الرئيسية / دراسات / رواية ظلال ورجال للروائية الفلسطينية كفاح عواد – بقلم الناقد أحمد الغماز

رواية ظلال ورجال للروائية الفلسطينية كفاح عواد – بقلم الناقد أحمد الغماز

 

دار نقوش عربية للنشر والتوزيع / تونس

جدلية اللجوء والعشق

تتمسك كفاح عواد بروايتها ظلال ورجال بشخوصها وأصواتهم المتعددة داخل السرد ، ان الفضاء الروائي يتعدد لكثرة المشاهد المعادة من الذاكرة وكأنها بذلك تبني  روايتها على شكل الاسترجاع ، فلا شخوص جاهزة ولا قوالب للحكي اليومي والمعاش .

جاءت الرواية على شكل حوار مع سيدة الملهى التي التقاها صدفة وربما لوحدة الرؤيا بين لاجىء وسيدة التقاها صدفة جاءت الرواية وبليلة واحدة اختصرت مسيرة سنين كثيرة ، ولا بد للقارىء أن يلحظ أن الفقد الي عاناه الشخصية المركزية بالرواية انعكس ومنذ البدء على متاهة سير الحدث الروائي بشكل المتقطيع للمشهد ، بيروت حين تتعرى ، الملهى ، المرأة العابرة ، الرجال داخل الملهى ، حيواتهم أمام حالة لا بد ان تتأتى من دواخلهم المعطوبة ، كل ذلك بدا جلياً حين بدأ الحوار داخل الغرفة المغلقة بين الراوي ( المحور ) وبين السيدة ، حيث كان هاجس الغربة والمنفى واللجوء والفقر والمخيم والعشق أيضاً

اللغة الروائية لدى كفاح صاغتها وقد جاءت على شكل وسيط بينها وبين القارىء الذي أصبح يطارد الحدث الروائي بحذر وشغف ايضاً ، بدت اللغة شاعرية وواقعية ، فهو حين ينفرد بالواقع أي الراوي ، تصبح لغته تقريرية وواقعية لحدث يسير وفقاً للمنهج العادي ، مألوف ومعاش ويحكي أو يروي ضمن حدود السرد مكاناً وزماناً وفضاءً ليؤسس قاعدة يعود بعدها مباشرة الى تلك الشاعرية والصوت اللامرئي بين النثر والشعر ، لهذه اللغة ميزة ، اللغة الجديدة التي تتلبس القارىء منذ أول كلمة هي ما أتقنتها كفاح وبمنهى البراعة ، فلم تذهب بعيداً نحو شاعرية تجرد الفضاء الروائي مما يطمح اليه من نقل فكرة ومضمون واضح للقارىء ، بل جاءت على شكلٍ يهز القارىء من الداخل ممهدة الطريق بعد ذلك للدخول بتفاصيل ( الحكي ) الروائي والذي سوف يتقبله القارىء ليرتاح قليلاً من شدة الوهج الذي تبعثه اللغة الأولى ، تبدأ واقعية اللغة حين البناء وحين السير بالحدث وحين تبدأ الحكاية الأصلية وما قد يتفرع عنها من حكايات كثيرة .

ان الفكرة التي اعتمدتها الروائية منذ البدء هي فكرة جديدة ، بالرغم من الفكرة الرئيسية بالرواية وهي فكرة اللجوء والمخيم والرحيل واحداث حرب 48 ، وهذا تطور حقيقي بالرواية الفلسطينية على وجه الخصوص ، فالمعروف أنها أي الرواية الفلسطينية ، تضع هدفاً واحداً أمامها وهي تصوير مشاهد عذاب الشعب ومعاناته أمام آلة الحرب والقمع الذي مورس على بلداتهم وقراهم لتهجيرهم منها وهذا حق مكتسب لا ضير فيه ، لأن الروائي يكتب ما يعرف وما يجول بهاجسه ليخرجه على الورق ، أما أن تأتي فكرة التعايش الديني ، بحكاية تكاد تكون أقرب للخيال ، بين جارين ، مسلم ومسيحي ، وكيف أن القابلة كادت أن تخطىء بمن هو ابن المسلم ومن ابن المسيحي ، جاءت هذه الحكاية والتي بدت كأنها رواية داخل رواية ، لم تكن حكاية عابرة ضمن حكايات الرواية بل جاءت لتؤسس بعداً غير مرئي عدا عن ذلك التعايش ، أن العدو الأول هم من قتل وشرد واغتصب الأرض ،

ولتلك القدرة الفائقة بأن الانسان الفلسطيني ، لن تجديه البكاءيات على البحر والبيت والأشجار والسهول ، بل مزجت كفاح بين الشعور بالفقد وبين الكفاح أيضاً ليستمر الفلسطيني ببحثه الدؤوب عن الحياة الحقيقية والعيش ضمن منظومة انسانيية مثل باقي البشر ، ويحدث ذلك حين يغامر حسن بالعودة الى بلده للرجوع بالمصاغ الذي خبأته والدته يوماً بالبئر ، وسوف تنفقه على دراسة ليصبح طبيباً مشهوراً

هنا تنسحب هذه الحكاية أيضاً أن لا جدوى من استذكار البيت والبلد والبحر فقط

تضعنا الروائية أمام حالة تراجيديه باذخة ، المخيم ، المؤن ، كرت الاعاشة ، الصفدي الذي مزق الكرت وكاد أن يسحق موظف وكالة الغوث حين سخر منه،

لا بد للروائي أن يستثمر ذلك المشهد وأن لا يغب عن باله قط ، حين يتحدث عن مأسآة الشعب الفلسطيني ، ان تعدد المشهد اللاذع أو الصادم ينتج عن بؤرة تخييلية فذة تقود القارىء نحو الانجذاب التام لعالم الرواية فهي هنا لا تسعى للتشويق أو متعة القراءة قبل النوم ، بل لتمد جسراً بينها وبين قارءها ، لا ينتهي بانتهاء الرواية ولا بانتهاء الحدث بل يستثمر تلك القراءة ليعيد صياغة ما التبس عليه ، بمعنى ليعيد قراءة نفسه وواقعه وواقع الغير

حالة العشق التي عبرت عنها الروائية والتي كبرت شيئاً فشيئا ، لم تعد تلك الحالة العادية فهي وان جاءت بين شاب وفتاة وقد تتكر يومياً ، الا انها بذلك الطرح أخضعت مفاهيم الحب لمعايير كثيرة ، فالبعد والفراق الذي سببه اللجوء أيضاً استثمرته الروائية لطرح فكرة واحدة فقط وهي هذا المصير الذي ينتظر الفلسطيني ويطارده حتى بعشقه ، حتى بحالة العجز التي أصابت الشخصية المركزية جراء القصف الذي تعرض له أثناء محاولته التسلل الى بلده من أجل احضار ما تركوه ، هذا العجز الذي يطارده كرجل ، لم يثنه على مواصلة الحياة ، متغلباً على المنفى والمخيم وكت الاعاشة ونظرة الآخر

أدوات الروائية كفاح عواد قد مكنتها من التواصل ومن القول عن علاقة شخوصها بالآخر من خلال واقعا متغيراً غير ثابت بذلك زادت امكانية البحث عن فضاء أكثر جمالاً

 

 

شاهد أيضاً

تطبيق تحدي المعرفة حمله مجانًا

        يحوي التطبيق على 12 تصنيفا الأدب العربي اللغة العربية التاريخ صدر …

أم على قلوب أقفالها – محمد فتحي المقداد

  مع بداية انطلاق حياتي العمليّة في العام ١٩٨١، انقطعتُ عن الدراسة في الصفّ الحادي …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: