الرئيسية / قصص / يوميات عبده المغلوب على أمره – ‏لؤي رومانس‏

يوميات عبده المغلوب على أمره – ‏لؤي رومانس‏

مواقف انهزامية 115

تعجُّ مجتمعات دول العالم الثالث عشر ـ أو ما يسميه البعض دول العالم الثالث ـ بالكثير ممن “يجيدون” استغلال مصطلح “البرجماتية” أو ما يُصرون على تسميته برجماتيزم، إذ يجدون فيه مجالا رحبا لممارسة كل ما يمليه عليهم جبنهم وتخوفهم من تبعات ما يرونه مواقفا حرجة، فنجد كثيرين ممن يفضلون النأي بأنفسهم عن أي مواجهة، والتمسك ما استطاعوا بكل ما يباعد بينهم وبين ما يمكن أن يلزمهم بالوقوف ـ ولو بكلمة ـ في وجه ذوي السلطات والصلاحيات والنفوذ، لاسيما عندما يتذكرون ما أفضت إليه مواقف سابقة من نتائج مؤسفة، حين أصرّواَ على التعبير عما رأوه صحيحا وأولى بالتبني.

وهكذا أصبحنا نرى من يسارع إلى مجاراة المتنفذين وأصحاب السلطات ليس لاقتناعه بمنطقية ما يدَّعون، أو احتراما منه لما يُسمى الرأي الآخر، ولكن لمجرد اتقاء ما هو أسوأ، أو ما يتصوره كذلك.
ومن المفارقات المضحكة أن المرء لا يلبث أن يتمادى في هذا المسلك الغريب وهو يختلق لنفسه المبررات المضحكة ويلتمس الأعذار ـ المرة تلو الأخرى ـ ليسوِّغ لنفسه التمادي في اجتناب المواجهة، وهو لا يدري أنه بذلك التصور الساذج، وبمثل هذه الروح الانهزامية يدفع الأمور إلى ما لا نهاية لسوئه، فذلك التصرف الانهزامي لا يلبث أن يصبح ـ مع مرور الوقت ـ عادة وسمة واضحة من السمات الشخصية للمرء، تبدو أثارها واضحة في كافة تصرفاته.

وربما هذا ما أدركته مدام نكد واكتشفته في دوافع سلوكي ـ كزوج مغلوب على أمره ـ فحرصت على استغلاله أسوأ استغلال، حتى وصل بها الأمر أن تتجرأ وتتعامل معي بهذا الأسلوب المتعجرف، مستنكرة لمحاولتي الدفاع عن سوء فهمها لمقصدي، إذ صرخت بوجهي وهي تسألني بوقاحة:
ـ .. أما زلت تجرؤ على الحديث؟

وكأن “الحديث” غدا حكرا على أناس دون غيرهم وليس حقاً للجميع، .. وكعادتي التزمتُ الصمت متوقعاً أن يضع ذلك حدا لما أخشى، .. إلا أنها لم تقنع بذلك ورأت أن الأمر يجب أن يُعالج بطريقة أخرى أكثر حزما وحسما، .. فأولتني ظهرها واتجهت إلى الجهة الأخرى من الصالة، حيث التقطت الهاتف واتصلت برقم ما،.. وانتظرت قليلاً وبدت وكأنها تنتظر أن يجيبها أحد، ثم ما لبثت أن انفجرت في بكاء مرير يقطع نياط القلب، وهي تضغط على سماعة الهاتف ملتصقة بفمها ليُسمَع بكاؤها بوضوح، .. وأخذت تبكي وتشهق قبل أن تنهي الاتصال، .. دون كلام.

وتملكتني الدهشة، إذ لفت انتباهي أنها لم تتحدث، ولم تنطق سوى بكلمة واحدة عندما سألت من أجابها: من..
هذا كل ما قالته قبل أن تنفجر في بكائها.

وبالطبع لم أعرف بمن اتصلت أو من أجابها، وكأنها أرادت لمن جاوبها أن يسمع صوتها قبل أن يسمع نحيبها، .. ثم تركت له المجال رحباً ليتخيل مدى الكارثة التي حلت بها، خاصة وهي تعرف أن من أجابها سيتعرف على رقمها من خاصية إظهار رقم المتصل.

وأخذتُ أتساءل بيني وبين نفسي عما إذا كان هناك رسائل ذات مغزى مما ظننته مجرد بكاء؟ لاسيما وأنا أدرك أن ظوجتي العاظيظة مدام نكد لا تقوم بهذه الأمور بهذه الطريقة المسرحية سوى للوصول إلى غايات محددة، لا أدركها عادة قبل أن أجد نفسي متورطا في متاهات ومآزق لم تخطر ببالي من قبل.

كذلك كنت أتساءل عمن كان على الهاتف وسمع ذلك البكاء المرير، .. وأخذت أسترجع قائمة من يمكن أن تفزع إليهم مدام نكد في مثل هذه الظروف النكدة، .. وما هي إلا لحظات حتى دق جرس الهاتف، .. وبلهفة واضحة التقطته ظوجتي التي كانت ما تزال واقفة بجواره تنظر إليه وكأنها تتوقع رنينه، وبالطبع لم أتفاءل خيرا على الإطلاق، إذ توقعت أن يكون المتصل بصدد جمع ما يلزم من حيثيات وملابسات ما يجب إدراجه في قائمة الادعاءات قبل بدأ التحقيق فيما سيوجه إليَّ من اتهامات.
…………..
يُتبع

شاهد أيضاً

تطبيق تحدي المعرفة حمله مجانًا

        يحوي التطبيق على 12 تصنيفا الأدب العربي اللغة العربية التاريخ صدر …

أم على قلوب أقفالها – محمد فتحي المقداد

  مع بداية انطلاق حياتي العمليّة في العام ١٩٨١، انقطعتُ عن الدراسة في الصفّ الحادي …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: