الرئيسية / أخبار ثقافية / قراءة في رواية عازفة الناي للكاتب عيسى القواسمي بقلم الكاتب أحمد حرباوي

قراءة في رواية عازفة الناي للكاتب عيسى القواسمي بقلم الكاتب أحمد حرباوي

11846420_10207146511486438_236690708_n

رواية عازفة الناي الصادرة عن دار الشروق للنشر، رام الله –عمان، للكاتب المقدسي عيسى القواسمي، هي نزهة في الكلمات ورحلة في القدس جعلنا الكاتب نتمرد بها على جمود الزمان والمكان، الرواية هي آلة الزمن التي لم تعد خرافية لأنها زجت بنا بين طيات العصور المختلفة التي أرخت بظلالها أحجاراً وأبنيةً من مساجدَ وكنائس وصوامع خالدة في رحم التاريخ الذي لن يغادر القدس ابداً رغم كل محاولات الطمس التي يجريها احتلال دخيل. الكاتب حمل لنا بين الكلمات كاميرته التي انتقلت بنا بين اروقة القدس القديمة ومعالمها البهية، ملقية الضوء على تاريخها فكانت عدسته مرآة للزمن عكست لنا عراقة المدينة وعمق جذورها العربية في أرض فلسطين ومأساة التهويد من استيطان وتهجير، هذا التوثيق الذي اراد الكاتب ان يغمسه في ذهن القارئ يدل على اهمية الرسالة التي يحملها في انتاجه الادبي فحتى وان زرت القدس لن ترى ما ذكره الكاتب في روايته وحتى ان رأيته سيغيب عنك عمق تاريخه ووجوده لذلك حمل الكاتب رسالة الخلود له ولكلماته لأنه استقى التاريخ وعرف كيف يبلل فيه حنجرة المدينة المتعطشة لفسحة الحرية من بطش الاحتلال ومستوطنيه، فكانت رسالته قطرة غيث بلل فيها فم التاريخ المتعطش لوعي يدحر الاحتلال بمصداقيته. فها هو الكاتب يسرب المعلومات التاريخية الى القارء بكل سلاسة وعفوية بطريقة ذكية جداً تحسب له فعندما يخطو التاريخ نحوك ليعانق عقلك بكل خفة هنا يكمن الخلود.

القصة والأحداث: المكان: فلسطين وألمانيا. الزمان: العقد الحالي. مزج الكاتب أحداث القصة بين الواقع المعاش داخل القدس بظروفه السياسية والاجتماعية وقالب من الخيال دون أي نفور او شذوذ ابرز خلل في تتابع الأحداث او تطورها رغم وجود عدة قضايا تناقشها الرواية مثل قضية احتلال البيت وعازفة الناي فبدت هاتين القضيتين وكأنهم وجهين لعملة واحدة وقصة الحب التي ربطت البطل بهيلين التي بدأ الكاتب بنسج التاريخ من خلالها عن طريق تطوع البطل ليكون مرشد سياحي لهيلين، وظهور عازفة الناي لتشاركهم تطور قصة ذلك الحب، فبدت مجريات الرواية متماسكة ومتكاملة وتجري على نسق واحد رغم أن المنحنى الخيالي في القصة المرتبط بقصة عازفة الناي ارتبط بمكانيين مختلفين في القدس وألمانيا الا انه بقي منسجم وتطور مع تطور الاحداث حتى نهايتها التي بالنسبة الي جاءت مفتوحة بشكل مبهم، فالعقدة وصلت الى ذروتها دون الوصول الى الحل وهذا المأخذ الوحيد لي على الرواية. ان نهاية الرواية كان يجب أن تكون قد حسمت بشكل أوضح فما زال مصير البطل مجهولاً في قصة بيته وقضية انسلاخ الطيف منه بعد زيارته للغجر، إلا انني اجزم ان مراد الكاتب من شخصية عازفة الناي هو الدلالة على الارتباط الابدي بين البطل ومدينته وبيته فحتى عندما سافر البطل الى ألمانيا لحقت به عازفة الناي وهنا دلالة ذات عمق تهدف الى إيضاح ان الانسان يبقى تحت حكم الضمير والعازفة كانت صوته عندما اخبرته انها لن تفارقه اذا لم يعد لها البيت وهنا دلالة على ان قضية الوطن لا تقع على عاتق شخص دون الآخر فحتى لو قام أحد ببيعه أنت ملزم بإرجاعه وتدارك خطأ قام به غيرك. الاختلاف في قصة الرواية هي أن العديد من الروايات والكتاب تطرقوا الى موضوع التهويد والاستيطان وهذا شبيه ببداية القصة حيث يظن القارئ ان احداث الرواية ستشمل الصراع بين البطل والمحتل وسوف تطور الاحداث وفق صراع مادي واقعي الا ان الكاتب يفاجئ القارئ بإدخال الخيال الذي زاد من عنصر التشويق وابراز ابعاد هامة في مثل هذه القضايا وهي عمق الارتباط بالمكان.

الشخصيات: الشخصيات الرئيسية: بهاء الدين: هو بطل الرواية ذو السمة العفوية التي يشوبها التفاؤل الممزوج بالعزيمة للتخلص من الانكسار الذي فرضه عليه واقعه كشاب يتيم فقير مطرود من بيته، وهو الشاب المنتمي العارف بتاريخ مدينته والمتمسك لوجوده فيها والتائه بين مؤثرات واقعه السياسي والمادي واللا واقع المتجلي بشخصية عازفة الناي فهذا الازدواج المتضاد المؤثر في الشخصية كان ذو هدف واحد الا وهو الحفاظ والدلالة على عراقة القدس العربية والانتماء اليها. عازفة الناي: هي الشخصية الأكثر غموضا والاكبر عمقا في الرواية فكان وجودها دليل على ان من سكن القدس هم امتداد لأهلها العرب وان كل من يحاول ان يفرط في حقه فيها فعليه لعنة الزمن. هيلينا الفتاة الأجنبية الحالمة المندفعة نحو الحياة بكل قوة وإصرار والغيورة على حبيبها. نوح: الشخصية الأكثر حكمة وذات البصيرة الخارقة التي كانت كمنارة تمسك بيد الضائع في بحر الحياة المظلم.

الشخصيات الثانوية: نجوى والام وحسن ووردة وعمه ربحي وغيرهم جائت بشكل منسجم مع احداث الرواية ولم يشعر القارئ بأنهم بلا فائدة او تم اقحامهم بالنص وهذا زاد من الحبكة وترابط الاحداث الذي اخذت بيد القارئ نحو النهاية، الشخصية الثانوية ذات الأهمية الكبيرة هي ربحي عم البطل الذي انساق وراء نزواته واشباعها ليخسر نفسه عن طريق موته منتحرا بعد ان نبذه الجميع وهنا يحث الكاتب القارئ على ادراك أهمية الحفاظ على الانتماء للوطن والانتماء للنفس عن طريق ابعادها عن الشبهات والنزوات العابرة لكي لا يقضي عمره بالشتات والضياع النفسي والمكاني.

الحوار: جاء الحوار بالرواية على شاكلتين وهم المونولوج وهو الحوار الداخلي الذي ارتكز عليه البطل في صراعه مع نفسه. والديالوج وهو الحوار الخارجي الذي ارتكزت عليه معظم احداث الرواية وهذا النوع من الحوار جاء بين البطل ونوح وهيلينا ووردة والقسيس…. الخ. وهذا النوع من الحوار كان سبب قوي في تماسك الحبكة ومضي الاحداث فأضفى على الرواية عنصر تشويق كبير.

استطاع الكاتب ان يدخل القارئ الى عالمه الخاص وبأسلوبه المميز بلغة أنيقة وسلسة تخللتها صور فنية كانت اقواها في البداية ثم خفت تدريجيا لتحافظ على اللغة السردية الروائية لتحافظ على اندماج القارئ مع الاحداث.

 

شاهد أيضاً

تطبيق تحدي المعرفة حمله مجانًا

        يحوي التطبيق على 12 تصنيفا الأدب العربي اللغة العربية التاريخ صدر …

أم على قلوب أقفالها – محمد فتحي المقداد

  مع بداية انطلاق حياتي العمليّة في العام ١٩٨١، انقطعتُ عن الدراسة في الصفّ الحادي …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: