الرئيسية / الزجل / الطنز العكري أو الكشف عن المستور للأستاذ مصطفى لمباشري

الطنز العكري أو الكشف عن المستور للأستاذ مصطفى لمباشري

الطنز العكري أو الكشف عن المستور

بقلم : الاستاذ الباحث المصطفى لمباشري

نشر من طرف عبد المالك أباتراب

15633_10203610713222299_8005386383093529221_n

 

من المفارقات الغريبة المسكوت عنها عمدا أو تناسيا يتم القصيدة الزجلية الحديثة بالأساس, نظرا لكونها لم تحظ بمواكبة نقدية تسعف مبدعيها في إيجاد خارطة طريق لمسارها والتنير لها كما الشأن بالنسبة للقصيدة العالمة الي حظيت ولا زالت بدعم جيش عرمرم من النقاد بمختلف مناهجهم وتوجهاتهم إن لها أو عليها. للاعتبار إياه يجد الزجال المعاصر نفسه ملزما بممارسة النقد على إبداعه وتنقيحه من الشوائب العالقة به وفق منظوره وتصوره للعملي الإبداعية عموما واستشرافه لآفاقها. في هذا السياق تندرج تجربة عزيز بنسعد وغيره من الزجالين من امتشقوا سيف التحدي مسلحين بزاد ثقافي يخول لهم تكسير جدار الصمت المطبق حول الزجل إلا لماما, ويتتيح لهم رسم معالم مسار عبدوا طريقه وحققوا عبره طفرة نوعية بإبداعاتهم الثرة العابرة لأرض الوطن. ضمن الإطار إياه يمكن إدراج ديوان ” الطنز العكري ” وإن في الحيز الكبير منه المستغرق لما يربو على مائة وسبع وعشرين صفحة المتمحور حول الكتابة الزجلية وفق منظور بنسعد.

بعد هذا المدخل المقتضب ماذا عن الديوان؟: عنوانه, مرتكزاته, غائيته, ذلكم ما سنحاول مقاربته عبلر العرض المتواضع هذا دون ادعاء أنه قد اسوفى الحديث عن الديوان في شموليته. *

” الطنز العكري ” متن شعري / يمتاح من رحيق الإبداع الزجلي زاده مؤشرا على الهم المؤرق لمبدعه ولكل ملتاع من نفس الطينة في الاشتغال على تيمة الكتابة بكل أقانيمها الأساس الممثلة في الحرف والكلمة والمعنى دون إغفال ما يؤثت الأقانيم إياها من قلم ومداد وورق كآليات لبلورة العملية الإبداعية في نهاية المطاف. هذا الهاجس شكل مهمازا ظل يوخز بنسعد منذ باكورته الزجلية ” كلمة ف إيزار حياتي ” مرورا بصياد لمعاني ” و ” لمداد ليل والمعنى كَمرة ” وصولا إلا الطنز العكري “. وبموازاة الاشتغال على المقومات الأساس للقصيدة الزجلية الحديثة يتناول الديوان مجموعة قضايا مسربلة بغلالة الكتابة الزجلية ومقتضياتها أولا, وموسومة بما يكتنف المجتمع من انكسارات واختلالات وتراجعات تنخر كيانه: الهجرة السرية, التهميش, العطالة, الفاقة, التفاوت الاجتماعي, التضليل الإيديولوجي وغيرها من الموضوعات ذات الارتباط بهموم ناس المجتمع المشدودين إلى الحضيض ثانيا.

أول مفتاح لولوج عالم ديوان عزيز بنسعد الزجلي هو العنوان باعتباره عتبة أساس تفضي إلى غوره. ” الطنز العكري ” عنوان مركب يشي بالاندهاش عبر توصيفه المجازي المتخذ صبغة اللون الأحمر القاني المتجاوز لكل الدلالات والأبعاد الخارجة عن السياق المألوف مما يستدعي تفكيكه لتحديد دلالته وانسحاب مدلوله على نصوص الديوان. في المفهوم الشعبي ” الطنز ” يعني ” الاستبلاد, الاستغفال ” الاستغباء “, وفي حالات أخرى المبالغة في الحكي. ممارسته تعد سلوكا مشينا يظل وصمة عار في جبين بعض الفئات الاجتماعية التي تعيش, بطرق حربائية, عالة على أفراد المجتمع, وكذا المتحكمين في الرقاب. أما        ” العكري ” فدلالة على اللون الأحمر الفاقع الفاقد لهويته الطبيعية. وحين ينعث ” الطنز ” بالمواصفة إياها, وفق منطوق الديوان, فإنه يتخذ مدلولا مغايرا للمتعارف عليه بحكم الممارسات الشاذة المفروضة على ناس المجتمع قهرا ضدا على المروءة والكبرياء واحترام إنسانية الإنسان. وبجملة فإن هؤلاء الطفيليين والمتهافتين يعتقدون جازمين بأننا كناس المجتمع المهمشين جبلنا على الاستكانة والاسترخاء واللامبالاة وغدونا عرضة للتضليل والسقوط في مطب المغفلين.

المظاهر الشاذة هاته استفحلت بشكل مثير, ودبت في دواليب المجتمع  إلى درجة الصمت المطبق عن مضاعفاتها, مما استدعى ضرورة التصدي لها أو على الأقل الحد من تداعياتها والكشف عن  خلفياتها وتعريتها من أوراقها التوتية. لمواجهة هذا المد الطافح بالقسوة والاستهانة والتحقير كان لا بد من مبادرة جريئة تخترق جدار الصمت المريب وتتموقف من مثل هكذا ممارسات زكمت رائحتها الأنوف. في مثل المناخ الاكتئابي إياه تدخل تجربة عزيز بنسعد عبر ديوانه ” الطنز العكري “, تجربة تتغيى إزالة الغشاوة عن العيون وفضح دعاة الضحك على الذقون.

فيما يخص الكتابة الزجلية نستشف أن ثمت توصيف للنص الزجلي الحديث مفعم بالسيولة حد الابتذال بحكم هشاشة البناء وفقر المعجم وضيق المخيال وإن بحسرة تقض مضجع الملتاعين بجمالية الإبداع الزجلي. عدم مراعاة هذا السيلان الإصداري للمقومات الأساس للنص الزجلي, وتمثله للآليات التقنية المشبعة بخلفية ثقافية مع الانفتاح على المجالات الثقافية الرافدة لها, كل المؤشرات إياها بعض من تجليات التمييع والسقوط في أحبولة الإسفاف:

الله آ ربي واش هذا المكتوب / كل شمر على قلم / يزمم بيع سبوب / واش آ عباد الله كاين شي مجذوب / يجذب على حرفو بالكذوب..؟ ص. 16 .

الكتابة مسؤولية والتزام يتطلبان إحساسا صادقا ووعيا متقدا وقدرة على معانقة قضايا كبرى تتساوق وهموم ناس المجتمع المغبونين. ومن تم فإن الاستخفاف بالكتابة من طرف المتطاولين عليها, من اتخذوها مطية للتعالي, ولو ادعاء, ممارسين عملية النفخ في الجلد رغبة في الإثارة والإغواء واستدراج بنات حواء, المخدوعات, إرضاء لنزواتهم الرعناء وفق منطوق قصية ” الطنز العكري ” الفاضحة لمثل هكذا ممارسات يندى لها الجبين:

وبقى ع اللي خدام / دايع يحطب ف لكلام / فلحو رجليه ومشكَو لكَدام / عادا بان ليه هو ف كلام.. / العراض / وعند بالو قاضي بيه الغرض / وردو لكلام../ كلام فوق لحزام../ وكلام تحت لحزام./ و/ كاينات اللي حلوا حتى لحزام../ ياك آ مدام / ص. 21.

ويسترسل بنسعد في تحديد شروط الكتابة الزجلية الحديثة وما تتطلبه من معرفة ومخيال وقدرة على توليد المعاني وفق نظرته الثاقبة بحكم موضوعيتها ورصانة أفكارها إلى حد تفنيد النظرة السطحية لمقولة الجاحظ المأثورة: ” المعاني مطروحة في الطريق ” المتبناة من طرف العديد من الكتبة, في الزجل بالأساس, بمراعاة مقتضيات الكتابة الجادة: البناء المعماري للقصيدة, احترام معايير الكتابة الزجلية الحديثة المتماهبة وقصيدة الفصيح:

 

واللي كَال لمعاني ساهلة ها هو يخرج ويلقاها ف الطريق هي بقات ف تخراج العينين . إيه.. تقدر تلقى الحجرة ف الطريق الحجرة ف الطريق ولكن الدم راه ف راسك. وتجاحد مع الجاحظ حتى يهزها ويفلقك بيها عادا كَول أح آراسي. ص. 40.          وفي تساؤل استنكاري يتمادى بنسعد في توصيف وضع القصيدة الزجلية بنوع من السخرية السوداء مخاطبا كل المتهافتين على الكتابة الإبداعية سيما من وجدوا موطئ قدم داخل الساحة الزجلية دون تأريق ذواتهم باستحضار الأقانيم الأساس المفروض توفرها في أي كتابة جادة, ما دام معظم هؤلاء المتهافتين على القصيدة الزجلية الحديثة يمارسون الكتابة بالسليقة دون إجهاد فكر أو وجع دماغ . ضمن السياق إياه يأتي نداء بنسعد إلى ” العلامة ” فرسان القصيدة الزجلية مستفزا إياهم ومعاتبا لهم عن صمتهم الذي لم يعد ممكنا إزاء ما يعتورالساحة الزجلية من تردي عبر مشهديات تستعير من ” التبوريدة ” صورها البادخة:   يا ولاد سيدي بو معنى فينكم..؟ هاو..آهاو.. ” لقصيدة تا هي محرك ف حصيدة ويلا هزوك رياح ها لمجبد, ها التبوريدة كون بركَي محروكَ كون سناح هاكا آحميدة لحروف سروت وشحال من مداح لقيناه راكب على كلخة بارودو بارد, ولسانه لحلاح كَلنا ليه بارك العود آلملخة وبالفرحة بغا يطير بجناح آح منو يا غنو آح هكاك وقرقبنا عليه سوارت الرباح. ص. 58- 59.                                                كل هذا التبرم من هزالة القصيدة الزجلية نابع أساسا من الغيرة عليها استشرافا لآفاق قصيدة زجلية حديثة تحكمها رؤية ثاقبة ومخيال شعري واسع ولغة شاعرية وثقافة أدبية متنوعة. في هذا المجال يحدد لنا بنسعد بعض تجليات القصيدة المراد بناؤها خارج إطار ما تعج به الساحة الزجلية من تراكم زجلي هش حد الابتسار:                                     آ سيدي إلا كانت لقصيدة مراة على حساب عقولي هجلتوها بلا وقت شدت حق الله وفوتت العدة. ويلا كانت لقصيدة كرا قرا على ظهر التوصيل مرسولي الأجل وفى ودفناه من هادي مدة. ويلا لقصيدة بيع وشرا عبر بالكَامة كَولكَ من كَولي وخلي للسماسرية حلاوة المبدى. ص. 48- 49.                                            مرسوله بالأساس ليس سوى زجله الممتاح من روافد متنوعة بما فيها فن الملحون, في السياق إياه تأتي قصيدة البوهالي بصبغة رومانسية ذات طابع إباحي بين المبدع والحروف الكلمة في شبقية تتساوق وقياسها المستعار من قصيدة الحراز:                                مال الحراز الدامي ما يتيق بي هيهات غير حاضي الاوقات في ثيابو مسلم وافعايلو رومية                                                                                        وعلى نفس المنوال يقول بنسعد:                                                                مال حراز كلامي ما يثيق بالحربات لا ورمة زينة لا سرابات قياس الخير لبسها فرجية وكَال سجية ص. 125.

وبالمناسبة فالقصيدة إياها تعد تحديا ركبه بنسعد وإدريس ابن العطار من خلل قصيدته المائزة ” مقام الصاحب “, حيث استفزهما أحد الموسيقيين الملاحنة بمدينة أزمور على هامش المهرجان الثاني للزجل في جلسة حميمة, بادعائه بأن الزجالين المعاصرين ليس في إمكانهم إبداع قصائد في مستوى قصائد الملحون, فكانت التجربة هذه الخارجة عن نطاق إبداعاتهما الزجلية نموذجا أثبتا عبرها أنهما زجالان ملمان بالتراث ومنفحتان على القصيدة العالمة عبر توظيف مجموعة من مقوماتها الأساس. لكن تجذر الإشارة إلا أن التجربة المتحدث عنها ظلت ثنائية لم تعمم لاعتبارات تخص باقي الزجالين. ولا داعي إلى الدخول في أتون هذا الإشكال الذي لن يجر على صاحبه إلا النفور والتبرم وممارسة سلخ الجلد بعيدا عن أي نقاش جاد قد يثمر قناعة مشتركة تنسحب على الجميع.                   النموذج إياه يؤكد على أن القصيدة الزجلية الحديثة هي استمرار لصيرورة زجلية منطلقها الأندلس مرورا بقصيدة الملحون وزجل المجموعات الغنائية إلى العصر هذا مع بعض التجاوز تبعا للمراحل التاريخية التي عبرتها القصيدة إياها. القصيدة الزجلية الحديثة بمثل المواصفات المومأ إليها آنفا لا تتحدد وفق إواليات الكتابة الإبداعية, كما تم التأشير عليها فحسب, بل لها وظيفة أساس تقتضيها العلاقة الجدلية بين الثقافة والواقع, على اعتبار أن الثقافة مرآة المجتمع, ليس بالمفهوم الميكانيكي, وإنما لكون المثقف, مفكرا, وباحثا, ومبدعا, حارس الأمل والمهماز الذي يوخزنا كلما زغنا عن الطريق أو تمادينا في غينا, كناس المجتمع أصحاب المصلحة في التغيير, أو استسلمنا للأمر الواقع حد السقوط في مطب الخنوع والاستسلام حد الانبطاح, أو في مواجهة المتحكمين في الرقاب ومن على نهجهم من المتمسحين بالأعتاب, وذلك بالكشف عن خلفياتهم وتعرية أساليب ” طنزهم ” وما يترتب عنها من مضاعفات وخيمة طالت الساحة الاجتماعية. إذا كانت تجليات ” الطنز العكري ” قد تبدت بشكل فاضح على مستوى الكتابة الزجلية فلها تداعياتها أيضا على مستوى الواقع الاجتماعي الطافح بالغبن, والتهميش والاحتقار حد تدمير كرامة الإنسان. ما معنى تجريد الإنسان من معظم حقوقه بما فيه حق المواطنة وحرمانه من البحث عن بديل, ولو باللجوء إلى المغامرة الانتحارية عبر البحر. وحين تلتهمه أمواجه يدخل في قبر النسيان وكأنه ما كان:                                                                                   لبحر سد في وجهنا باب سفينة نوح ونوح في الحلمة شاكي زهقة الروح ولا درة من شطايط الرحيل قديتو ترزمو فيها دموع الباكي لبحر داهم واللي ما كَلناه في هناهم نكَولوه اليوم في عزاهم ص.88 .                                                         مشهد اكتئابي ” لحريكَ ” مجتزأ من مشهديات تراجيدية عمت المجتمع المغربي نتيجة الأوضاع المتردية والسياسات الفاشلة المنتهجة في تدبير شؤون ناس المجتمع:              وتعالى تعالى/ اليوم لبلاد مريضة وغدا تقدر تلقاها, تقدر ما تلقهاش ص.89.      وبالرغم من الخلخلة التي طالت بعض المجتمعات العربية, بشكل أو بآخر, استبشر الناس خيرا بالتوافق الجديد الذي عرفته الساحة السياسية, في بلدنا الأمين واعتقدوا أن ثمت أمل في قوى جديدة مؤهلة لمحاربة كل الموبيقات التي تنخر كيان المجتمع, متناسين أنهم يراهنون على الأوهام:                                                                             ما كَلتش ليك علاش علاش عداها شافوا النجوم في سماها وجمعوها في إزار فتاوها في رضاها ومسحوا في لخضر حموم بالسيف آربيعنا ما تسكار” ص. 90.           تبخرت كل الآمال المعقودة بعد انجلاء الغبار الذي غشا العيون الحسيرة, فكان التسيب, وكانت العطالة, وتفشى الفساد, وكان القهر الاجتماعي وانحسار المد الثقافي بمختلف تجلياته. في خضم هذا الزخم الموحي بالسأم يجترح لنا بنسعد, ولو من باب لملمة الجراح, صورا شعرية أخاذة تتخذ طابع السخرية اللاذعة في توصيف من روهن عليهم إحداث بعض الإصلاحات المرتبطة بمصالح ناس المجتمع:                                          أهلا بالركَيع اللي جانا جا يحارب كَالك آ سيدي الظلمة ب فنار ربكَة وبالتسابح قاجانا ونحيا علاش رباوا اللحية قبل لفكار خافوا الربيع يديع وتولي الدنيا كلها نوار خافوا الريع يضيع وهجوا فينا عزارا الدوار ص. 91- 92 .                                   من تداعيات ” الركَيع ” الهجرة السرية, حيث أرغم العديد من الشبان على الرحيل إلى الضفة الأخرى هروبا من الجحيم المؤرق لكل المكتوين بذات الناراللهيبة التي طالت معظم الفئات الاجتماعية بمختلف شرائحها, أما من عضوا على الأنجاد وتمسكوا بأرض الوطن أملا في انتشالهم من براثن العطالة والفقر المدقع, فجوبهوا بالقمع السلطوي بمختلف أشكاله ضدا على كل الأعراف والمواثيق الدولية حفاظا على المصالح وحماية الريع من الضياع:  لعصا خارجة من الجنة وكبر البوردو على طاعة الله ما بقا فينا, ع غرسنا الشجر بيدينا زبروه هراوات وغاروا بيه عل لمدينة ص.94.                              وبحسرة أليمة تتغيى الكشف عن المستور, ندرك عبر منطوق الديوان أن الوضع إياه ناجم عن ممارسة سياسوية تتخذ الدين مطية لتحقيق مآرب المتحكمين في زمام أمرنا ومآرب من يدور في فلكهم من الأدعياء, ما دام الكل ضالع في اللعبة وفق تعبير الراحل ناجي العلي:   الله آربي وسيسوك كبابا عيشور لبسوك تعازلوا علينا وحسبوك منهم وليهم نسبوك ص.96.

الكارثي أن الساحة السياسية تبلقنت حد التمييع, بحيث انعدمت القدرة على التمييز بين الفرقاء المتورطين في اللعبة, مناصرين ومناوئين, وكانت الضحية هي ناس المجتمع المشدودين إلى القاع نتيجة استغفالهم وثقتهم العمياء في ” طنز” وديماغوجية المتشدقين بالإصلاح ووعودهم البراقة الكاذبة. على ضوء هذا المشهد القاتم لم يجد ” بنسعد ” بدا من الإقرار, استنادا إلى ما يطفو على الساحة الاجتماعية, بأن:                                    السياسة ما حدا تقاقي وهي تاكل في الحقوق صبغت بلوانها زناقي وزيدت الشناقة للسوق وها الرايب البلدي ها كيته في كَلبي بكي يا الشمعة وكَدي هذا من فضل ربي ص.97.                                                                                         هكذا انفرط العقد, وتضببت الرؤية, اختلطت الأوراق, وغدا التهافت على الكراسي بابتزاز ناس المجتمع, ولو باللجوء إلى الطنز في بلوغ مبتغاهم. يتناوبون علينا في تمثيل أدوار تنكرية لم تفض بنا إلا إلى انكسارات مضاعفة لا زلنا للآن نتجرع مرارتها. ولم يأل بنسعد جهدا في إنبائنا بأن البوصلة زاغت عن تحديد الأهداف المتوخاة, مخاطبا إيانا بنداء ملؤه التحذير المفعم بالحسرة الأليمة سيما حين اهترأت أسنان مفتاح الحل, وفتح المجال على مصراعيه لكل من هب ودب, فكان التسيب وكان الارتجال ولم يعد في وسع ناس المجتمع المكتوين بلهيب نار الوضع الآسن إياه إلا الانكماش على الذات:                         سيادنا وحل الساروت في لقفل وولى غير اللي يجا يحل يالله حل…ودخل حل وذنك… ودخل سوق راسك ص.102.                                                  طفح الكيل, وانجلى الغبار عن العيون المعمشة, وبدت الحقيقة عارية بعد انسحاب هذه الممارسات البذيئة على بعض الفئات الاجتماعية المتمسحة بأعتاب المتحكمين في مصائرنا, حيث تفشى الانحلال والتفسخ, وانقلبت القيم والشاطر من تمكن من تحقيق قفزة في سلم الهرم الاجتماعي ولو بحرق المراحل حد الانتحار طبقيا, عبر مسلكيات ساقطة ناجمة عن تداعيات العولمة. وما يؤسف له بالفعل هو انطلاء هذه الممارسات اللاإنسانية على أفراد وبعض المجموعات الغنائية بالأساس, ولو باللجوء إلى ” الطنز “, حيث كانوا بالأمس القريب منارة يستظل بلألائها كل المترعين بالأمل والمتطلعين إلى غد مشرق. وهكذا بدأ الاندحار والانسلاخ عن المبادئ والسقوط في أحابيل الخنوع والانبطاح والارتزاق طمعا في الاستفادة من الريع ضدا على قناعات رفاق الدرب الراحلين الرافضين لكل أشكال المغريات بالرغم من الإكراهات التي مورست عليهم زمن القمع الأسود السائد في المرحلة تلك. ولنا في مجموعة ناس الغيوان شاهد إثبات على هذا النوع من الممارسات الشاذة في تعاملهم مع الراحل ” بوجميع ” أو ” بوهالي بالدعدوع “. لذا لا غرو إن نعتهم ” بنسعد ” ب ” غرارين الحي ” في نصه الباذخ ” آش طرا يا سنطرا ” الوارد ضمن ديوانه ” لمداد ليل والمعنى كَمرة “. مجموعة غنائية تنكرت لمبادئها, لم تحفظ الود ولم تراع مكانة موقعها داخل الساحة الفنية الموسومة بالجادة, إذ عرضت في المزاد العلني مقوماتها الفنية, وأجحدت في حق”بوجميع” معتقدة أن الشعب ذاكرته نخرة مهيئة لابتلاع الطعم والسقوط في فخ التناسي للمرحلة الزاخرة التي طبعتها المجموعة بميسم من الوعي الفني المتميز في عهد البوهالي إياه:                                                                                    يا حوض النعناع كنت خضر ويانع وعلاش اليوم تبور هذا لعريش منك داروه ف كَصبة وخرجوا يجمعوا بيه فلوس بابا عيشور ص.118.                              لكن الاحتيال إياه لم ينطل على الجميع وإن بالسكوت عن المكبوت, فانبرى” بوهالي ” آخر لكن بدون دعدوع, في حالنا, يفضح هذا ” الطنز العكري ” ويعيد الاعتبار لفنان كان بمثابة أيقونة المجموعة ومهندسها الأبدع بدليل أن رحيله أحدث شرخا داخلها تبدت تجلياته فيما بعد:                                                                                             وقف كيرا عند راسي كَال بايع, آش تسنى..؟ هذا كلام الجموع وهذي مدجة البوهالي تسربت في بلاد الدموع هاكا لالة سوسيكا ومالي ص. 119.                            بعد هذا التراجع المخزي تناثرت الأحلام الوردية المبثوثة بين طيات إبداعاتها الغنائية الثرة, وارتسم في الأفق مسار براجماتي حد الفجاجة, فانعكست بوادره عبر إنتاج ضحل أو اجترار بعض ما تم التغني به إما بتقزيمه أو تمييعه كما هو الشأن بالنسبة لمرثية بوجميع ” والنادي أنا ” التي أصبحت تتخللها رقصات فرجوية لا علاقة لها بطبيعة الحدث. من هنا ينفجر البوهالي بلا دعدوع حنقا ملؤه الحسرة على الراحل عنا قهرا وعلى الحضيض الذي بلغته المجموعة:                                                                                   يا ما يا ما بردت على حسكة لبكا شموع فضحت صر وكز الليالي. يا ما يا ما النغمة كَرت ومكَوى البوهالي بلا دعدوع أما راه كان بوجميع ع واحد بحالك وبحالي . ص.120.

على ضوء هذه المقاربة المتواضعة المحدودة لديوان ” الطنز العكري ” الذي يستحق دراسة مستفيضة لا تتساوق وطبيعة الحيز الزمني للمقاربة إياها, يمكن الإقرار بأن الديوان شكل صرخة مدوية كسرت جدار الصمت الذي لم يعد ممكنا, ومبادرة جريئة قصمت ظهر بعير كل المهرولين والمترهلين شداد الآفاق الساكتين عن ” الطنز” أو الممارسين له. ولعل غائية بنسعد تتجاوز المسح الفضائحي لتوجه كارثي إلى خلخلة هذه البركة الآسنة التي طال أمدها أملا في استنهاض الهمم وانتشال ناس المجتمع الملتاعين بنار الغبن والجور والتهميش والفساد المستشري حد الفظاعة. ولا مندوحة لنا في نهاية التحليل المقتضب للديوان التأشير على أن ثمت ملاحظتين أساسيتين تستدعيان الوقوف عندهما: أولاهما كون بنسعد استوفى مقوله حول الكتابة الزجلية بكل أقانيهما عبر ديوانه ” الطنز العكري ” على اعتبار أن الهاجس إياه ظل يؤرقه منذ زمان, كما تمت الإشارة إلى ذلك, ويبدو أن هذا الجهد لم يذهب سدى بل خلف بصمته على بعض التجارب الزجلية لدى مجموعة من الشباب. ثانيتهما تتمثل في إصدار الديوان بدون قرص خصوصا وأن قراء بنسعد ألفوا هذه العادة التي اجترحها المبدع عبر أشرطة صوتية منذ أضمومته الثالثة, فيما أعتقد, ” حتيت بلا مغزل ” ليردفها بأقراص مدمجة منذ ديوانه ” صياد لمعاني ” إلى ” لمداد ليل والمعنى كَمرة “. ويبدو أن بنسعد له مبرراته الموضوعية فيما يخص المسالة إياها. *

آمل أن أكون قد رسمت بعض معالم ديوان ” الطنز العكري ” الذي يستحق دراسة مستفيضة, وفتحت بالتالي شهية العاشقين لأزجال عزيز بنسعد علهم يرتشفون من رحيقها ما يبل رمقهم وينعش روحهم وينتشلهم من مخالب أوضاع واقع مهترئ يعربد الفساد والريع والجور بين ظهرانه, وفي أكنافه يرابط وصوليون وانتهازيون وأفاقون علهم, أي العشاق إياهم, يحررون أنفسهم من رتابته, ما دام في الفم بعَض من ماء, وتلك أمنية…

 

 

 

 

11750663_699504680193368_3790861810472755365_n11745781_699504593526710_6447783659318892483_n

شاهد أيضاً

تطبيق تحدي المعرفة حمله مجانًا

        يحوي التطبيق على 12 تصنيفا الأدب العربي اللغة العربية التاريخ صدر …

أم على قلوب أقفالها – محمد فتحي المقداد

  مع بداية انطلاق حياتي العمليّة في العام ١٩٨١، انقطعتُ عن الدراسة في الصفّ الحادي …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: