الرئيسية / دراسات / قراءة في نص للشاعر الزبير كعيرة

قراءة في نص للشاعر الزبير كعيرة

 (حلم مستحيل )

أحمل حلمي

كصخرة مشدودة بعنقي

تائه..

في ظلمة الليل القاتم

بين السهران و النائم

أكتب و يكتبون

أسمع مالا يسمعون

أسكن جلدي

يتمدد فوقي..

أنكمش تحته..

فجلدي ليس شفاف كحلمي

وعظمي ليس هش كعمري

وبين الجلد و العظم

موجود أنا

أنا ومابعدي الطوفان

وما جرى

هاقد جرى

على جدران العمر

علقت آهاتي

و على حافة التاريخ

تدلت كتاباتي

إلى الجلد ..

أحمل حلما فضيا

ودفئا لا لون له

ليته يتحقق

كي أغربل حظي

فمزيدا من الحظ

©2015/1/8

 

 

قد يكون عنوان القصيدة مدخلا لقراءتها وقد يكون العكس فنتوه و نحن نحاول إستقراءها و فهمها ، و العنوان هنا غير كافي ليفيد المغزى و المفهوم العام أو المعنى العام و المضمون و المراد من  القصيدة «حلم مستحيل » إذ ندرك أن الشاعر يحلم و يتمنى و يريد أن يصل لشيء لكن هذا الأخير يستحيل و يتعذر ، لكننا لا نستطيع معرفة كنه و ماهية هذا الشيء ( الحلم ) . 

يبدأ الشاعر قصيدته بفعل مضارع ثقيل يفيد الإستمرارية المقرونة بالمعاناة ، فهو لم يأت بفعل ” أحمل ” إلا لثقله ، فيقول :

أحمل حلمي

كصخرة مشدودة بعنقي

هذا الوصف يجعل من الحلم شيئا مكروها و غير محبب ، كيف بالحلم الذي عادة ما يوصف بالخفة فيكون فراشة أو ريشة و أيضا يحمل صفة نورانية مشرقة … يصبح ثقيلا ثقل الصخرة ، و ما يزيد المشهد عناء عندما يجعل الشاعر الصخرة مشدودة على العنق ، فكأننا نرى الآن رأسه مدلى لا يكاد يحمله و الصخرة تشد عنقه لأسفل …

تائه..

في ظلمة الليل القاتم

بين السهران و النائم

فرغم كون الشاعر يعلم يقينا ما يريد و يسعى لتحقيق حلمه إلا أنه تائه بين السهران و النائم ، فحلمه يقض مضجعه يسهر و الناس نائمون و يسهر و البعض ساهرون ، فليله قاتم بسبب معاناته و الثقل الذي يحمله …

أكتب و يكتبون

أسمع ما لا يسمعون

هنا فعل الكتابة عنده تفسيرين ، فالشاعر حين يكتب قد يقصد فعل الكتابة الحقيقي و ليس المزاجي ، أي أنه يسهر و خلال سهره يكتب ما يدور بفكره من كلام وربما أشعارا و أيضا ” يكتبون ” و يقصد  الساهرون مثله .

أما المعنى المجازي  العميق ،” يكتب ” يعني يخطط و يفكر لنفسه و لمستقبله و حين يقول : ” أسمع ما لايسمعون ” أي أن له رؤية خاصة لا يفهمونها و قد يقصد بـ “هم”  أقرباءه أو بالتحديد ولي أمره أو من يكبرونه سنا و لهم الصلاحيات و بيدهم القرار ، أو ربما يقصد المجتمع برمته ،فما يريده هو و مايخطط له هو ” يكتب ” و ما يفهمه هو  لا يفهمونه هم فتكون الرؤى مختلفة و هذا ربما مايثقل كاهله و يعجزه و يجعل من حلمه مستحيلا ، فهو يفكر بمستقبله و يكتب مسيرته ، لكنهم يكتبون شيئا آخر و يخطون طريقا مغايرا لا يريده هو فنجده يقول :  ( أكتب و يكتبون )

أسكن جلدي

يتمدد فوقي..

أنكمش تحته..

لنجده يقول : ” أسكن جلدي ــ يتمدد فوقي ــ أنكمش تحته ”  عندما تسد الطرق أمامه و يبدو حلمه مستحيلا ، يعلم أنه لا داعي للمقاومة و بدل الجهد فيستكين و يختبىء تحت جلده هذا الأخير يغطي كل شيء حتى ملامح البؤس و الحزن لذلك قال :” يتمدد فوقي ” ثم يقول : ” أنكمش تحته ” أي يتوارى و يختبىء، فالطفل عندما يغضب من شيء أو يؤلمه شيء ماذا يفعل ؟ يبحث عن ركن قصي لا تراه فيه الأنظار ليبكي و هذا ما فعله الشاعر انكمش تحت جلده ليخفي حزنه و بكاءه…

و هذا الفعل ” أي الإنكماش ” يتكرر معه باستمرار كأننا نجده كلما اعتد بنفسه و وثق بها و صمم على فعل شيء يصطدم بعراقيل تحبطه من جديد فيعود للإنكماش ثانية ، هكذا يتواصل الشاعر مع محيطه  و عالمه الواقعي فيعيش التيه على أرض الواقع ، واقع مرير حسب ما يراه الشاعر فنجده يعاني من تحمل تبعاته كفرد داخل المجتمع محاولا التخلص منه بواسطة الكتابة ، و هذا النص الذي بين أيدينا نموذج لتشظيات الذات الشاعرة  و مرآة لصراع نفسي و فكري و إنساني واضح و صريح .

و بفعل هذا الإنكماش نلاحظ نفيا غريبا للذات لا يمكن فهمه و لا تفسيره ، لا نقول إن الشاعر عنده نظرة متدنية لمفهوم الذات أي أنه ينتقصها و يستصغرها بل هو يشعر بمحدوديتها أمام اتساع و ضخامة المجتمع بكل مفاهيمه و قوانينه المفروضة على الفرد ، لذلك ينفيها بفعل الإنكماش أمام نرجسية الآخر ” الذات المسيطرة أو المجتمع ” و نحس أن الذات الشاعرة تبحث عن شيء لتنتصر لنفسها على هذا الصغر و التدني  فتلتجىء لفعل الكتابة محملة بمشاعر سلبية محبطة تسبب لها التعاسة و الكآبة 

و هذا ما يدعوها للإنكماش و حب الموت و الفناء و الميول لتدمير الذات حيث  بلغت هذه النزعة التدميرية للذات مبلغا صريحا في قوله :

فجلدي ليس شفاف كحلمي

وعظمي ليس هشا كعمري
فجلده ليس شفافا مثل حلمه ، صورة عميقة أتى بها الشاعر حين قال : ” و عظمي ليس هشا كعمري” العظم الغير الهش كناية على صغر السن و الشباب و العافية لكنه يحس أن عمره هش و ربما قصير و هذا الإحساس لم يسيطر عليه إلا لأنه حزين و ربما مكتئب فلا يفكر المرء بالموت و لا يحس أن عمره قصير إلا عندما يكون مكتئبا

كيف لشاب بمقتبل العمر مازال قاصرا لم يبلغ السن القانوني يحس بأن عمره هش ؟ كيف نفسر اعتقاده بقصر عمره ؟ و من أين  تولد عنده هذا الإحساس ؟

تساؤلات تطرح نفسها علينا و على المجتمع ، إذ ماذا قدم هذا المجتمع لهؤلاء الشباب ؟ و لما هذه النزعة السلبية في التفكير تسيطر على صغار السن و بالمقابل نجد كبار السن داخل نفس المجتمع يحبون الحياة بشراهة ملفتة و يكرهون الموت ؟ ما الذي يتوفر لدى هؤلاء و ينقص عند الآخرين ؟

هكذا غطى جلده كل شيء  و ربما غطى المجتمع أعيننا عن أشياء كثيرة تحدث لا علم لنا بها  

وبين الجلد و العظم

موجود أنا

أنا و ما بعدي الطوفان

هنا الشاعر يتعمق في ذاته فيدخل بين الجلد و العظم ، و ينطوي على نفسه و ينكمش عليها ليصطدم بـ أنانيتهم و حبهم الشديد لذواتهم ، لا يهمهم شيء إلا أنفسهم ” حب الذات و الأنا ” أما الآخرون لا يوجدون في قواميسهم و شعارهم المخلد هو الكلمة الشهيرة للويس الرابع عشر : “أنا و من بعدي الطوفان “

إن هذه الأبيات تعكس نرجسية الآخر و أيضا نرجسية الشاعر بشكل صارخ و جلي و أيضا تخفي تحتها شيئا آخر ، قد يكون الإحساس باللانفعية ( يحس الإنسان أنه شخص زائد في المجتمع ، لا يُنتفع منه ) هو الإحساس باللاجدوى … ربما الشاعر يحس بتفوقه و سط مجتمع يحسسه بالنقص و العجز و هذه النرجسية جاءت كتعويض عن هذا النقص  . فمادام شعار الكل ” أنا و من بعدي الطوفان ” لما لا يكون شعارا للشاعر أيضا ؟

هنا الشاعر  تكبر لديه الرغبة في احتضان ذاته كلما أوغل الواقع في إحباطه ، ما ولد لديه نزعة سادية متلازمة مع النزعة النرجسية فأصبحتا تتعايشان في ذات واحدة و كيان واحد ، و هذا ما يدفعه للتمدد أو الظهور إن صح التعبير و الإنكماش ثانية ، فهو يحس بذاته و كيانه و يسمو بها تارة و أخرى يحس بالنقص و اللاجدوى ، ما يجعله يتأرجح بين حب الحياة و الموت لكن هذه الأخيرة هي الطاغية نتيجة للنظام الذي يسير عليه المجتمع و هو التبعية و الخضوع و هذا ما يولد لدى الشاعر الإحساس بعدم الأمان في وسطه الإجتماعي أو العائلي و بهذا الشكل يتطور عنده الميول إلى الإنفرادية و الأنانية و الإنعزالية …
و هذا الشعور يزيد من حالة التيه لدى الشاعر و الإنفراد بنفسه و التخلي عن كل شيء فيعيش نوعا من الهشاشة النفسية ، و ليس غريب عليه البحث عن طوق النجاة الذي يجده في الكتابة فيبادر إلى كتابة كل ما يختلج داخل نفسه . 

وما جرى

ها قد جرى

على جدران العمر

علقت آهاتي

و على حافة التاريخ

تدلت كتاباتي

فما حدث قد حدث أي لا شيء يمكن تصليحه فقد أفسدوا كل شيء ، عمرٌ كله آهات و كأنه ( أي الشاعر ) لم يعش يوما سعيدا ، كل أيامه أحزان ، فكل أحلامه و أمانيه تدلت على حافة التاريخ هنا يربط الماضي بالحاضر فيكون الحاضر نتيجة لما حدث بالماضي ، و هكذا يكبر الحلم فقد لايكون الحلم مقتصرا على مستقبل الشاعر بقدر ما يكون مرتبطا بقضية كبيرة مثل ” الأرض ”  فالتاريخ هنا هو لغز القصيدة لنجد أنفسنا أمام جدلية الماضي و الحاضر و أيضا جدلية الأنا و الآخر فلا يمكن الفصل بينهما فكل واحد يكمل الآخر .

ثم يقول : ” إلى الجلد .. ” أي أمام كل هذا ليس له سوى العودة للإنكماش ثانية تحت الجلد فهو ركنه الحصين يحتمي به و يختبيء تحته ، فلا يظهر عليه شيء .

إلى الجلد ..

أحمل حلما فضيا

ودفئا لا لون له

ليته يتحقق

كي أغربل حظي

فمزيدا من الحظ

يحمل حلما فضيا أي أنه يحمل بقلبه إشراقا و تفاؤلا بالأيام المقبلة فحلمه فضي متلألئ و دفئا بلا لون ، ألوان الدفىء حرارية مثل الشمس الدافئة لكن حلمه الدافىء لا لون له لأنه لا يعرف إن كان سيتحقق أم لا ، لذلك يتمنى تحقيقه ليغربل حظه أي عندما يتحقق حلمه تتاح أمامه كثير من الفرص و تفتح له أبواب يختار من بينها مسيره و هكذا يغربل حظه و يحقق حلمه ، حينها يزداد حظه أكثر .

شاهد أيضاً

تطبيع وتمييع

الشاعر شادي الظاهر – تطبيع وتمييع

  من سلَّمَ الأوطانَ للنخَّاسِِ حتى يبيعَ الدُّرَّ للأنجاسِ يا من تُمزق ثوبَ طُهرِك بالخنا …

محمد عبدالله المنصوري

الشاعر محمد المنصوري – سمفونيةُ اليمنِ الخالدة

  أنا اليمنيُّ لي قدرٌ تعاااالى ثيابُ النورِ دوما من شعاعي وهبتُ السابقين ترابَ مجدي …

لا تعليقات

  1. لم يكتب اسم الناقد أو المحلل

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: