الرئيسية / دراسات / اﻷديب الناقد الدكتور عبد السلام الفيزازي يقدم للإصدار الجديد للشاعرة رشيدة بوزفزر لمن الشوق كل مساء

اﻷديب الناقد الدكتور عبد السلام الفيزازي يقدم للإصدار الجديد للشاعرة رشيدة بوزفزر لمن الشوق كل مساء

نص التقديم الذي خص به اﻷديب الناقد الدكتور عبد السلام الفيزازي الإصدار  الجديد ” لمن الشوق كل مساء”للشاعرة رشيدة بوزفور الذي صدر مؤخرا بجمهورية مصر الشقيقة عن دار الاسلام للطباعة والنشر
تقديم
( حيـــن يتولى الشعر الكلام )

حين بدأت أقرا تجارب شعراء جدد بكل ما تحمل الكلمة من معنى، استوقفتني بعض الأعمال المتميزة التي لم تغتر بالنشر الورقي ولا حتى الالكتروني، كي تحقق ما يبدو للبعض أنهم بالفعل حققوا المراد بنشرهم لتجاربهم في منابر أعتبرها نفسها تحضر لأسلوب السهل الممتنع قصد الوصول إلى المتلقي دونما غربلة نقدية تقيمية؛ أجل استوقفتني تجارب واعدة، ومنها تجربة الشاعرة رشيدة بوزفور المتفردة، والحال أننا أذا كنا نعتبر أن الشعر نشاط حضاري غالبا ما يرافق المبدع في مسيرته وما زال، يعبر عن أدق خلجات الإنسان وطموحاته في سبيل الكشف واقتفاء آثار الحاضر والمستقبل؛ على اعتبار أنه بدأ بالطقوس الدينية، والهموم الميتافيزيقية، بحثا عن حاجات الإنسان المادية، فإنه ما زال يعبر عن هذه المواقع ضمن قدراته التعبيرية الواسعة، مشكلا إضافات مضيئة للخبرة الإنسانية؛ هنا بالضبط أجد أفق انتظار الشاعرة حاضرا بقوة… وهنا بالضبط وجدت الشاعرة تعيش هذا العالم بتفاصيل متفردة، لا يسقط كما هو الشأن للكثيرين في أسر الوصف والتعامل مع القشرة الخارجية للأشياء.. القصيدة عندها، أو الكتابة بصفة عامة، وجدتها تنمو في روح الكائن، والطبيعة، وتفاصيلهما المسيجتين بفلسفة الزمكان، حاملة سمات الجمالية وحرارة البعد الاستيتيقي:

وحدها ربة الضوء تشبهها

تلملم جدائل البوح على سخاء الروح

كم مرة غفا الليل على ضفائرها…….. كم مرة أزف الرحيل

فالقصيدة عندها تختار لها منحيين عميقين، إما أن تتركها تتشكل وهي تابعة تلهث وراء الحدث الآني فتفشل ليس في تحقيق إضافات إلى الحدث الماكر عندها فتجعله مطواعا، أو تتدخل بميكانزماتها الكيميائية، بذكاء المبدعة التي تأبى إلا أن تفكر من خلال اللغة في توحد مع الفعل الانجازي، لكن في آخر المطاف استطاعت بواسطة قوة الديباجة أن تحقق تمثل كل هذه الأشياء، إضافة إلى كل ما سبق طرحه وهي تمارس طقوس الكتابة المتفردة، متوخية الابتعاد عن الكتابة التي تلبس نفس الأسلوب الذي غالبا ما يجعل المتلقي تتشابه عليه أساليب جل المبدعين:

لا شيء أكثر صخبا

غير حوافر الهجر تدك قلاع الصبر
غير نزق نجيمات تساور عبثا زند المساء

غير انحسار الضوء عن دائرة الرقص….. إكراما لحزنها

وهكذا، أجدني أمام مبدعة تعتني بشكل عميق بالصورة الشعرية، حيث تتعمد التقاء الحواس بالأشياء، محتفية في كل هذا باستلهام عناصر الطبيعة، أي أنها تتعامل مع الشعر بالوعي أولا، ثم بالوجدان ثانيا، وليس العكس، واخالها تتعمد لباس الأقنعة التي تختفي بها الشاعرة خلال سياحتها الشعرية:

لا شيء غير نهدها

يقتات من غيمة الأحلامِ

ويذرف الحروف من جوف الذوبان،

رويدا ………رويدا……….حيث المغيب

وفي هذا الإطار بالضبط، أرى أن الشاعرة رشيدة بوزفور في تقديري وهي تنتمي لهذا الجيل الشعري الجديد، رسخت لمسارها الشعري الذي كان من ألامكن أن ينشر منذ فترة لولا إصرارها على الاعتناء باللغة التي لا تريد أن تسقطها في الببغاوية، أو السقوط في القصائد المستنسخة التي تمطرنا بها المنابر الالكترونية في غياب نقد لم يعد يستطيع مواكبتها بشكل دقيق، والحال أن الكيل طفح.. ولعل تجربة الشاعرة تعد من التجارب الجديدة التي بدأت تنتشر بشكل ملحوظ، ومثير، واستقبلها الوسط الأدبي، بين رافض لها، ومرحب بها، إلا أن جل ذلك الرفض والترحيب، كونته دوافع غير شعرية، والحال أننا أمام تجربة شاعرتنا رشيدة بوزفور التي استطاعت أن تقربنا بعمق من البنية الشعرية الجديدة التي أخذت في الظهور، وهي في كل هذا وذاك، تحاول بجدارة أن تعطي لنفسها مبررات إبداعية منطقية، والتي لا يمكن المرور عليها بسرعة لأنها تأسرنا وتشدنا شدا إلى الإصغاء بمتعة النص الباذخ:

في الخيانة

لا تسأليه :

لم خنتني…..؟

هو لن يقول: أذنبتُ

وأنت – كما أنت – لن تغفري

فقط ضمي حقيبتك

عودي إليه

أو ارحلي..

وفي هذه القصيدة التي أخذتها أنموذجا، يمكن أن نقيس عليه عدة قصائد من الديوان حيث تستوقفنا دلالة الخيانة / والغفران، وكأنني بذكرهما متقابلين يحققان عند الذات الكاتبة الشاعرة راحة نفسية، وعشقا يدخلان بشكل من الأشكال في ماهية الكاتارسيس، والتطهير، والخلاص؛ ولا استبعد أن الشاعرة بتوظيفهما هذا أرادت الاعتمار داخل ما هو صوفي خالص، حيث يجد الصوفي لذته في اختراق المقدس انطلاقا من المدنس، وهذا ما يتجلى لنا بوضوح في معجمها الصوفي الذي يحمل دلالات تدل على الحقيقة واليقين في هذا المقدس، وبالتالي الوصول إلى درجات الكمال كي تتحقق الذات وتنصهر فيه بكل تجلياته.

وهكذا، يمكن لي أن اعترف أن للمرأة المغربية عامة، والشاعرة رشيدة بوزفور خاصة، وبالضبط في عالم الثقافة والأدب، مكانة رفيعة تثبتها لنا الأيام تباعا، حيث بلغت حد إلغاء الفواصل التي وضعتها قيم العادات والتقاليد الخاطئة؛ فالمرأة كما الرجل كلاهما يساهم في بناء الحضارة، وإرساء دعائمها من خلال منجزاتهما المعرفية، علما وثقافة وأدبا وفكرا… سعيد بهذا المولود الجديد الذي اعتبره طفرة نوعية في عالم الإبداع الشعري، وصاحبته لم تكن متلهفة قصد الظهور، بقدر ما كانت تتبنى خطوات زهير بن أبي سلمى في حولياته، قصد التشذيب، والتهذيب، والتنقيح، والتصحيح، والمراجعة، فتحية للشاعرة، ومبروك للشعر بصوت قادم بقوة، وبصيغة المؤنث الرائع..
(( الدكتور عبد السلام الفزازي ))

 

شاهد أيضاً

أحمد عبد الرحمن جنيدو

القُدْسُ تَحْتَ القِيْدِ – أحمد عبدالرحمن جنيدو

قصيدة من ديواني الجديد(إنّها حقّاً) القُـدْسُ تَـحْـتَ القِـيْـدِ نَامَتْ تَـرْسِـفُ. دَمُـهَـا النَّـقِـيُّ مِنَ النَّخاسـَةِ يُـرْشَـفُ. …

قِصَّةٌ قَصِيرةٌ مجنونةُ حَيِّنَا – هند العميد

مجنونةُ حَيِّنَا كانتْ أكثرَ العاقلين حكمةً ورشدًا ، هكذا كانتْ تراها أحرفُ القصيدةِ ، وصورةُ …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: