الرئيسية / مقالات / قراءة نقديةفي قصائدفاتحة الفتنان حســـــــــن امــكـــــــازن بنموســــــــــى

قراءة نقديةفي قصائدفاتحة الفتنان حســـــــــن امــكـــــــازن بنموســــــــــى

بطاقة نقدية وقراءة تحليلية لقصائد شعرية من ديوان الشاعرة فاتحة الفتنان
********************************************************

دراســــة نقديــة و قــراءة تحليـليـة في سيمياء الخـطاب الشعــــري بيـــن كآبــة المعــــاني و انـــزياحاتـــها الفطرية الشـــاردة لــفــــــظــا ومعــنى بيـــن السطـــور والمــضمـــرة خــلفــياتـها الــبــلاغيـــة تحـت الكلمات والمتـواريـة مقا صدها في الاسقاطات الـدلالية بين الحقيقة والمجاز في النصوص الشعرية للشاعرة فاتحة الفتنان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سأغوص في لحظات شعرية فاتنة في رحلة مع صوت شعري نسائي شاعري و شجي وحزين قراءة وبحثا وتنقيبا ونقدا في مكنوناته وأعماقه لعلني أنجح في سبر أغواره أو بعض منها…كما هي رحلاتي مع الشاعرات والشعراء المغاربة في أبحاثي السابقة .
فهل الشعر النسوي أو النسائي في مجتمعنا المغربي جديد الولادة حتى نخصه بالدراسة والتحليل بنفس مستوى اهتمامنا بداراسة الشعر الذكوري أم أن البحث في ذلك ليس بنفس الأهمية …وليس له نفس الجدوى ؟
وللإ جابة على هذا السؤال وكمدخل لدراسة االشعر النسائي في شخص الشاعرة فاتحة الفتنان, لم أجد من إجابة تشفي الغليل إلا ما قاله الأستاذ الناقد صديقي عبد العزيز حنان في استهلاله لأحدى دراساته النقدية لنص شعري للشاعرة فتيحة المير حيث قال-…هل الشعر النسوي أو النسائي في مجتمعنا المغربي فتح جديد لهذا العصر أو عودة إلى أصل الأشياء, ويضيف…ولعل من الخطأ الشائع أن فكرة فحولة الشعر منوطة بالذكور كجنس دون الإناث , لكن تاريخ الأ دب المغربي عامة وتاريخ الشعر خاصةغني بالشعر النسائي كما في الإبداع بكل لغاته, بل كان لهن توهج مدوي في مراحل عديدة من تاريخ الأدب المغربي القديم والوسيط والمعاصر .-
وسأشد الرحال في مداخلتي هذه في البحث و التحليل والتنقيب في الشعر النسائي من خلال نصوص الشاعرة فاتحة الفتنان كنموذج و التي هي صوت شعري نسائي مغربي معاصريتسم بشاعرية حزينة وبصدق البوح الذاتي في انطواء ملحوظ على النفس كأنها تتوارى عن الأضواء لتعيش في برجها عازفة عن الظهور في الساحة الشعرية المغربية قانعة بما ترسلــــه لماما من خلـــــــف الكــــواليس من نصوص غاية في الإبداع .
ومن خلال قراءاتي المتعددة لنصوصها وجدت عندها ما لم أجد عند غيرها من لحظات مؤثرة تتغشاني بقشعريرة من الكآبة والأمل في مزيج غامض أستشعره كأنني أعيش تجربتها أو كأنني جزء من كيانها ثم لحظات من قبس يتحسسنا وينقلنا إلى عالمها لنغوص في متعة غريبة من الحزن الممزوج بالوهن مع بصيص من المقاومة الذاتية والصــــراع من أجـــــل الإستمرارية ..
ورغم متعة القراءة وروعتها مع شدة الأحاسيس وضغطها السيكولوجي فقد جاءت لحظات من التأمل في كآبة المعاني وفي انزياحاتها الشاردة بين السطور والمضمرة خلفياتها تحت الكلمات المتوارية المقاصد كمدخل الأساس لتحليل قصائد من ديوان الشاعرة فاتحة الفتنان .
ومن خلال قراءات لجل قصائدها المنشورة وعلى محدوديتها نظرا لطبيعة الشاعرة التي ترفض الظهورعلى الساحة الادبية المغربية ,فإن قصائد بعينها دفعتني …بل جعلتني أميل إلى الغوص في مضمونها و أبحث في خلفياتها من حيث البناء التعبيري الانشائي ومن حيث المهارات اللغوية و الوظيفية للنصوص فيما تتناوله من ظواهـــر لغويـــة و بيانيــة و بلا غية…وفيما تتضمنه من تحسينات تقعيدية من علوم اللغة , فجاءت في نصوصها بالتشبيه بجل أقسامه مع توظيف أركانه في مواضع الإضافة إلى النعوت والصفات كما اتت بذلك في مواضع العطف في أحايين أخرى رابطة إياه مع التوابع التي تأتي بالوصف غاية في البناء الشعري, كما استغلت الإستعارة في أماكن شتى بأركانها الثلاثة مع تقريب المجازبأقسامه في أسلوب سلس في أبياتها من القارئ وربطه بالايحاء أحيانا لتقترب بنا نحو الحقيقة المندسة مجازا خلف الكلمات…كما أجد الشاعرة لها خاصيات دقيقة في المقاربة بين الطباق و المقابلة فتأتي بالألفاظ المتضادة المعنى في عبارة واحدة كما تأتي بها في عبارات متقاربة مما يضفي على نصوصها شيئا من التنميق المزخرف بزينة اللفظ فيطمئن الذوق ويستمتع المتلقي ونجد ذلك عندها في التضاد بين كلمات والأساليب مثل …فرححزن و أمل يأس و ابتسامة تجهم و حنين هجر و موت حياة.
أما بالنسبة لمنهج الشاعرة في قصائدها نلاحظ أن منهجها العام يتضح من خلال عناوين قصائدها بحيث كل عنوان يتضمن في عمقه ملخص النص في كلمة واحدة أو كلمتين في الغالب بما يحيلنا على توظيف الشاعرة للإشباع اللغوي وذلك بآداء المعنى بأقل ما يمكن من الألفـــاظ وهي في ذلك تنحــــو إلى مقولة المفكر والاديــــب البلاغي الكبـــــير الأستاذ عبد القــــــادر الجرجاني حيث حدد هذا المــــفكر قوة البــــلاغة وشكـــيمتـــها في قــــولته الشهيرة ـ إجاعة اللفظ وإشباع المعنى ـ .
إن الشاعرة فاتحة الفتنان تطرح لنا من خلال نصوصها تجارب حياتية متعددة , كما تطرح قيما إنسانية وعينات من ردة الفعل الانعكاسي اتجاه الأحداث واتجاه المجتمع ومن قصائدها التي تتسع لهذه الخاصيات نذكر على سبيل المثال لا الحصرقصائد …
ـ استعجلت الرحيل, وكأني بهذه القصيدة سيرة ذاتية تربطها بالحيا ة و كالحبل السري في في ارتباطها بشعرية اللغة حين وصفها لمقومات وأسس القيم الإنسانية التي تتداخل في تكوين الشخصية كما تتدخل في المواقف الانفعالية وفي الاحداث اليومية المعاشة .ومما تقوله الشاعرة في هذه القصيدة نقتطف التالي…
عاهدت أن لا تتركني الى
اخر الرمق
لكنك استعجلت الرحيل
بشرتني بالرجوع
وما أدبرت
فحجبت عن سمائي النجوم
في مخاض اليأس
اصارع
تيار الحياة
أقاوم حملي الثقيل
وكل ما بداخلي
يأخدني الى طريق شائك
وفي صدري
بقايا أحزان
نابت دموعي عن كلماتي
ذابت حروفي
بنبرات الآه
ولا زالت في القلب
لك تحن رجفة
كل حين
يا نبض قلبي
المتعب
ـ ثم قصيدة… ـ تمهل ـ , التي تعيد الشاعرة من خلالها الحكاية السرمدية في إشكالياتها المتعددة والمختلفة بين النور والظلام وبين الحق والباطل وبين الابيض والاسود وبين الجور والعدل…إنها لا تتوانى عن الصراع من أجل الاقناع بالحجاج والإمتاع بالتشويق وتقنيات البناء الإنشائيالبياني في نفس الوقت .وتقول في جزء من قصيدتها هذه…
يَا قَاهِر الَحَقِّ تمهل
فكل خلق فوق
الغبراء يقهر
كم جائر ببأسه
تجبر؟
وكم من حاكم بسيفه
لم يعدل ؟
فلكل طاغ قوة
أعظم
فحكمة الله
يمهل ولا يهمل .
ـ وفي قصيدتها الرائعة … ـ هاك حرفي ـ , تجعل فيها من حرفها ميزان بوحها وإيقاعها الداخلي الصادر من أعماقها لحل القضايا الشائكة في محيطها فتجعل من الحرف الوسيلة الاساسية للقضاء على القصور بمختلف أنواعه الفكري والاخلاقي بفلسفتها البسيطة والبليغة الآداء والتواصل قصد الإفادة ونجدها مندمجة بحرفها مع الواقع حين تقول في قصيدتها الزجلية هذه…
هاك أحرفي
غربل وصفي
نج بخيوط مساوية
قصيدة بمعانيها
ضو عقول على طريق الله تاهت
مخاوية لغذر
بين الخلايق ناشرة الشر
مفرقة لقبايل…
طامعة فدنيا فانية
يبقى فيها كلشي
تدي غير العمر…
كما نجد في قصائد أخرى للشاعرة مواضيع تختلف من البوح المباشر إلى الإيحاء إلى الإسقاط إلى الإضمار…ولكـــــل منها موضــــوعها المعنـــــوي الخـــاص بهــــا ومنها قصـائد…ـ تسأليني ـ و ـ حلم يلامس النجوم ـ و ـ يحرقني هواك ـ و ـ فلسطين في القلب ـ و ـ لا تسألني ـ و ـ سفر العشق ـ
وكل قصائد الشاعرة هذه مرآة تعكس المواضيع الاجتماعية والنفسية والوجدانية والسيكولوجية التي يعج بها المجتمع في مختلف طبقاته عموديا وأفقيا بالإضافة إلى ما تشتمل عليه من جمالية في اللغة وفي منهجية البناء وتوظيف المفاهيم, في خطوات مدروسة ومحددة المعالم والأهداف , ولها القدرة على تشغيل أنواع من المقاربات من تجربتها الحياتية الشخصية من أجل وصف الظواهر ومعالجتها أدبيا وذلك بتأويلها إلى حكي شعري متكامل الجوانب …بل بجمالية رائعة وممتعة ,كما نجدها توظف معارفها المتنوعة المشارب والضوابط شكليا ولغويا بعيدا عن اللحن في أشكال وسياقات متنوعة للإتيان بالتواصل الإبداعيي في أبهى صوره الشعرية , وذلك بما يتوفر عليه مخزون الشاعرة من أدوات الحجاج وأسلوب الإقناع وتقنيـــات الإيقـــاع في التعبير كتـــابة وصوتا أي ـ آداء ـ عن مكتسباتها عندما تحولها شعرا منغما سلسا يسري على لسانها رقراقا يؤدي وظيفته الأدبية بكل يسر وسهولة وإشباع معنوي وحتى مع أشعار الألم والحزن والحسرة التي تجتم على جل أشعارها إلا أنني أجد فيها ما يعزز قيم الثقة بالنفس والتشبت بالأمل وقيم التفتح والحرية كما نجدها تعزز أشعارها بأساليب الإنتماء إلى الأرض والوطن بقوة وعزم , وتاتي في بعض أشعارها بدلالات الإرتباط بالهوية المغربية والعربيــــة ثقافة وحضـــــارة وتاريخا ويتجـــــلى ذلــك في صرختــــها الشعريـــة من أعماق القـــــلب الحـــزين على اغتصاب فلسطيـــــن حيـــن تشــــدو لحنا يداري حزنـــــها وألمـــها مسقطـــة شخصيتـــها على الأرض السليـــبـــة فتقــــول في مطلع قصيــــــــدة ,ـ فلسطيـــــــن في القلــــــــب ـ
كيف أطمرحزني؟
كيف أداري دمعي؟
على انفصال صلة حب
دمه منثور في عروق الشرايين
انتشلوه غصبا
طعنوه غذرا
أي حكم بالمجد يعلو
وفي كفه دم الأبرياء
القلب ينزف من لوعة الفراق
والحسرة تنخر الجسم الموجع
والشاعرة تعبر بما يختلجها بالظاهر والمضمر حسب السياق والبناء والوضعية وكل ميولها في ذلك إيجابيةحيث تعززها بالروح الدينية العالية المشعة آثارها من خلف نصوصها وتلتجأ في كل ذلك إلى استعمال بلا غة اللغة ومحسناتها , فنجدها فصيحة اللفظ , بالغة البيان حين تنوع أغراض الخبر وتختزل بلاغة الإقناع حجاجيا وتبدي فصاحة في الإبداع لفظا ومعنى وتركيبا لتأتي بخاصية الإمتاع في صور إنشائية غاية في التشويق مستغلة الجناس والسجع و أحيانا الإقتباس في عدة مواطن, والشاعرة في ذلك تربط بين البلاغة والمقاصد والوزن والإيقاع لتأتي قصائدها محفوفة بالجمال وسلسة في البناءوسهلة في الآداء…مما يجعـــــل المتلــــقي مهتما بــــها,بل متشــــوقا لقراءتها أو للإنصات لها .
وأبيات الشاعرة أحيانا يستوطنها التشبيه والمقابلة بالتضاد فيما بين المشبه والمشبه به بالنقيض كما بين الصالح والطالح لما تأتي بهم في مواقع لتقدم للقارئ مختلف وجوه التشبيه في التطابق والتنافر لتضع المتلقي أمام الواقع المجتمعي من خلال تصويرها له بالكلمات , والهدف أنها تسعى لتعرية هذا الواقع المختل لتبني بحكمة أشعارها المثالية التي تنشدها للفرد والمجتمع .
وفي بناءها لألشكال الشعرية تلتجأ فاتحة الفتنان إلى توظيف البؤرة في نصوصها
بطرحها لإشكالية جوهرية أو للعقدة…ثم تبحث من خلال التساؤلات الحجاجية عن الحل بأسلوبها الشعري الخاص بها لتقدمة للقارئ كحل يتناسب مع ما يطمح إليه موجهة إياه بطريقة لاشعورية للإنفعال معها والتجاوب مع أسلوب البؤرة في الكتابة لما يحمله من تشويق وإبداع , وتلتجأ لهذه الخاصية التي تعطي أيضا للقصائد نكهة متميزة وتجعلها منفردة بها كما ينفرد بها القليل من الشعراء…وإذا بها تشترك في هذا الشكل من البناء الشعري مع قولة الأستاذ الأديب كريم الله كبور الذي قال في هذه الخاصية… ـ البؤرة في الشعر تستعصي على التحليل , مما جعل اللغويين يهتمون بها وهي مركز التنغيم الصوتي…ويمكن استثمار الشعرية من منطلق البؤرة في الشعر في الدراسات الأدبية عموما ـ
وكأني بالشاعرة في استغلالها لظاهرة البؤرة تتوافق مع ما ذهب إليه الشاعر العربي الكبير أدونيس في قصيدته ـ شجرة الثمار ـ …فهناك توظيف في شعريتها للبؤرة فنيا بتقنيات مختلفة حيث تتبنى العقدة في تدرجها ثم تبحث في تفكيكها لتجعل من الاشكاليات
جدلا شعريا حجاجيا بشكل فني من أشكال الشعر العربي الحديث .
ومن خلال ما سبق نجد أن سيمياء الخطاب الشعري ترى أن منهجية الشاعرة فاتحة الفتنان في تعاملها مع إشكاليات النصوص الشعرية بناء ولفظا ومعنى وإيقاعا وبلاغة ترتكز على خصائص متنوعة من الخطاب الشعري لتضمنه للأدوات اللغوية المختلفة بجل وجوهها مما يجعل ممارساتها الادبية تركيبا فيزيونوميا يتحرك في إطار اللغة والمجتمع عبر الزمان والمكان ليجيب لنا شعريا عن التساؤلات حول مفهوم النص وما أثاره من جدل سيميائي…
فنصوص الشاعرة رؤية تأسيسية للخطاب الحجاجي البياني في نموذج متجدد يتدرج
إلى تحليل المكونات رمزا وتجريدا كما يحللها بالظاهر والمضمر, وإن النقد الحديث يرى خطابها يلملم المكونات الذاتية والجماعية في نصوصها من أنا الشاعرة ومن محيطها ويتساءل على لسان الباحث بين المعاني في خلفياتهاعن …
ما مدى تواصل الشاعرة بتقنياتها الخطابية ومقارباتها اللغوية والفنية شكلا ومضمونا
مع الأنا الجمعي والفردي ومدى تأثيرها في ذلك وتأثرها به ؟
وإلى أي حد يمكن القول أن حاجيات الملتلقي تلتقي على المستوى الأفقي في تقاطعها مع ما تذهب إليه الشاعرة في مقاصد أشعارها ؟
وهل طريقة اختيارها في ملاءمة النص مع الواقع المعيش عند الشاعرة تؤدي مهمتها السيكولوجية التي ينتظرها القارئ ؟
إن قصائد الشاعرة تعد المدخل الأساس للإجابة على الإشكاليات المطروحة مجتمعيا… وأدبيا وفنيا , فقصائدها فيها المتعدد والمتشاكل وتتضمن مقاصدا محددة الأهـــــــداف والغايات دون إبهام ولا إبدال ولا مواربة . فتطرح الاشكاليات في بؤر تحللها لتنزع منها بعد القفلة الشعرية خلاصة الحل بعناصر الإفادة والتوجيه بعد الحبكة المشفرة مع التشويق للدعوة إلى إثارة الرغبة في المتابعة …ثم من خلال ذلك يتم غرس جذور حب الشعر في نفس القارئ لجعله من جمهور الشعر العربي .
ورغم ذلك فهو من السهل الممتنع شعرها لأنها تتصف بالبلاغة مع التبسيط في التركيب واختصاره مع إغناء المعنى بفصاحة الإيضاح مما يجعل الظاهر من اللفظ والمعاني والمضمر منهما مثمرا وزاهيا حتى تنتهي إلى الإزاحة من خلف البوح لتحيك نصوصا تلهب الشوق وتوقظ الحنين من الماضي وإليه حين تتطاول إلى الأفق بآمال واشتيــاق متجددين .
إن المتلقي يستلهم من أشعارها إحساسه بالواقع في أدق تفاصيله لتغنيه عن التجربة,فهي تتواصل مع الجميع لتوقظ دواخلنا فضاء للبحث عن الأمل انطلاقا من حزننا ومشاكلنا وعثراتنا…
إنها تحملنا بكلماتها على جناح أمل غائر في نفوسنا فتأوي بأشعارها إلى أعماقنا كما تأوي الحمائم إلى أوكارها كل مساء, لأن أشعار فاتحة الفتنان ملاذ للعاشقين المكلومين ليجدوا فيها مفاتيحهم للخروج نحو الفضاءات الأكثر رحابة واتساعا و التي تداوي الجروح من خلالها وتنشر الأمل في الحياة بين نفوس اليائسين.
أظن أن الشاعرة فاتحة الفتنان رغم ثقافتها الواسعة وتكوينها الأدبي الرصين فإن صدامها مع الحياة بمرها وحلوها على أكثر من واجهة في الآن نفسه هو ما جعل منها شاعرة متميزة , وتظهر شعريتها من خلال البناء الدرامي القوي في ارتباطاته بالإيقاع وتناغمهما مع الأحاسيس الجياشة التي يحسها القارئ في أشعارها .
إن الحياة اليومية في إشكالياتها وتوثرها هي من أزاحت الستار عن شاعرتنا ودفعتها للكتابة , وهي من مكنتها من اكتساب مهارة البوح من ما يكنه صدرها المكــــــلوم .
وقال أحد علماء النفس… ـ إن الازمات الحادة تنشط الفعل المنعكس ليولد لنا ردة الفعل ـ فالعديد من الادباء والشعراء والفنانين وحتى العلماء لا تبرز إبداعاتهم الر ائعة والقيمة إلا من خلال ردودهم الانفعالية إبان الازمات, وكما يقول المثل الشائع…ـ الحاجــــــة أم الإختراع ـ .
و إن قصائد الشاعرة بلاغيا وبيانيا مليئة بخصائص الإحساس والمتعة والإدهاش في مقارباتها بين بلاغة الطباق بالتضاد التي نادرا ما يلجأ إليها الأدباء حين صياغاتهم الفنية وهم في حالة انفعال و أكاد أقول أن الشاعرة انفعالية وجدانيا إلى الحد الذي تتداخل فية خصوصياتها بشعريتها .
وتظهر جلية علاقة الشعر بالمتعة والانفعال والادهاش في بعض نصوص المبدعة فاتحة الفتنان كما تأتي في نصوص الشاعرة والأديبة المغربية السعدية بالكارح في تقاطع بديع بين خطوط الشاعرتين وحيث يقول في ذلك الأديب المغربي الأستاذ مصطفى لغتيري في هذه الظاهرة حين يقدم لديوان السعدية بالكارح… ـ أبدا لا يستحق الشعر إسمه ولا الهالة التي تحيط به لدى خاصة الن اس وعامتهم إن لم يكن منبعا ثرا للمتعة والإدهاش ـ
وإن تحليل الخطاب في قصائد الشاعرة فاتحة الفتنان يظهر لنا صورا من المعاني يتجلاها المستتر والمعلن في نكهة خاصة بها تختلف باختلاف الظواهر الحياتية معبرة عليها بمعاني مقصودة أو متوارية , كما تستحضر ذلك عبر التشبيه والإستعارة لتحرر المكبوت من المشاعر بطرق غير مباشرة لتغالط الأنا في غروره وتكبره…فتأتي الأفكار في جل جوانبها متداخلة بين الحزن والحسرة والكآبة وبين الطموح والأمل ,فتجرفنا الشاعرة أحيانا لتزلزل بعض المعايير المتوارثة لتبني على أنقاضها أسس الحداثة بتبنيها للنموذج النثري في القصيدة التي تؤديه كما تتبنى الحداثة الاجتماعية بمسحة من التدين يظهر بريقها من وراء كلماتها وذلك في مزج فني يزيد القصيدة رونقا وإمتاعا, والظاهرة هذه لها دلالاتها عند الشاعرة فهي مترابطة بقصائدها بواسطة الفعل اليومي ويبرز مداها من خلال أفعا ل توظها في نصوصها بحيث تكون مرتبطة بسلوكيات فردية وجماعية , فتظهر في تقاطعات التطور الذي يعرفه المجتمع المغربي …مما يجعل الشاعرة على تواصل دائم عندما تربط اليومي بالتطور اللغوي والشعري في قصائدها حيث توظف الجديد مع المحافظة على الأصالة لتكون علاقتها بين الكلمات والمعاني تساير التطور الطبيعي للحياة , لأن الشاعرة هي صورة لمجتمعها …بل هي مرآة صادقة له , وذلك ما جعل فاتحة الفتنان متحولة ومتطورة في لغتها وخيالها وبوحها لخلق لوحة متداخلة بين المعاني واللغة والإيقاع الداخلي وما تعيشه يوميا من إكراهات وانفعالات …حتي ظهر آثار ذلك واضحا و جليا في أشعارها .
و لذلك نجد في أحايين أخرى نصوص الشاعرة كلوحات تشكيلية صارخة البوح ببواطنها وبما تخفيه سطورها ليؤولها كل حسب ظروفه وموقعه ورؤيته للأشياء , لأن الحقيقة المطلقة التي نهدف إليها من قراءة الشعـــــر على الخصوص تبقى ســـــؤالا مطروحا ومتعددة وجوهه , فكل منا يؤول النصوص من زاويته وحسب رؤيته وأحيانا حسب احتياجاته الذوقية والجمالية, وقد نختلف في التأويل حد التناقض و قد نتفق حد التوافق …وذلك عندما تكون الإغراض من النص متـــوارية والظـــاهر منها مجـــازا أو إسقاطا لا يوحي بالحقيقة.
هذه النصوص وبهذه المواصفات تفجر أحاسيسنا ومشاعرنا وتجعل الشاعرة تتمادى وتتهادى بين ما هو فلسفي اجتماعي وما هو ذاتيموضوعي وما هو نفسي داخلي …وحجتها أن نصوصها تخاطب عمق الوجدان الإنساني في مكنوناته النفسية والفلسفية والاجتماعية والمادية بعيدا عن النمطية السائدة وعن الأنانية اللاموضوعية ,كما تبرز من معالجتها للإشكاليات في مختلف الإنزياحات والتقابلات والمقارنات والتوازيات والاسقاطات الدلالية المعنوية واللفظية وفي استعاراتها الانفعالية اجتماعيا وبلاغيا حيث تظهر الصور الشعرية بقوة في ثنايا إيقاعها الداخلي, فتخلخل بذلك الشاعرة التراكيب الشعرية المألوفة لتبني على آثارها بناء تنحو به نحو خيال القارئ.
إن قصائد المبدعة فاتحة الفتنان كوكبة من الشعر الحديث وليست صدى لتجارب سابقة , وهي تخالف التنميط و التقليد لتجعل بذلك نفسها خارج التكرار في المعنى والشكل والبناء والتركيب , فشعرها ينتمي لنفسه ولخصائصه التي تؤثت بهما الشاعرة تأويلا بتصور شعري خارج الابدال السائد .
فقصائدها من منظورها الفني هذا تجعلها تمنح القارئ لحظات شعرية فاتنة بإبداع يفوح بالإمتاع والإدهاش في مقاربات بلاغية توحي بالغواية والابهار .
فمن يرغب في شعرية متميزة بالسهل الممتنع دون تكلف وبخاصيات الإقناع والإشباع
أرشح له الإنفراد بقراءات قصائد الشاعرة فاتحة الفتنان التي تصالح فيها الشعر مع محيطه والشاعر مع جمهوره والقارئ مع الشعرية المغربية من خلال شعرها النثري الفصيح عبر اعتمادها رؤية جديدة للشكل, للتركيب , للواقع .للفضاء و الزمان ..

حســـــــــن امــكـــــــازن بنموســــــــــى
الدار البيضاء في ـ 13 07 2015

شاهد أيضاً

تطبيق تحدي المعرفة حمله مجانًا

        يحوي التطبيق على 12 تصنيفا الأدب العربي اللغة العربية التاريخ صدر …

أم على قلوب أقفالها – محمد فتحي المقداد

  مع بداية انطلاق حياتي العمليّة في العام ١٩٨١، انقطعتُ عن الدراسة في الصفّ الحادي …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: