الرئيسية / مقالات / بين الشعر وثقافة اللاشعر /خالد الصلعي / المغرب

بين الشعر وثقافة اللاشعر /خالد الصلعي / المغرب

بين الشعر وثقافة اللاشعر
********************
لايمكن أن يخصب الشعر في ثقافة لا شعرية ، كما لا يمكن أن ينمو الزرع في صخر قاس . الشعر وبالعودة الى جذره اللغوي هو شعور مرهف مثقل بالعاطفة ، غاضبة او هنيئة . من هنا يطرح السؤال لماذا انحسر الشعر العربي رغم
كثرة الشعراء والشاعرات ؟ . وكيف يستقيم وصف الشاعر أو الشاعرة مع ضعف المكون الشعري ، غياب السمات الشعرية ، انتفاء الذوق اللغوي ، وهن المجال الخيالي الذي أسس له باقتدار شاعر صوفي من حجم ابن عربي !!!!مثل هذه الأسئلة وغيرها من الأسئلة الهامة الأخرى تضعنا أمام اكراهات جوابية مرة وقاسية .
الشعر يلزمه محيط مفعم بالحياة ، الحياة هنا بمعناها الوجودي ، وليس بمعناها العدمي ، والعدم هنا في مستواه السلبي ، وليس في مستواه الايجابي . الأمر معقد بعض الشيئ . لأن الأشياء تأخذ ،في نظري ، تعريفات تفصيلية دقيقة ، تنحو منحى الحفر والاستقصاء والنبش والاستغوار ، ثم التأمل والتبصر والانفتاح ، كانطلاق مُشْرع على اللامحدود واللانهائي .
لايمكن أن يمنح الشعر عدته وعتاده ، روحه وجسده للخائفين الوجلين من المغامرة والمخاطرة والمكابدة والرهان على الخسارة . فالشاعر والشاعرة ، لا يُقبل احدهما على اختراق حصون الشعر الحريرية الا لبلوغ نموذج شعري معين والتفوق عليه . هذه حال كل شاعر منذ الزمن الأول للشعر . لكن العملية تتوقف عندما ينتاب أحدهما شعور بالبلوغ ، بالوصول الى عتبة النموذج ، هذا الشعور هو كبح ، ففي عالم الشعر لا يمكن أن تبلغ سدرة المنتهى أبدا . كل شعراء العالم العظام تأسفوا على القصيدة التي يطمحون الى كتابتها ، ولم يكتبوها . هكذا تكون قضية البحث عن التجاوز ، عن الاجادة والاتقان والابهار ، هي البحث عن الجمال الضائع ، دائما ثمة شيئ ضائع عند المبدع يبحث عنه ولا يجده . يحاول تدوينه في سطور قد تطول وقد تقصر ، لكنه لا يبلغه . وهذا هو سر العطاء الخالد .
القصيدة ، من القصد ، وقصد كل شاعر أو شاعرة أن يبدع ما لم يبدعه غيره ، ولم يبدعه هو نفسه قبلا ، فهو يجهد ويتعب ليفتق معاني جديدة ويرسم صورا غير مسبوقة ، كي يضمن مكانه بين النماذج ، بعيدا عن أرشيف النسخ المكرورة .
وعودة الى استحالة اخصاب الشعر في ثقافة لاشعرية ،يمكن الجزم والقطع والتأكيد ، ان الشاعر الذي لا يحدس في نفسه فسحة الانسان الكوني ، الانسان الآخر ، لا يمكن أن يكون شاعرا ، قد يكون ناظما ، مرتبا للكلمات ، لكنه حتما لن يحوز شرف وصف الشاعر ، وايضا هي الشاعرة .
والثقافة الشعرية ثقافة غنية ، فهي من جهة ثقافة نبوية ، ومن جهة أخرى ثقافة انسانية ، الثقافة النبوية تأتي من جهتين ، جهة افشاء الحب والسلام والجمال ، ومن جهة أخرى ضمان الخلود ، الأنبياء لا يموتون ، هم عند الناس أحياء يرزقون . والثقافة الانسانية تأتي من التجربة الانسانية المكثفة والغنية ومن تناقضات الانسان العادي بين مختلف الرغبات . غير ان ثقافة اللغة ، وما أسميه بالتذوق اللغوي ، وبتحسس درجات الألفاظ واختلافاتها ، واقتضاءات الصور ؛ من تكثيف أو تضمين أو توسيع ، انما هي تتأتى من خلال تجربة الكتابة والممارسة الشعرية نفسها . وهو ما سماه النقد القديم بالصقل .
وأخيرا ، حين تغيب عن الوسط الاجتماعي أو النخبوي ثقافة الشعر ، قد تستطيع تعويضه بالعودة الى وسطك الروحي ، الى مملكة الخيال ، الى كتب الشعر والنقد ، بل ومختلف الكتب . اما ونحن اليوم أمام هذه الفسحة الالكترونية ، فان الثقافة الشعرية متوفرة بشكل غير مسبوق ، لكن الخطير في الأمر هو الالتصاق بهذا الفضاء الى درجة الاستيلاب والذوبان . وتبقى الذات الشاعرة دائما هي المرجع والمستقر .

شاهد أيضاً

تطبيق تحدي المعرفة حمله مجانًا

        يحوي التطبيق على 12 تصنيفا الأدب العربي اللغة العربية التاريخ صدر …

أم على قلوب أقفالها – محمد فتحي المقداد

  مع بداية انطلاق حياتي العمليّة في العام ١٩٨١، انقطعتُ عن الدراسة في الصفّ الحادي …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: