الرئيسية / أخبار ثقافية / شهادة الأديب والناقد الاستاذ عبد الرحيم العلام رئيس اتحاد كتاب المغرب في حق الزجال الكبير الأستاذ أحمد لمسيح يوم تكريمه  بطنجة

شهادة الأديب والناقد الاستاذ عبد الرحيم العلام رئيس اتحاد كتاب المغرب في حق الزجال الكبير الأستاذ أحمد لمسيح يوم تكريمه  بطنجة

متابعة عبد المالك أباتراب عضو هيئة تحرير ذي المجاز والمسؤول بالمغرب  الأقصى

 

أجدد الشكر والامتنان للأصدقاء في جمعية المواهب الفنية، على اختيارهم الجميل الاحتفاء، في هذه الدورة الجديدة لملتقى الشعر والزجل، برمزين من رموز التجربة الشعرية والزجلية ببلادنا والعالم العربي، يتعلق الأمر، كما هو معلوم، بالشاعرة الرائدة الأستاذة أمينة المريني والشاعر والزجال القدير الأستاذ أحمد لمسيح، في حضورهما وعطائهما الشعري الباذخ، وفي تجددهما الإبداعي المتواصل. وشاعرنا المتألق أحمد لمسيح، يعتبر هو أيضا، من كبار الزجالين المغاربة، يعرف بكتاباته الشعرية والزجلية المتناسلة والممتعة، وبحضوره الوازن والمضيء في مشهدنا الشعري والزجلي، داخل الوطن وخارجه، وقد أضحى اليوم ملكا لجميع المهرجانات والملتقيات الشعرية في العالم العربي، تتقاسمه معنا، كما تتقاسم معنا متعة قراءته والإنصات إليه والحديث معه والجلوس إليه. من هنا، فإن الاحتفاء بشاعرنا أحمد لمسيح هو فرض عين، ما يجعل من تكريمه اليوم تكريما لجيل بكامله، وتكريما للمشهد الشعري والزجلي المغربي… قبل أسبوع فقط، كان أحمد لمسيح هنا بطنجة، وتحديدا بهذا المكان الأثيري الذي ازدان روعة وأناقة، كان لمسيح قد حضر في سياق شعري عربي، ليعود اليوم إلى مدينة النبوغ المغربي في إطار شعري مغربي، فأبت مدينة طنجة إلا أن تبادله الحضور بالحضور، والمحبة بالمحبة، والوفاء بالوفاء. فهنيئا لأحمد لمسيح بكل هذا التألق والاحتفاء والتكريم المستحق. ومن شأن الإكثار من مثل هذه المهرجانات والملتقيات الوطنية، أن ترد الاعتبار حتما للزجل ببلادنا، هذا الجنس التعبيري المتجذر في ثقافتنا المغربية، والذي كثيرا ما اشتكى من الضيم والإقصاء، ومن خلاله، أيضا، يتم رد الاعتبار للغتنا العامية، في أبهى استعمالاتها وتعابيرها وصورها وتجلياتها الجمالية. وها هو الملتقى الوطني للشعر والزجل بطنجة يكبر أمامنا، دورة بعد أخرى، لتكبر معه أحلام منظميه وأحلامنا. وداخل هذا الأفق الشعري والزجلي المضيء، احتفينا أول أمس بشاعرة مغربية كبيرة، والليلة يتجدد لقاؤنا مع أحد أقطاب الزجل المغربي الحديث. لنحتفي بأحمد لمسيح؛ هذا الفتى القادم إلينا من سلالة شريفة ومتصوفة، من زاوية سيدي اسماعيل، ومن بادية دكالة الملآى بليلها الآسر. كما نحتفي أيضا بذلك الطفل المطل علينا بشغبه من طفولة تمجد الحياة هربا من سؤال العمر، وتوتر المشاهدة والمشاركة في طقوس خبزة المحراث، والاحتفال بجز أصواف الغنم، ومواسم الحصاد والدرس، والأعراس، وتغنجة، والسبع بولبطاين، وخيمة الشيخات وعبيدات الرمى، ومواكب احمادشة وعيساوة ودور الطلبة، واحتفالات عاشوراء، والحلايقية والسويرتي ومسيح الحلقة والمجذوب والصحراوي الذي كان يبيع قاقة وبيض النعام”… (في البحر ذاكرتي، ص29-30). لقد برز أحمد لمسيح منذ سبعينيات القرن الماضي، مبدعا متلألئا حتى في ارتجالاته اليومية وفي شفوياته التلقائية والعفوية، هو الذي مر بتجارب جمعوية وسياسية مختلفة، حيوية ومتوهجة وطافحة بالمغامرات والمتع، كما ساهم ولا يزال في تحريك مشهدنا الجمعوي والثقافي والإبداعي: في اتحاد كتاب المغرب، وجمعية “أعن أخاك”، والشبيبة الاتحادية، وحزب الاتحاد الاشتراكي، واللجنة الدائمة للثقافة العربية، وبيت الشعر، ووزارة الثقافة، وجلة أقلام ومجلة آفاق، وغيرها من الفضاءات والإطارات الجمعوية والثقافية والسياسية، تلك التي تفاعل معها السي أحمد، بحضوره وأفكاره وشخصيته وأعماله، فترك بها بصماته ولمساته اللافتة اللاتنسى… وقبل ذلك بكثير، تحكي لنا سيرة أحمد لمسيح، عن نضاله على الطريقة الأولى، وعن وعيه السياسي المبكر، وعن وضعه لأول مرة الشارة الحجرية على ذراعه ، بزهو وخيلاء، فضلا عن نشاطه المسرحي بفرق الأحياء، وبالمسرح البلدي بالجديدة، وعشقه المبكر للسينما، وللممثلين العالميين، من ستيف ريف إلى غاري كوبر … لقد ساهم أحمد لمسيح بكتاباته الزجلية وبمواقفه وآرائه المثيرة ودفاعه المستميث عن العامية، في الدفاع عن التجربة الزجلية ببلادنا، مساهما بقوة في ترسيخها في ثقافتنا الأدبية، وفي أجيالنا المتعاقبة ، مستندا في ذلك إلى إيمانه الأصيل بجدوى الشعر والقصيدة، وإلى ينابيع الذات والمعيش، وإلى مخزونه الثقافي الثري، وإلى ذاكرته وذهنه المتوقد، فضلا عن علاقته الواسعة والمثيرة مع البادية والمدينة والشعب والبحر والحياة… فنجح، عبر تفاعله مع ذلك كله، في بلورة علاقة جديدة بين العامية والفصحى، في إطار حوارية جمالية مبدعة، تراهن على تفصيح العامية والارتقاء بالدارجة المغربية إلى مصاف الشعرية، بعيدا عن الابتذال والتبخيس . فضلا عن ذلك، فأحمد لمسيح شاعر أنيق وممتع، سريع الخاطر والبديهة، وحاضر النكتة، بوهالي الطبع، تجده دائما يعمل في الظل، يميل إلى الخفاء أكثر من التجلي، فإن تجلى نوره “تجلت القصيدة وظهرات الحروف”… كائن ليلي بامتياز، بالمفهوم النبيل للكلمة… طالب حركي في فاس، وشاعر محرض في الرباط، سائح في أرض الله، وشخصية محورية أينما حل وارتحل… كان بيته دائما خلية سياسية، وقد جعل شعره لمدة في خدمة السياسي والوطني، ومساندة قضايا النضال، ومقاومة أشكال الضياع والغربة والإخفاق والظلم، قبل أن ينتقل إلى معانقة الإنساني والجوهري في حيواتنا، وفي ذواتنا المكلومة، إلى جانب كونه شغوفا بالبحر والماء حد الجنون… لقد جعلت هذه السجايا النادرة من شاعرنا مبدعا استثنائيا، فأزجاله تنبض بالحياة والمعاني والألوان، وهو خير من عبر عن الروح وظلها، وعن الروح المغربية تحديدا، بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى ورائحة. تحتفي أزجاله بالقيم العليا، وبمعاني النضال والجمال والكرامة والحب والعشق والنوستالجيا والوفاء للذات وللجماعة. لذا، فأحمد لمسيح يعرفه الجميع بكونه إنسانا “سوسيابل”. يتقاسم الاحتفاء مع الآخرين بالحياة، في يومه وفي أزجاله، يكتب سير بعضهم، في “توحشت راسي”، كما يكتب سيرة القصيدة والكتابة والبحر والماء والمرأة والضوء والمدينة والرائحة والموت والليل والريح والوطن والحرية والطفولة والحلم، في أشعاره وأزجاله الأخرى… وكما يحتفي زجله بالماء، في معانيه واستعاراته المختلفة، يحتفي أيضا بماء الشعر والزجل، فتجده ينتصر للقصيدة، كينونته الحقيقية وبيته الأبدي الذي يقيم فيه: “القصيدة طرف منك وأنت طرف فيها”(كما يقول في “شكون طرز الما؟”، ص45)، و”قالوا لي جاك الشعر في حقك”(كما في “ظل الروح”، ص36). تراه يمجد القصيدة كما يمجد المرأة، ف “بانت له القصيدة امراه – بانت ليه لمرا قصيدة”(كما في “ريحة الكلام”، ص 25)، لتجد لمسيح يستجير بحمى الكلمة من عنف الواقع وابتذاله وزيفه وأوهامه، فيتأجج الإحساس لديه بكل ما هو جميل وأصيل فينا، وحين يريد أن يرتاح من وعثاء سفره في السياسي، يعود إلى ذاته كلما “توحش راسو”، فتراه “سايح ورا حكمة المحبة” (كما في “ريحة الكلام”، ص21)، ليجعلنا نحن نتحسس معه أحلى ما شمه في حياته: رائحة شعر مبلل لامرأة خارجة توا من متروسة، ورائحة الأرض بعد المطرة الأولى. شكرا لجميع الأصدقاء في جمعية المواهب الفنية على ابتكار هذه الدهشة الفاتنة التي تليق بمثل هؤلاء المبدعين، وعلى تنظيم هذا الملتقى المحرض على العطاء والقيم الجميلة. ألا أيها الشعراء، اسمحوا لنا بأن ننتشي في حضرتكم بأريج الحياة، وبعطر الزجل، وبأناقة زجالنا الكبير، مولاي أحمد لمسيح…

الأستاذ عبد الرحيم العلام

رئيس  اتحاد كتاب المغرب

متابعة عبد المالك أباتراب

شاهد أيضاً

تطبيق تحدي المعرفة حمله مجانًا

        يحوي التطبيق على 12 تصنيفا الأدب العربي اللغة العربية التاريخ صدر …

أم على قلوب أقفالها – محمد فتحي المقداد

  مع بداية انطلاق حياتي العمليّة في العام ١٩٨١، انقطعتُ عن الدراسة في الصفّ الحادي …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: