها كانت مخطئة في تصورها وموقفها في البداية، لأنها كانت تعتقد أنها تعيش جحيماً في وطنها الذي مثَّلته بالسجن مثلما اعتقدت أن دودة الفاصوليا كانت تعيش سجنها الخاص وهي داخل قرون الفاصوليا، وبخروجها منها تكون قد استعادت حريتها وحققت حلمها، فموت الدودة بعد سبعة أيام من المعاناة والجوع والخوف أكد للشخصية أن مغادرتها لوطنها ستكون نهايتها وخيمة وستُسحق تحت حذاء ضخم، كما تُسحق أي دودة. وباستحضار نهاية القصة التي تقول: “تراءت لها نفسها هناك، في الأفق البعيد، دودة كبيرة تزحف عبر ممرات حقول الفراولة الممتدة إلى ما لا نهاية… دودة كبيرة تزحف… وتزحف… وتزحف في خط مستقيم لا تحيد عنه. وكلما حاولت رفع رأسها قليلاً، في اتجاه السماء، همَّ حذاء ضخم بسحقه” (ص. 136). أليس هذا الكلام دليلاً على ما قلناه سابقاً؟ فأي دودة تخرج من مسكنها تُسحق، فهو وطنها وملاذها الآمن، والأمر نفسه ينطبق على الإنسان الذي يغادر وطنه ويخرج للبحث عن وطن بديل فإنه يسحق في النهاية كما تسحق أي حشرة…

هنا يشتغل التخييل على مستوى الكتابة عند الزهرة رميج، فهي تستحضر دودة الفاصوليا وما يمكنها أن تتعرض له خارج النبات، وتسقطه على الإنسان الذي يريد المغادرة وهجرة الوطن تحت عناوين مختلفة ومواقف متسرعة. لكن المسألة لا تتوقف عند هذا الحد، بل تنتقل مباشرة عند المتلقي الذي يتلقف هذه الإشارات والعناصر ليركبها من جديد ويؤولها ضمن نظام معين فيعيد إنتاج النص من جديد من خلال تأويله الخاص وفهمه لمعنى النص، فيكون التخييل منطلقاً أساسياً لبناء المعنى.

 

دودة الفاصوليا: مصدر إلهام:

يقودنا الحديث السابق إلى القول إن اشتغال التخييل في القصة ينبني على العديد من المواقف التي تتصف بها الشخصية، حيث نلفي تأكيداً صريحاً على العلاقة التي ربطتها بدودة الفاصوليا حتى وصل الأمر إلى الحب الذي يتطلب الاعتناء بالمحبوب والاهتمام به دون انتظار المقابل. وفي الوقت نفسه نجد تلك العلاقة تأخذ منحىً آخر، وهو الاستغراق في مراقبة الدودة وتحركاتها لمدة أسبوع كامل: “أخرجت الدودة من الصحن. وضعتها في قارورة زجاجية مربعة الشكل ومتوسطة الحجم. تركت القارورة مفتوحة وثبتتها جيداً فوق الرف المقابل لنافذة المطبخ لتؤمن لها النور والهواء. أصبحت الدودة شغلها الشاغل…” (ص. 134). فقد ظهر هذا الاهتمام بعد أن اقتنعت بعدم قتلها والتفريط فيها وكأنها تنتظر منها شيئاً، أو على الأقل، يمكنها أن تصير بالنسبة إليها مصدر إلهام. وكيف لحشرة حقيرة أن تكون مصدر إلهام بالنسبة إليها؟ بالعكس، فقد كانت النملة مصدر إلهام بالنسبة للنبي سليمان عندما كانت سبباً رئيساً في تغيير طريق جيشه وكانت سبباً في انتصاره في الحرب…

لقد كانت الدودة بالنسبة لشخصية القصة مصدر إلهام كبير، جعلها تقتنع بالتراجع عن الهجرة أو على الأقل في التفكير ألف مرة قبل الإقدام على هذه الخطوة المحفوفة بالمخاطر. فالخروج من الوطن يعني الموت والضياع بالنسبة لشخصية القصة، كما يعني الخروج من نبات الفاصوليا الموت والهلاك للدودة رغم وجود نباتات أخرى قدمتها لا كطعام بديل. تقول الكاتبة: “ظلت صورة الدودة تشغل تفكيرها. ما الذي جعلها تموت رغم النباتات التي قدمتها لها؟ أهو حرمانها من عالمها؟ أهي العزلة التي عاشتها داخل القارورة رغم جمالها ونظافتها والنور الذي يغمرا؟” (ص. 135- 136). بلى، كل هذه الأمور كانت سبباً في موتها وهلاكها. وفي المقابل، فهل ستحقق البطلة ذاتها في وطن آخر غير وطنها؟ وهل ستعيش في أمان وسلام وهي في بلد متقدم ويتميز بكل أشكال الحضارة والنظافة والنقاء؟ وبالتالي فما وقع للدودة عندما خرجت من وطنها الصغير قد يقع لها (البطلة) إذا ما غادرت وطنها نحو وطن بديل…

ختاماً، يمكننا القول أن الكتابة السردية عند المبدعة المغربية الزهرة رميج تقوم على استحضار التخييل كاستراتيجية في الإبداع لما له من تأثير كبير على القارئ، الذي يمكنه أن يجد مساحة شاسعة في التأويل والتفسير وبناء المعنى من النص. لقد نجحت المبدعة في ذلك نجاحاً كبيراً سواء في هذا النص الذي بين أيدينا، أم في باقي نصوصها القصصية أو الروائية المختلفة. وهذا إن دلَّ على شيء إنما يدل على قراءاتها المتعددة والمتنوعة التي تسعفها في استحضار مخيلتها وما خزنته ذاكرتها المتوقدة من أحداث ووقائع وأفكار ومواقف وأشياء لها علاقة بموضوعات نصوصها السردية…

 

شاهد أيضاً

تطبيق تحدي المعرفة حمله مجانًا

        يحوي التطبيق على 12 تصنيفا الأدب العربي اللغة العربية التاريخ صدر …

أم على قلوب أقفالها – محمد فتحي المقداد

  مع بداية انطلاق حياتي العمليّة في العام ١٩٨١، انقطعتُ عن الدراسة في الصفّ الحادي …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: