الرئيسية / مقالات / هكذا تكلّمت ” سوالف الگمرة ” عبد الإلاه رابحي /المغرب

هكذا تكلّمت ” سوالف الگمرة ” عبد الإلاه رابحي /المغرب

هكذا تكلّمت ” سوالف الگمرة ” 

عبدالالاه رابحي

من تاليف واخراج محمد حتيجي، وتشخيص كل من رشيد العسري ، مصطفى السميهري ، مونية المكيمل ،وعادل نعمان، جاءت “جماعة لبساط”  بمسرحية “سوالف الگمرة” عرضا يحبل بلوحات تراجيكوميدية دالة قابلة بفعل حبكتها لقراءات متعددة تفتح باب التأويل على مصراعيه: فمن دلالة العنكبوت الى تمرّد المعتوهين الى الولادة القيصرية الى الانتقام من مدير المارستان ، كانت حكاية الاحمق العاقل فينا بكل صراخه المكتوم بين الهزل الجدي والجد الهزلي في دوامة البحث عن الخلاص… لم يكن العرض استعراضيا خطابيا لمقولات معرفية تتناول موضوعة الحمق والبله والعته و العطب والتشرد … بل كان حكاية مملكة المجانين في انتقال البلد بأسره من مأساة ” بويا عمر” الى مأسسة الحمق داخل مؤسسة تليق بالمقام . فمن رحم العنكبوت ، تنطلق اول لوحة للمسرحية بكل المسخ ( la metamorphose ) الايحائي الدال عن الانبثاق من الكائن – الحشرة الى شبه الكائن – الانسان ،بالتركيز على لحظة الانتقال الحاسمة اعلانا عن ميلاد اربع كائنات متحولة باستمرار تتقن التبدل السريع من حال الى حال في تناوب سلس بين الادوار تسجيدا  لسيرورة  وجوب الولادة المستمرة وضرورة منطق الارتقاء . فمن صلب عش الحشرة البيضاء على الخلفية السوداء – على غرار الوجود الابيض في مساحة العدم الاسود – يحصل الانتقال من اللوحة التجريدية الى المشفى الواقعي باعتباره اللحظة الضرورية لولادة الجنس الآدمي السليم . ولادة هذه الكائنات المعتوهة هو ما يخلق منذ الوهلة الاولى الوعي لدى المشاهد بضرورة التقاط الفكرة التاوية خلف الضحكات الهستيرية ، واللعب الكرنفالي، والحركة الدائبة المستمرة شلالا على الركح الاحمق ، هو نفسه ما يجعل من كائنات العنكبوت ” سوالف ” تحتاج الى اكثر من مشط كي تنساب حريرية تلائم  بهاء ضوء ” الگمرة” ، كائنات هلامية ، زئبقية ، غير قايلة للتصنيف ، لأنها بكل بساطة كائنات الجسر بين ضفتي الحمق والتعقل ، فتشتغل على طول العرض حمولة الصفة وشغب الموصوف ، ويؤجّل الى حين كل حكم قيمة . بذا لم يكن حمقى اللوحات أشكالا (Formes ) فارغة ، قوالب جاهزة ، معيارية، ظواهر صوتية سرعان ما يحيلها المشاهد الى ما اعتاده في تعامله البسيط مع ” الحمق” ليقصيها خارج دائرة الاهنمام ، بل كانت ، على طول العرض ، قوى (Forces) تتخلّق في تحولاتها لتحافظ برزانة على ضرورة استنطاق الكلام دونما ايغال في لعبة الحكيم المالك ناصية ” الحقيقة” . لم يكن المشفى منابر متراصة لالقاء الخطب الجوفاء ، بل كان جسرا لتفاعل مستمر بين قاطنيه ، تفاعل تتصارع فيه الكائنات الذكورية المعطوبة على اثبات ذاتها ، وتأكيد حضورها في تسابق محموم لنيل السلطة المعنوية حتى داخل فضاء رافض لها لا يقيم كبير اعتبار الا لسلطة القيّم  على ترشيد الحمق ، حينها تبرز لغة الجسد التي للانثى وحدها ، بكل ابعادها الجنسية ، قوة المحرار (le thermomètre ) الذي تقيس به درجة الحرارة في تسابق الفحولة المجنونة للفوز بالانثى ، والذي من شأنه ان يبقي على ادنى ما يطمح اليه الاحمق من أدميته المعلّقة الى اجل غير مسمى . هو التسابق الذي لن تحول كل الاعاقات الذهنية والبدنية دون اذكائه رغبة في انعاش النفس المقهورة بنسيم انثوي حتى وان كان محمّلا بعرق الاشغال الشاقة والالم الحاد لرقصة الانثى المذبوحة .  هل كنا نضحك “مع ” او “على” ضحايا سوالف الكمرة؟ تلك هي المسألة التي ظلت هاجس المؤلف والمخرج ، ولم تكن ثلاثة لوحات داخل العرض : – لوحة الولادة من رحم عش العنكبوت – لوحة ولادة الانثى بكل مخاضها العسير – لوحة الانتقام من تجبّر القيّم على تدارك الخلل ، وهي اللوحات الثلاثة التي حصلت على الدرج أسفل عش العنكبوت ، الا التذكير المأساوي بالواقع المزري لفئة اجتماعية طالها العبث والتناسي ، والذي يحول دون تحويل الركح الى مجرد “ذريعة ” لتمرير خطاب الضحك على آفة المعتوهين وجرح المعطوبين ، وبهذا ينتقل المشفى من الركح ليمتد عميقا ، ويحوّل المشاهد نفسه الى كائن احمق شاك في كل يقينياته ومنسّبا كل ” حقائقه” .

لم يكن صراخ الحمقى وتأرجحهم بين الجد والهزل ، بين المألوف والمجرّد ، بين العقل واللاعقل ، بين الحقيقة والخيال ، بين الحقيقة والوهم ، بين الخطـأ والصواب ، بين الواقعي والمتخيل الا رغبة في اسماع الصوت المكتوم داخل اسوار الاعتقال ، وهو ماحصل من خلال انعدام الوقت الميت ، والتركيب الدينامي داخل موسيقى صاخبة حيوية، واعتماد اللونين الاسود والابيض كخلفية ثابتة للتاكيد على الصراع الابدي بين الحضور والغياب . بذا كانت ” سوالف الكمرة ” تحليقا خلّاقا فوق عش العنكبوت على غرار ” التحليق فوق عش الوقواق ” لكين كيسي بتعديل مستمر لعلامة التشوير في اتجاه حمق العالم الخارجي .

 

 

شاهد أيضاً

تطبيق تحدي المعرفة حمله مجانًا

        يحوي التطبيق على 12 تصنيفا الأدب العربي اللغة العربية التاريخ صدر …

أم على قلوب أقفالها – محمد فتحي المقداد

  مع بداية انطلاق حياتي العمليّة في العام ١٩٨١، انقطعتُ عن الدراسة في الصفّ الحادي …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: