الرئيسية / لقاء أدبي /  ندوة لقائيّة مع المفكّر د.علاء الجوادي

 ندوة لقائيّة مع المفكّر د.علاء الجوادي

 

“عناق الفنّ والعلم والفكر والعمل”

 

أجرى اللقاء معه الأديبة: د.سناء الشعلان    

[email protected]

 10893465_10152461019281875_289875043_n

*هامش تعريفي:هذه المقابلة هي عبارة عن ندوة فكرّية للمفكّر السّيد د.علاء الجوادي تقدّم أفكاره ورؤاه وإبداعاته ومنهجه واتّجاهاته،وهو لقاء نادر من نوعه مع المفكّر الجوادي قلما يُظفر بمثله.

 

* السيّد علاء الجوادي: هو الدكتور علاء الجوادي، الملقب بين أصدقائه بالأمير الشّاعر، وًلد في بغداد لأسرة مسلمة عربيّة عراقيّة هاشميّة أصيلة ملتزمة ذات علم وثقافة وفضل، حصل على تعليمه الاولي والثانوي في بغداد، ثم تخرّج في كليّة الهندسة التكنولوجيّة من جامعة بغداد قسم هندسة البناء والانشاءات الذي تنقسم به الدراسة في الصف الخامس الى قسمين اختار هو تخصّص تخطيط المدن، وكان بحثه للتخرج بعنوان “الاسواق البغدادية… دراسة تخطيطية” ثم حصل على درجة الماجستير والدكتوراه من جامعات بريطانيا، والآن هو يحمل درجة الأستاذيّة.إلى جانب ذلك هو شاعر متصوّف ورسام ومؤرّخ ومفكّر وناقد أدبي، فضلاً عن تكوينه مدرسة فكريّة خاصّة تدعوللتسامح والمحبّة والإخاء ونبذ العصبيّة والإقليميّة والعنصريّة، تقلّد الكثير من المهام والوظائف الوطنية والثقافية والسياسية والدبلوماسية، وهو الآن السفير العراقيّ في سوريا، وهو يصرّ على رأس عمله هناك على الرّغم من المخاطر الأمنية المحيطة به ليخدم الجالية العراقيّة هناك. له العشرات من المؤلفات الفكرية والنقدية والإبداعيّة والتاريخية والتخصّصية في تخطيط المدن، كما لها المئات من الدراسات والمقالات والأبحاث المنشورة في هذا الشّأن.

 

 

 

 كيف تلخّص الفكر الصّوفي الذي تتبنّاه في إبداعك الشّعريّ؟

 قبل الجواب عن هذا السؤال العميق نحتاج الى القاء نظرة ولو سريعة على التصوف والمقصود منه، والموضوع يحتاج الى كتابة بحث عنه ومع اني كتبت الكثير من الملاحظات هنا وهناك عن التصوف وما يمت اليه من مفاهيم وقيم. اولا اريد ان اقول انه لا يوجد اتفاق على تفسير التصوف بل حتى في توصيف التصوف وتحديد ميادينة وابعاده. ولاختلاف فهم معنى التصوف اختلفت المواقف تجاهه بين مؤيد وممارس له وبين مخالف ومحارب ضده، وبين من يكون موقفه على الحياد دون عداء او تأييد.

وهناك الكثير من أقوال العلماء من المدرسة السنية تتفاعل ايجابيا مع حقيقة علم التصوف والعارفين فيه. وحول حقيقة التصوف كما قال الشيخ الشعراني في كتابه الأنوار القدسية: (هو العمل بالعلم والشريعة الإسلامية على وجه الإخلاص والصدق، ولو رجعت إلى رجال التصوف الاوائل الذين أسسوه كانوا كلهم علماء عاملين دعاة إلى الله ساروا إلى الله بالكتاب والسنة المطهرة فلذلك ظهرت أنوارهم وبقيت آثارهم فالتصوف حقيقة أن تتعلم العلم الشريف الذي هو فرض عين على كل مسلم ومسلمة ثم يعمل بهذا العلم الذي تعلمه ثم يسعى لاكتساب الصدق والإخلاص وذلك يكون بالاستعانة بالله تعالى والعكوف على الذكر والعبادة لتصفية الروح وتزكية النفس وشفاء القلب السقيم فلا تصوف بدون علم ولا ينفع العلم بلا عمل ومن قال بغير هذا فهو ليس من التصوف. ويقول إمام أهل السنة والسلفية الشيخ احمد بن حنبل لولده عبد الله: يا ولدي عليك بمجالسة هؤلاء القوم فإنهم زادوا علينا بكثرة العلم والمراقبة والخشية والزهد وعلو الهمة ويقول عن الصوفية لا أعلم أقواماً أفضل منهم)!!

اما حجة الاسلام الشيخ ابو حامد الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال: (ولقد علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرهم أحسن السير وطريقتهم أصوب الطرق وأخلاقهم أزكى الأخلاق).

ويقول الإمام الشافعي: (حبب إلى من دنياكم ثلاث: ترك التكلف وعشرة الخلق بالتلطف والإقتداء بطريق أهل التصوف). ويقول شيخ الشافعية النووي: (أصول طريق التصوف خمسة: تقوى الله في السر والعلانية، إتباع السنة في الأقوال والأفعال، الأعراض عن الخلق في الإقبال والأدبار، الرضا عن الله تعالى في القليل والكثير، الرجوع إلى الله في السراء والضراء).

وحتى ابن تيمية الحراني المعروف بتشدده فانه لا يهاجم الصوفية بالكامل اذ يقول: (فأما المستقيمون من السالكين كجمهو ر مشايخ السلف مثل الفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الدارني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد بن محمد، وغيرهم من المتقدمين، مثل الشيخ عبد القادر الجيلاني، والشيخ حماد، والشيخ أبي البيان، وغيرهم من المتأخرين فهم لا يسوغون للسالك ولو طار في الهواء او مشى على الماء أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين، بل عليه أن يعمل المأمور ويدع المحظور إلى أن يموت. وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف).   10877554_10152461018681875_982647450_n

ويقول الباز الاشهب الشيخ عبد القادر الجيلاني في الفتح الرباني:

  • كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة هي زندقة،
  • طر إلى الحق عزَّ وجلَّ بجناحي الكتاب والسنة ادخل عليه ويدك في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم
  • ترك العبادات المفروضة زندقة
  • وارتكاب المحظورات معصية. كل باطن خالف ظاهراً فهو باطل

وهناك اقوال لكبار مشائخ العلماء السنيين مثل: تاج الدين السبكي والشاطبي والسيوطي والمحاسبي وابن خلدون وابن عابدين في مدح المتصوفة. ويقول ابو الحسن الندوي الهندي وهو من السلقية المحدثين في كتابه “المسلمون في الهند” قولا حسنا بالصوفية. وقال ابو القاسم الجنيد البغدادي: الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبع سنته ولزم طريقته،فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه. من لم يحفظ القران ولم يكتب الحديث لا يقتدي به في هذا الأمر لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب. وقد أثر عن السري السقطي أنه كان يقول: التصوف اسم لثلاثة معاني هو الذي:

  • لا يطفئ نور معرفته نور ورعة
  • ولا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب والسنة
  • ولا تحمله الكرامات على هتك أستار محارم الله.

 

ولكن نرى اليوم الحملة شعواء من قبل سلفي ووهابي زماننا على المتصوفة اذ يعتبرون التصوف: علم مبتدع وليس له أصل في الشريعة وهو زندقة ورجاله زنادقة. ان الصوفية فرقة مجانبة لمنهج أهل السنة والجماعة.

 

والصوفيون ليسوا فرقة واحدة بل هم فرق ومجاميع كثيرة، فمن طوائفهم: القادرية، والرفاعية، والنقشبندية، والبكتاشية، والصفوية، والشاذلية، والسطوحية طريقة سيدي احمد البدوي، إلخ. وكل اسم مأخوذ من اسم الشيخ الذي يتبعه المريدون. وفي عقيدة المتصوفة أن تعدد الطرق حتى لو كانت بالملايين، لا يضر في الدين، لانهم يعتقدون ان الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق.

ان ضعف التوجه الصوفي في المجتمعات السنية كان لصالح سيطرة الاتجاهات الوهابية السلفية والارهابية التكفيرية. الصوفية بصورة عامة ينشدون مجتمعا تعايشيا مع الاخر حتى اذا اختلفوا معه بالدين او المذهب. كما ان الحركات الصوفية كان لها الباع الطويل في النضال ضد الاستعمار في الوقت الذي رأينا الحركة السلفية لا نشاط لها في هذا الميدان بل ان مهارتها كانت تظهر بمحاربة المسلمين والدولة الخلافة الاسلامية العثمانية لصالح الغربيين والغزاة.

بعد هذه المقدمات التي قد تكون مفيدة او على العكس مملة للقارئ ارجع لاقول: انه من هذا الاستعراض طالعتنا الكثير من الرؤى الانسانية والمعرفية التي يتمكن الشاعر والاديب والفنان من الاستفادة منها وقد يتبناها كلا او جزءً او حتى لا يتبنّاها كطريقة بمعناها الخاص ولكن من الممكن ان تسهم بصورة كبيرة  في إلابداع الشّعريّ والادبي والفني، وعلى اقل الاحتمالات فانها توسع من مداركه وافاقه الروحية والعقلية، وقد تسهم في ترقيق طباعه.

 ما تقول حول الشاعر الصوفي الكبير الحلاج لاسيما وانت تذكره في إبداعك؟  الحلاج لا شك ولا ريب شخصية اسلامية وعالمية كبيرة ومشهورة وكُتب عنه الكتير. ولكني سأنطلق من نقطة اخرى وهي: مخاطبة الناس على قدر عقولهم مما تبناه المتصوفة ويقول احدهم: (نحن قوم يحرم النظر في كتبنا على من لم يكن من أهل طريقتنا، وكذلك لا يجوز لأحد أن ينقل كلامنا إلا لمن يؤمن به، فمن نقله إلى من لا يؤمن به دخل هو والمنقول إليه جهنم الإنكار، وقد صرح بذلك أهل الله تعالى على رؤوس الأشهاد وقالوا: من باح بالسرّ استحق القتل). وقد ذكر الدباغ حكايات كثيرة عن الذين لم يكتموا السرّ فابتلاهم الله ببلايا عديدة، من القتل والصلب والحرق والعمى وغير ذلك، وكان منهم الحلاج، لأنه لم يقتل إلا لإفشاء سرّه. ويري المتصوفه عنه أن الخضر عبر على الحلاج وهو مصلوب، فقال له الحلاج: (هذا جزاء اولياء الله؟ فقال له الخضر: نحن كتمنا فسلمنا، وأنت بحت فمتّ). وكما رووا عن أبي بكر الشبلي أنه قال: (كنت أنا والحسين بن منصور شيئا واحدا إلا أنه أظهر وكتمت)

وينسب للامام السجاد علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام انه قال:

يارب جوهر علم لو ابوح به*** لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنـا

ولاستحل رجال مسلمون دمي*** يرون أقبح ما يأتونـه حسنـا

ان الخطأ الذي نسبه العارفون والمتصوفة للحلاج هو عدم التزامه بالمعنى الانف الذكر، فاعطى الحجة لسفك دمه. والله اعلم بحقيقة امره وسره. والحسين بن منصور الحلاج فهناك من بصحح مذهبه وهناك من يرى انحرافه بل كفره وزندقته، وتبرأ منه سائر الصوفية والمشايخ والعلماء، ومنهم من نسبه إلى الحلول مع انه يقول:من ظن أن الإلهية تمتزجُ بالبشرية،والبشرية بالإلهية فقد كفر،فإنه الله تعالي تفرد بذاته وصفاته عن ذوات الخلق وصفاتهم،ولا يشبههم بوجهٍ من الوجوهِ،ولا يشبهو نه”. وهو الذي يقول: “وكما أن ناسوتيتي مستهلكةٌ في لاهو تيتك،غيرُ ممازجةٍ لها،فلاهو تيتك مستوليةٌ علي ناسوتيتي،غير ممازجةٍ لها“.

ومنهم من نسبه إلى الزندقة وإلى الشعبذة لاسيما وقد اشتهر بالقول بوحدة الوجود. ومن شعره الذي أنكره العلماء، قوله:

سبحان من أظهر ناسوته***سر سنا لاهوته الثاقب

ثم بدا في خلقه ظاهرا*** في صورة الآكل والشارب

حتى لقد عاينة خلقه***كلحظة الحاجب بالحاجب

وواضح تأثر هذا الشعر بالتصورات النصرانية والمسيحية. والحلاج على ارتفاع مستواه في عالم العشق والتفاني في طريق ما يعتقد الا ان ذلك لا ينزه كل اعماله واقواله لا سيما ما خالف به شريعة رب العالمين. ولكن في كلام الحلاج ما يهيج الشجون ويدمي العيون مثل قوله: ركعتان في العشق لا يصح وضوئهما الا بالدم. انا اعتقد ان الحلاج تم تشوبه صورته من قبل قيادات متمكنة من المسلمين السنة والشيعة على السواء لانه كان يحمل سرا ليس من صالحهما كشفه. في صباح 26 من ذي القعدة لسنة 309 هجريه تقدم الوزير حامد بن العباس لكي يتلو خطاب الخليفه المقتدر بالله العباسي موضحا ان في قتل الحسين بن منصور الحلاج فيه مصلحة للمسلمين… وعندما أكمل بيان اﻻعدام اشار للسياف بان يتقدم لحز رقبة هذا العاشق المتجاهر بما لم يتجاهر به غيره… سقط الرأس على اﻻرض، كتب على التراب كما يروي مناصروه اسم الله في اكثر من 33 موضع… وعلى اي حال فان ما نسبه المسيحيون من صلب للمسيح ولم يثبت ذلك ويخالفهم به الكثير من النصارى وكل المسلمين، الا ان صلب المسيح تجلى بصلب الحلاج. هذا ما ذهب اليه ماسينيون، وسمّاه جان شوفالييه “مسيح الإسلام”، وأطلق روجيه أرنالديز على دعوته تسمية “دين الصليب”، وبات من الصعب على كلّ من تأمّل في سيرة حياته ومماته ألا يلاحظ اوجه الشبه بينه وبين المسيح.

لم يتّخذ الحلاّج التقيّة منهجًا له في حياته الروحيّة والسياسيّة، بل تكلّم بكلّ جرأة، وعانى ما لم يعانه أحد من المتصوفة، فاتّهم واضطهد وسُجن، وعُرض مصلوبًا وقبلها بقي ثماني سنوات محبوسًا في بغداد، يقودوه من سجن إلى آخر، إلى أن انتهت حياته في 26 آذار العام 922، بعد أن تمّ جلده، وقُطّعت أعضاؤه، ثمّ صُلب وقُطع رأسه وحُرق جسمه كلّه. لم يهب الحلاّج الموت، وظلّ متماسكًا وقويًا، وبدا كأنّه ينتظره، لا حبًّا بالموت، وإنّما ترسيخًا لدعوته الصوفيّة، ومبدئه القائم على التضحية والمحبّة. إنّ أساس المحبّة عند الحلاّج هو التضحية، لذلك وجب على الذي يحبّ الآخر أن يضحي من أجله. وكان قد “تنبأ” بموته صلبًا لَمّا قال: “وإن قُتلتُ اوصلبتُ اوقطّعت يداي ورجلاي ما رجعتُ عن دعواي. كما قال: “قد اجتمعوا لقتلي تعصّبًا لدينك، وتقرّبًا إليك، فاغفر لهم، فإنّك لوكشفتَ لهم ما كشفتَ لي لَما فعلوا ما فعلوا”. ضُربَ الحلاجُ ألفَ سوطٍ فما تاوة،حسب رواية ابن الأثير، ثُمَّ قطعت يديهِ ورجليهِ وهو حَيَّ، ويروي أنهُ صلَّي وهو مقطوع اليدين والرجلين.ثم صلبوه ثلاثة أيام،ثم قطعت رأسه، وألقي الزيتُ على جذعه وأحرقْ، وذروا رمادهُ من فوقِ مئذنة الجامع المنصور فتناثرت على صفحةِ دجلة، ونُصِبَ الرأسْ للمشاهدبن. نظر إلى صديقه ”الشبلي” بين الحضور، طالبه بسجادة للصلاة، والدماء كانت تسيل من يديه، مسح وجهه وقال ”ركعتان في العشق لا يجوز وضوؤها إلا بالدم” وهنا نرى انه حقق مقصوده. قال عنه الفقيه المعروف ومفجر الثورة الاسلامية في ايران والعالم الاسلامي الامام السيد روح الله الموسوي الخميني في غزل له باللغة الفارسية:

من به خال لبت ای دوست گرفتار شدم

چشم بیمـار تو را دیـدم وبیمار شدم

فارغ از خود شدم وکوس انا الحق بزدم

همچو منصور خریدار سر دار شدم

وترجمته للغة العربية:

سُبيتُ يا حبيبي بخال شفتك

أبصرتُ عينك المريضة، فمرضتُ

ذهلت عن نفسي، وأطلقت صرخة: أنا الحق

وكما فعل الحلاج اشتريت حبل المشنقة

ان اعجابي بالحلاج لا يعني ايماني بكل ما قال، بل هي شطحات كانت تصدر منه كصدور الهذيان من المجانين، لقد كان الحلاج يعيش حالة الاحتراق والهيجان مما يجعله ينفلت عن الكثير من الاطر التي ينبغي للمسلم الموحد ان يلتزم بها. ويشير الشيخ ابو حامد الغزالي في كتابه المعروف “المنقذ من الضلال” إلى ذلك قائلًا: “ثم يترقى الحال -بالصوفي- من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق. ولا يحاول معبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز عنه. وعلى الجملة ينتهي الأمر إلى قرب يكاد يتخيل منه طائفة الحلول، وطائفة الاتحاد، وطائفة الوصول. وكل ذلك خطأ، بل الذي لابسته تلك الحالة لا ينبغي أن يزيد على أن يقول:

وكان ما كان مما لست أذكره***فَظَنَّ خَيْرًا ولا تَسْأَلْ عن الخَبَرِ

لوحة رسمها السيد الجوادي عن الحلاج

مقتبسة من كتاب “خواطر تشكيلية”

ولكن لو تحدثنا عن شعر الحلاج كالفاظ وموسيقى وصور فسيكون الحديث مجردا عن التقيمات العقائدية وسترانا نتقابل مع جمال لا مثيل له وهذا الذي اعشقه في الحلاج. يقول:

والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت***إلا وحبّـك مقـرون بأنفاسـي

ولا خلوتُ إلى قوم أحدّثهــم***إلا وأنت حديثي بين جلاســي

ولا ذكرتك محزوناً ولا فَرِحا ***إلا وأنت بقلبي بين وسواســـي

ولا هممت بشرب الماء من عطش***إلا رَأَيْتُ خيالاً منك في الكـــأس

او قوله:

والله ما طلعت شمس ولا غربت***إلا و حبك مقرون بأنفاسي

ولا جلست إلى قوم أحدثهم***إلا و أنت حديثي بين جلاسي

ولا ذكرتك محزونا ولا فرحا***إلا و أنت بقلبي بين وسواسي

ولا هممت بشرب الماء من عطش***إلا رأيت خيالا منك في الكاسِ

ولو قدرت على الإتيان جئتكم***سعيا على الوجه أو مشيا على الراسِ

ويا فتى الحي إن غنيت لي طربا***فغنني واسفا من قلبك القاسي

ما لي وللناس كم يلحونني سفها***ديني لنفسي و دين الناس للناسِ

 من اشرت لهم في اجاباتك يحسبون بصورة عامة على الخط التصوف  السني، فهل لك ان تحدثنا غن تظرائهم عند الشيعة؟

 تتحول التسمية في الاوساط الشيعية، فيطلقون مصطلح “العرفان” على ما يسمى عند السنة بالتصوف. وهو في نظرهم رحلة يقوم بها العرفاء للوصول إلى الكمال والحقيقة. والعرفاء هؤلاء لا شيء يميّزهم. فقد يكونوا بلباس رجال الدين، او بلباس عادي. وقد يكونون تجارا او بحاثين او طلابا او رجال دين او عمالا. ويمكن معرفتهم من نمطهم السلوكي واهتماماتهم وكلامهم عن الاخلاق الحسنة وتربية النفس والعلاقة بالله”.

وثمة اوجه تقارب وتباعد بين العرفان وبين الصوفية. ولعل الفرق الاساسي بين المنهجين هو ان التصوف تتشكل بطرق صوفية لكل منها شيخها التي ترجع له قيادة الامور ومثل ذلك من الصعب حصولة في الوسط الشيعي اذ ان القيادة فيه محددة بشكل واضح بل صارم بالقيادة المرجعية الدينية التي تنظمها علاقة التقليد والاجتهاد. ومن هنا يتمظهر العرفان عند الشيعة بسلوك فردي وشخصي لاناس معينين لهم تعلق كبير ومتميز مع القرآن والنبي محمد والامام علي وغيرهما من أئمة اهل البيت وتربية النفس وتهذيبها بمحاسن الاخلاق، وتجريدها من الاخلاق السيئة.

واعتقد ان هذه المقدمة مهمة من اجل الابحار في عالم روحاني ومعرفي رحيب.

بغض النظر عن المصطلحات وتعاريفها الفنية فانا لا ادّعي نفسيا صوفيا ولكني محبا للمسلك العرفاني بشرط عدم ابتعاده عن الكتاب والسنة والفقه والشريعة وعلماء الدين الربانيين. ومع اعترافي ان كلمتي التصوف والعرفان تم استخدامهما من قبل بعض المنتمين لهما او المخالفين بشكل غير صحيح لا سيما وقد حُمّلت الكلمتان بمعاني معقدة ومختلفة ومتناقضة واصبحت في عرف البعض سُبة وفي عرف اخرين تهربا من الالتزام الديني وتحررا عما فرضه الله على عباده من الطاعات. ولكني في موضع استعمال الالفاظ -مع الالتفات للملاحظة السابقة- قد أراني أستعمل كلمة عرفان وعرفانية وعارفين بالمعنى الخاص بي. فالمعرفة في هذه الحياة هي غايتي، معرفة الله وملائكته وكتبه وانبيائه واوليائه وتاريخ الامم ومخلوقاته من حيوان او نبات او جماد او هواء او مياه وقوانين الوجود المادي والفلك والفيزياء الكونية وعلم الوراثة والجينات وافاق التفاعل الروحي… الخ. وانا اعتقد ان البحث عن المعرفة هو طريق مهم لتهذيب النفس والتقرب من الله وان العلماء من عباد الله هم من يخشونه حق خشيته، فاذا استعملت في حديثي الكلمات المشتقة من المعرفة فانها بهذا المعنى دون الدخول بمماحكات الفرق والطوائف والتجمعات.

ولكن في التراث الفكري لمن انتسب او نُسب للاتجاه الصوفي وشقيقة العرفاني نتاجات رائعة في الشعر والنثر تصل الى درجة الروائع الخالدة التي لا يقدر على اجتراحها الكثيرون. وقد كتبت عن نماذج منها في بحث مفصل لي بعنوان” رموز الوجود…الانسان…الجمال، في شعر الغزل

انا عاشق لاشعار الحلاج وابن الفارض والسيد الحبوبي ومن غير شعراء العربية الرومي وحافظ. ولكل منهم جماليته الخاصة في الشعر وقد يصنف البعض اشعارهم ضمن التصوف او العرفان اما انا فاعتبر شعرهم نتاج الوجدان واحتراق داخلي للشاعر يستشمه من هو خارج ذاته المعذبة في رحلتها للحصول على النور، انه انسان عز عليه الفراق فعاش الاغتراب. والاغتراب، يا سائلتي ويا قارئي لا يرتبط بالزمان والمكان او الزمكان فحسب بل الاغتراب هو تعبير عن الخروج من عالم الاستقرار في مسيرة التكوين في عوالم الذر، الى مسيرة الحياة الدنيا القاسية. التي تتصدع بها الكثير من خصائصنا الروحانية بمادية ووحشية الحياة وقسوتها، ولا اقول الحياة الحيوانية لان الحيوان وهو كائن من مخلوقات الله يتحرك بشهوات دون خبث وخداع وحيل شيطانية على العكس من الانسان المنتزع من عالم الروح الى عالم الكدح الذي يمتلك اضافة الى طبيعته الحيوانية طبيعة رحمانية وطبيعة شيطانية والتي تكاد ان تكون هي المسيطرة على وجود الانسان عبر الزمان وفي تسلسل المجتمعات وفي انانية الافراد، ولكن الرحمانية التي يقهرها الانسان في وجوده تبقى تعذبه فتجعله يحن الى عالم الانوار وعلى الاغلب بلا وعي وشعور منه ومنها تنشأ الغربة والرغبه بالهرب الى عوالم النور. فكم من غني مترف يعيش في القصور وهو غريب عما حوله. الغربة والاغتراب حالة ترتبط بالانسان لو تهرب من الحالة الحيوانية التي تعاشر الشهوات واللذائذ الى حالة الوعي الانساني. الزهد والعرفان والنصوف كلها شعور عند الانسان بغربة عن واقع لا يُرضي روحانيته الى عالم الهي يتوق الانسان معانقته ويحس بافاقها من اكتوى في عالم الاغتراب والغربة والفراق ومن تلوذ روحه ببيت الاحباب. فهم غرباء من جهة انهم لا يعرفون احداً يفكر تفكيرهم ولا احداً يأنسون به.فقد ورد في الروايات ان الدنيا سجن المؤمن وماهو بسجين بها فقط بل وغريبٌ ايضاً.اي ان الغربة واضحةً هنا جدا على اهل المعرفة.

 عرفتنا بالتصوف عند السنة والعرفان عند الشيعة، ونتساءل: هل لك تصورات تتبناها في شعرك ونثرك وقصصك ولوحاتك التشكيلية؟ وهل لنا ان نسميها طريقة خاصة بك؟

 أبد الاجابة من نهاية السؤال فاقول بكل صراحة وتواضع، ولا أرى نفسي أكثر من ذرة صغيرة في هذا الوجود الرحيب، فمن أكون بين تسامي المتسامين وما زلت أعيش في دياجير الجاهلين، كلا ليس لي طريقتي الخاصة من جهة ولا اريد ان أكون كذلك، بل انا استفيد من كل المدارس الفكرية والدينية ضمن حدود القرأن الكريم والسنة النبوية الشريفة. واعود لاقول: ذهب البيروني إلى أن الصوفية إنما هي اشتقاق من سوفيا اليونانية التي تعني الحكمة، وهذا رأي يدعم موقف القائلين بأن التصوف هو وليد الفلسفة الأفلاطونية. وعلى الرغم من اهمية قول البيروني هذا الا ان المنهج الصوفي موغل القدم في تاريخ الدعوات الدينية والاصلاحية. ولي في ذلك رؤية اشير اليها باختصار. وهي ان مدارس التنور المعرفي هي اقدم من الحضارتين اليونانية والرومانية وان المتنورين هم فئات ممن انعم الله عليهم بالعلم والعرفة ان جذورها في العراق تحديدا منه الى جزيرة العرب وبلاد الشام ومصر. ولا اقصد بهذه المعرفة المعرفة الدينية البحتة بل اقصد المعرفة الالهية بافاقها المتسعة التي تشتمل اضافة للمعرفة الدينية الخالصة والنقية المعرفة الارضية والعلمية. وكان المتنورون “Gnostics” يكتمون اسرارهم العلمية والمعرفية عن الجهلاء والاغيار، وهؤلاء اهل المعرفة والعرفان في كل زمان ومكان. وقد قابل هؤلاء الرحمانيين مجاميع من الاشرار الشيطانيين وحاربوهم عن طريق السحر والشعوذة وطقوس الظلام ولعل منظمات الغرف السوداء هي امتداد لهؤلاء الاشرار وان رفعوا شعارات الاخيار، بل ان بعض دهاتهم حاولوا السطوعلى تاريخ ابناء النور لصالح دعاواهم الظلامية. لقد أباح الله عز وجل لآدم عليه السلام ولزوجته حواء الجنة أن يأكلا من جميع ثمارها إلا شجرة واحدة، وهو ما جاء ذكره في سورة البقرة، فعند ذلك حسدهما الشيطان، وسعى في المكر والوسوسة والخديعة ليسلبهما ما هما فيه من النعمة واللباس الحسن وقال كذباً وافتراء: (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين)، أو خالدين، ولو أنكما أكلتما منها لحصل لكما ذلكما، قال لادم: (قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) وقاسمهما أي حلف لهما باللّه (إني لكما لمن الناصحين)، حتى خدعهما وقد يخدع الشيطان المؤمن باللّه. واستمر الشيطانيون يدعون امتلاكهم للاسرار التي تنفع الناس ليحرفوهم عن طريق الله المرسوم، وليسقطوا ببراثنهم فيما بعد.

ولعل البعض يسمي هؤلاء الشياكين بالحكومة الخفية، ولهم اسماء اخرى معروفة وتمتلك هذه التنظيمات السوداء قوة ضخمة تعبر عن قوة الشيطان اعاذنا الله منه. وكانوا دائما منتجين للطغاة وبخدمتهم. وفي قصة موسى وفرعون والسحرة اشارة واضحة لذلك، حيث تصطرع ارادة مؤسسة الظلام والسحر الاسود ورمزها فرعون مع مؤسسة النور النبوية ورمزها موسى عليه السلام. قال سبحانه وتعالى عن نبيه موسى عليه السلام في القران الكريم:(*فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ*وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ*قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ*يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ*قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ*يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ*فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ*وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُون*لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ*فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ*)(قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ*قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُون*فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ*فأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ*فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ*قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ*رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ*قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ*قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ*إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا اول الْمُؤْمِنِينَ*)

فالمؤسسة التي تخدم فرعون وملكه هو مجموعة السحرة ويحاول فرعون بواسطة شعوذة مجموعته التي تتعاطى ضمن طقوس وتنظيمات كهنوتية تعاليم لمحاربة الفكر الرحماني لخنق منابع النور. ولم تكن مؤسسة السحرة بما تعنيه من ممارسات وتقاليد بالمؤسسة الصغيرة بل هي مجموعة لها امتداداتها الواسعة واختلف الرواة في عدد السحرة الذين جاء بهم فرعون لمقابلة موسى عليه السلام، فذكر ابن كثير في البداية والنهاية أنه قيل: كانوا ثمانين ألفا. كما ورُوى عن ابن عباس كانوا سبعين رجلا، وهو ما أكده السيوطي في الدر المنثور: عن ابن عباس قال كانت السحرة سبعين رجلا أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء وللجمع بين الاقوال اقول يمكن ان يكون كبارهم سبعين وامتداداتهم ثمانين ألفا.

وحسب فهمي المتواضع فان حركة الانبياء واوصيائهم منذ أدم عليه السلام كانت متسلسلة ومتواصل ولم تنقطع حلقاتها، وقد أكدت ذلك كثير من الأحاديث والأخبار على تواتر الوصية واتصالها منذ عهد آدم عليه السلام إلى نبينا الخاتم صلّى اللّه عليه وآله وذكروا بعض التفاصيل المتعلّقة بأسماء الاوصياء والأحداث التي واكبت حياتهم. نقل المحدّثون روايات مستفيضة عن عدد الاوصياء واستقصاء أخبارهم ومحتوى وصاياهم، نشير إلى مضمون بعضها مختصراً محيلين إلى المصادر المختصة لمتابعة التفاصيل. عن الإمام الصادق عليه السلام عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في حديث طويل يذكر فيه الاوصياء منذ هبة اللّه شيت وصي آدم عليه السلام إلى الإمام القائم عليه السلام. وفي حديث عن سلمان الفارسي رضي الله عنه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يذكر فيه الاوصياء منذ آدم عليه السلام إلى الإمام القائم مهدي أل محمد عليه السلام. وعن أم هاني بنت أبي طالب عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: “إنّ اللّه جعل لكلّ نبي وصياً؛ شيث وصي آدم، وشمعون وصي عيسى، وعلي وصيي، وهو خير الاوصياء في الدنيا والآخرة…”. وفي حديث عن أبي جعفر الباقر عليه السلام ذكر فيه اتصال الوصية منذ هبة اللّه.

كما ظهرت في التاريخ تحركات على المدى الديني والعلمي تشير الى المجاميع التي تتداول العلوم والتنوير على طول الطريق وأرتباط هذه المجاميع يتعلق بطبيعة دعوتها وممارستها ورجالها. ومؤمن ال فرعون ولعله اخناتون: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذباً فعليه كذبه وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب· يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا… وقال الذي آمن يا قوم اتَّبعونِ أهدكم سبيل الرشاد) سورة غافر،·وحبيب النجار، (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون *) وقصة موسى مع من اعطاه الله علما لدنياً ولعله الخضر، وقصة لقمان الحكيم وقصة اهل الكهف وقصة الخط الابراهيمي المتواصل من خلال اسماعيل ومن رموزه مضر وقصي وهاشم وعبد المطلب وابي طالب عليهم السلام جميعا.

وان حديث إسلام الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه، وانتقاله من الديانة المجوسية إلى النصرانية ثم انتقله إلى الإسلام، قد تجسد معنى التجول والترحال للحصول على المعرفة الحقة، ولا شك ان في هذه القصة الطويل لمحات واشارات بها تماس مع المعنى الصوفي او العرفاني وأخذ المريد من مرشده. انها رحلة الوصول وعذاباتها الى معرفة الحق والتنور. فقد التقى سلمان عدة رهبان من رهبان النصارى وأؤكد هنا على كلمة النصارى وليس المسيحيين. وهم الذين ارشدوه الى النبي محمد واقراب يومه وارض خروجه. وراوي القصة ْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عن سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ نفسه ونجد في القصة معانٍ مهمة هي: انه كان رَجُلا فَارِسِيًّا مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ، وَكَانَ أَبِاه رئيسا للقرية. يقول رضوان الله عليه: وَأَجْهَدْتُ فِي الْمَجُوسِيَّةِ حَتَّى كُنْتُ موقداَ النَّارِ لا يَتْرُكُهَا تَخْبُو سَاعَةً، ويذكر انه َخَرَج ذات يوم فَمَرَرْ بِكَنِيسَةٍ مِنْ كَنَائِسِ النَّصَارَى، فَسَمِعْ أَصْوَاتَهُمْ فِيهَا وَهُمْ يُصَلُّونَ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ أَعْجَبَنِي صَلَاتُهُمْ وَرَغِبْتُ فِي أَمْرِهِمْ، وَقُلْتُ هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدِّينِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ… َقُلْتُ لَهُمْ: أَيْنَ أَصْلُ هَذَا الدِّينِ؟ قَالُوا: بِالشَّامِ. ثم يتحدث عن الصراع الذي نشأ بينه وبين ابيه بعدما علم ابوه ما حصل فحَبَسَه فَبَعثَ إِلَى النَّصَارَى ان إِذَا قَدِمَ عَلَيْكُمْ رَكْبٌ مِنْ الشَّامِ فَأَخْبِرُونِي بِهِمْ وجاء ركب من الشام، فاصطحبهمَ إِلَيها، وبحث عمَنْ هو أَفْضَلُ أَهْلِ هَذَا الدِّينِ فيها قَالُوا: الأَسْقُفُّ فِي الْكَنِيسَةِ. فذهب اليه وطلب منه أَنْ يكُونَ مَعَه ليتعلم ويصلي معه. وعاش معه زمنا ليكتشف نفاقه وبعده عن الله. ولما مات، بحث فتوصل الى رجل اخر طلبا للمعرفة ولما حضرت هذا الرجل الوفاة قال له سلمان: فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ! وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا الْيَوْمَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، لَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ وَبَدَّلُوا وَتَرَكُوا أَكْثَرَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ إِلا رَجُلا بِالْمَوْصِلِ وَهو فُلانٌ، فلَحِق بعد موتهُ بِصَاحِبِ الْمَوْصِلِ، وقبل ان يموت وجهه بالالتحاق برجل اخر على طريقتهم فالتحق به. فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قال لَهُ سلمان: فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ قَالَ الرجل: أَيْ بُنَيَّ! وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ رَجُلًا عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ إِلا بِنِصِّيبِينَ، وَهو فُلَانٌ، فَالْحَقْ بِهِ والتحق به سلمان فعلا. وقبيل وفاته اوصاه بالرجوع الى رَجُل بِعَمُّورِيَّةَ وقال له: فَإِنَّهُ بِمِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ فَأْتِهِ فَإِنَّهُ عَلَى أَمْرِنَا، قَالَ سلمان: فَلَمَّا مَاتَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ عَمُّورِيَّةَ وَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي قَالَ: أَيْ بُنَيَّ! وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ أَصْبَحَ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُ نَبِيٍّ، هو مَبْعُوثٌ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ. كان هذا الراهب او العالم او المرشد اخر سلسلة العارفين بالامر وكان رجلا صالحا عنده علم عن نبي آخر الزمان، فنصح الراهب سلمان أن يذهب إلى بلاد العرب التي سيخرج فيها ووصفها له، فكانت هي مدينة النبي محمد صلى الله عليه وأله وسلم. يقول سلمان: ُثمَّ مَرَّ بِي نَفَرٌ مِنْ كَلْبٍ تُجَّارًا، فَقُلْتُ لَهُمْ: تَحْمِلُونِي إِلَى أَرْضِ الْعَرَبِ واستمرت رحلة سلمان طلبا للنور والمعرفة حتى التقى برسول الله وليتحول من سلمان الفارسي الى سلمان المحمدي.

كل تلك الظواهر تدل الى انتقال العلوم النورانية الرحمانية بواسطة عباد الله المكرمين. وللنبي أدريس اهمية كبيرة في التنوير ونقل العلوم للبشرية، وقد نجد صدا لنشاطات بعض الجهات في نقل العلوم وتطوير الانسانية مثل الفيثاغوريين الذين تلقوا علومهم من مدارس الحكمة في مصر التي تلقت بدورها علوم الحكمة من السومريين والاباء الساميين. ولقد كانت مدرسة فيثاغورس وهي مدرسة لا استطيع القطع بمدى نقائها الفكري والسلوكي، ولكن نحن نعرف حسب ما نفهمه من الروايات القديمة المتواترة، انها تطلب من المنتمين اليها من الرجال والنساء أن يجمعوا كل ما لديهم من الطيبات، وأن يتعلموا مجتمعين، وأن يُدربوا على الفضيلة والتفكير الراقي بطريق العلوم الرياضية والموسيقى، والفلسفة، وأن يتقدموا من تلقاء أنفسهم ليكونوا حكام الدولة الحارسين لها. والحق أن الجهد الذي كان يبذله فيثاغورس ليجعل مجتمعه هو نفسه حكومة مدينته العقلية، هو الذي أهلكه وأهلك أتباعه. فقد اندفع المبتدئون من أتباعه في تيار السياسة. وتقول إحدى الروايات إن فيثاغورس -ولد عام 582 قبل الميلاد تقريبا- نفسه قد قُبض عليه وقُتل حين أبى في فراره أن يطأ بقدمه حقلاً من الفول؛ وتقول رواية أخرى إنه فر إلى متابنتم حيث امتنع عن الطعام أربعين يوماً – ولعله كان يحس أنه يجب أن يكتفي من العمر بثمانين عاماً – وأمات نفسه جوعاً… عاش نشاط اتباعه ثلاثمائة عام في صورة جماعات منتشرة في بلاد اليونان، يخرج منها علماء طبيعيون وحكام وكان أفلاطون نفسه يهيم بصورة فيثاغورس الغامضة؛ وهو يأخذ عنه في جميع نواحي نشاطه الذهني وفي اعتقاده أن الفضيلة تآلف، وفي نظرياته عن الطبيعة والنفس، وفي شغفه بالهندسة، وفي إيمانه بقوة الأعداد الخفية. أن فيثاغورس كان له الفضل في وضع أساس العلوم الطبيعية والفلسفة لقد دعى فيثاغورس أتباعه من دارسي الهندسة على عدة أمور قال أنه نقلها عن كهنة منف بمصر المزاولين للهندسة منها: ارتداء الملابس البيضاء، والتأمل في اوقات محددة، الامتناع عن أكل اللحوم. ويعتقد فيثاغورس وتلاميذه أن كل شيء مرتبط بالرياضيات وبالتالي يمكن التنبؤ بكل شيء وقياسه بشكل حلقات إيقاعية. وله النظرية الهندسية المعروفة التي تقول: “أن المربع على الوتر فى المثلث القائم الزاوية يكافئ مجموع مربعي الضلعين الاخرين، وللدقة فقد اخذ فيثاغورس نظريته هذه من حكماء بابل. كان فيثاغورس من أشد المحبين والمعجبين بالأعداد والهندسة وكذلك بالعلوم الأخرى كالفلك والموسيقى والفلسفة والدين وفى هذه الوقت لم تكن الكتب منتشرة فكان يرتحل بحثا عن العلم والمعرفة فكان يذهب الى فارس والعراق وجاء الى مصر ليزداد علما ومعرفة. وقد اسس مدرسة فى جنوب ايطاليا ويعتقد اتباعه ان فيثاغورس جمع فى هذه المدرسة خير الدنيا من المعارف والعلوم وخير الآخرة من الفضائل والأخلاص. وبعد وفاته سنة 497 ق.م او سنة 507 ق.م ظلت تعاليمة ونظرياتة تنطلق الى كل مكان ليجمع بين العلم والفضيلة والسمو عن الدنايا والتمسك بكل ما من شأنه رفع قيمة البشر. ولم تكن الفيثاغورية مدرسة فلسفة وحسب، بل كانت أيضا مدرسة دينية أخلاقية على نظام الطرق الصوفية. ومن الجدير ذكره ان الفيثاغورية مع ما بها من مكارم وعلوم الا انها وقعت بمطبات خصائص الاعداد. ولو اردنا البحث عن امتداد للمدرسة الفيثاغورية لوجدنا ان اخوان الصفا التي يقال انها من تفرعات المذهب الاسماعيلي الشيعي تشتمل على العديد من خصائص الطريقة الفيثاغورية. ومن فرق التصوف ذات الاهتمام بالارقام والحروفة فرقة يقال لها الحروفيَّة أسسها فضل الله بن عبد الرحمن الحسني الإستراباذي، وهو ينس الى شيعة، وكان يتنقل بين مدن فارس، قتل سنة 804هـ، وسميت الحروفية لاعتنائهم الزائد بالحروف وأسرارها على طريقة الأوفاق والطلاسم، والزايرجة واستنطاق الحروف والتنجيم، وقد تسربت هذه الطريقة فيما بعد بطرق صوفية اخرى مثل البكتاشيَّة. ومن رموز هذه الطريقة الشاعر عماد الدين نسيمي (۱۳٧۰ ـ۱٤۱٧) المولود بمنطقة ـ نسيم ـ بضواحي بغداد، وهو شخصية بارزة في الفكر الإسلامي والصوفي وخاصة في الدول الناطقة بالتركية، ويعتبر نسيمي داعية وشخصية قيادية في الطريقة الحروفية وهو منهج صوفي يعظم وتقدس الحروف والأرقام وتركيب الحروف في الكلمات.وتعتبر (الحروفية) الكون مظهراً للوجود المطلق.حيث الدنيا راسخة في علم الكون، وهذا الرسوخ يُعتبر تجلياً للكائنات،وتتأسس أحكام الحروفية على الحروف وعلى أثر انتشار الحروفية انتقل نسيمي من العراق إلى أذربيجان ومنطقة الأناضول لنشر المنهج الحروفي. إستعمل نسيمي أنماطاً شعرية سائدة في الشعر العربي والفارسي كالغزل والرباعية والمثنوي.وقد تمكن من أن يكون أول شاعر عراقي ينظم باللهجة التركمانية قصائد تضاهي ما هو مكتوب في الشعر العربي والفارسي الكلاسيكي مضيفاً إليها نفحات شعرية تعبر إن إيمانه بالمعتقدات الحروفية. ظل نسيمي طوال حياته متأثرا لمصير المتصوف الكبير الحلاج مرددا ذكره باحترام وتقدير بالغين.غير مدرك أن القدر يخفي له مصيرا شبيهاً بمصير الحلاج.    10884516_10152461019226875_1106602807_n

 أقول دوماً ((أنا الحق)) لأني بالحق منصور

من ذا الذي يتناساني وشهرتي تعم الآفاق

قبلة الصادقين أنا، وعاشق المعشوقين

السماء السابعة أنا،وناصر المظلومين

أنا موسى إذ أناجي الحق دوماً

يتجلى قلبي أبداً في طور سيناء

أترع كأس الوحدة منذ الأزل

منذ الخليقة أنا نشوان ومخمور

أنى توجهت عيناي هناك أبصر المحبوب

تأخذني البهجة وأفرج الكرب بالكرب

شاهد الحبيب أنا والكون والأفلاك

النطق الرباني أنا في كل اللغات

كياني مرآة للكون والآفاق

أنا صورة الرب، المستور عن البشر

جوهر نسيمي أنا،كاشف الأسرار

مجنون أنا ومتوله،

أُنظر لي كم أنا ظاهر.

يستعمل نسيمي ضمير المتكلم (أنا) في قصائده ليس تعبيراً عن ذاته بل للدلالة على الإنسان بمعناه العام. اضطر نسيمي إلى مغادرة باكو بعد مقتل فضل الله مؤسس الطريقة الحروفية على يد ميران شاه بن تيمورلنك في ۱۳٩٤ م متوجهاً إلى الأناضول حيث اتصل بالحاج بكتاش ولي (مؤسس الطريقة البكتاشية وهي إحدى الطرق العلوية بتركية) حيث وجد استقبالا حارا من مريديه.ويقال إنهم تأثروا بأفكاره الحروفية التي بدأ بنشرها في الأناضول. ولايزال نسيمي إلى يومنا هذا يحظى بمكانة محترمة بين البكتاشيين والعلويين في تركيا حيث يترنمون بقصائده في طقوسهم الخاصة التي ترتل فيها القصائد وتغنى على آلة الساز. تعرض نسيمي في مدينة حلب السورية إلى مضايقات وتأمر من قبل أعدائه. حيث قام أحد المتآمرين بتمزيق صفحة من القران الكريم ووضعها في خرقته دون علمه. وعندما مثل بعد الوشاية به أمام القاضي الذي قال له (ما الحكم في اليد التي تعبث بالقران؟) فكان جوابه تقطع. وهنا قال له القاضي: (هاقد أفتيت لنفسك). أُتهم بالزندقة، وحكم عليه بسلخ جلده حياً.وعندما بدؤا بالسلخ، شحب وجهه،فقال له القاضي ساخراً:  إذا كنت الحق كما تدعي فلماذا بدأ وجهك بالشحوب ؟ فرد عليه نسيمي قائلاً: الشمس تشحب دائماً عند المغيب لتشرق من جديد!

وعلى اي حال فنحن نتحفظ على التوجهات الباطنية التي تفتح ابوابا على الانحراف دون انكار الجوانب الطيبة في الفيثاغورية واخوان الصفا او الحروفية او البكتاشية والى البكتاشية يعزى تأسيس الجيش العثماني الانكشاري الذي حقق كل الفتوحات الاسلامية في اوربا قبل ان يتغير العثمانيون من الفتح الى احتلال دول المسلمين!!

وهناك امثلة عديدة على من تعاهدوا على نقل نور العلم والفضيلة عبر العهود، قد خلد القرآن الكريم قصص من حمل دعوة الله ونور الرسالة عبر الاجيال بتراث حيً يتلى عبر العهود ليعيش اجواءها من اكرمهم الله تعالى في سلوك طريق الصالحين.

ولا اريد الحديث عن نفسي في هذا المجال بل اترك الحديث الى ما  كتبه لي احد تلامبذي منشورا في احد المواقع، مذكرا اياي بدورس كنت القيها على بعض الاخوة الكرام ممن ارتبط معنا في مسيرتنا العقائدية منذ عقود فقال معلقا على بحث مفصل لي عن بهلول الداعية الحكيم وتحت عنوان “البهلول…عارف في ديار الجاهلين”: تحية لك من الاعماق سيدي الجوادي الكبير. اتشرف ان اكون من تلاميذك النجباء وخريجي مدرستك المخلصين. واتذكر قبل اكثر من ست سنوات كنا في حلقة اسبوعية شبابية بغدادية وكنا بحدود خمسة عشر شابا جامعيا او حديث التخرج. وقد درسنا بها السيد الجوادي مناهج الدعوة لله والدين والاصلاح. وقد تضمت هذه الحلقة دراسات في مناهج:

O مؤمن آل فرعون وتاريخ اخناتون،

O ومنهج الرجل الذي جاء من اقصى المدينة يسعى حبيب النجار،

O الفيلسوف الموحد سقراط الشهيد وفيثاغورس والفيثاغوريين، ونقد جوانب منها،

O والتنظيمات الاسينية الاصلاحية في فلسطين قبيل عصر السيد المسيح ودعوة النبي يحيى.

O والمسيح عيسى بن مريم وتنظيمات تلاميذه من بعده وخطوط هؤلاء التلاميذ والصراع بين خط قريب المسيح يعقوب وذريته وخط بولس الذي اتجه اتجاها اخر فالغى الشريعة. مع دراسة الفرقة الابيونية النصرانية التي تصدت للتحريفات البولصية، وكانت ترفض الغاء الشريعة وتؤمن بالمسيح عيسى بن مريم نبيا رسولا وليس ربا او ابن اله وتبشر بقدم نبي يظهر في جزيرة العرب.

O ومنهج سلمان الفارسي في البحث عن الحقيقية والمؤسسات الدينية التي كان مرتبطا بها قبل الاسلام.

O ومنهج عبد المطلب بن هاشم وابنيه الزبير وابي طالب في الاصلاح وفي التهيئة لظهور النبي محمد عليه الصلاة والسلام.

O مناهج التحرك عند ائمة اهل البيت والتي غطاها بعدد من المحاضرات عن الامام السجاد والامام الصادق والامام الكاظم والامام الجواد والامام الهادي والامام العسكري والامام المهدي.

O دراسات عن الحركات الصوفية بصفتها اطر مارست الدعوة لله والتربية للمجتمع وتناول فيها طريقة الشيخ عبد القادر الكيلاني والسيد احمد الرفاعي والسيد احمد البدوي والسيد الدسوقي والسيد اسحاق صفي الدين وغيرهم.

O تنظيمات شيعة اهل البيت القديمة الخطوط الصحيحة والخطوط المنحرفة وعمليات الانحراف العباسيين مثالا. وتنظيمات الاسماعلية وجماعة اخوان الصفا وخلان الوفا. وتنظيمات الحركة الصفوية.

O دعوة الامام حسن البنا وجذورها الصوفية الحصافية وامتداداتها.

O دعوة الملا سعيد النورسي وحركة النور التركية، وكان الملا شيخ من شيوخ الطريق.

O وكانت احدى محاضراتها حول منهج بهلول في العمل للاصلاح.

O ومنهج الشيخ عز الدين الجزائري رائد الحركة الاسلامية المعاصرة في العراق. واضاف هذا التلميذ النجيب: واتمنى على سيدي واستاذي علاء الجوادي ان يعيد ترتيب هذه المحاضرات كما اعاد ترتيب محاضرته عن البهلول ويجمعها بكتاب واحد تحت عنوان مناسب يختاره مثل ” مناهج العمل الرسالية”. اما حول هذه المقالة المنشورة في موقع النور فاحب ان اضع خطوطا على اهم ملامح المنهج الاصلاحي الذي دعى له سيدي الجوادي في مقاله هذا عن الشيخ بهلول رحمه الله تعالى. والتي تصلح ان تكون وثيقة عمل لنا في هذه المرحلة وهو يعي ما يدعواليه. واهم هذه الخطوط:

O الدفاع عن الفكر والفقه الصحيحين النابعين من مدرسة اهل بيت النبوة عليهم الصلاة والسلام.

O التأكيد على القيادة الشرعية للامة والدعوة اليها.

O كشف ممارسات وعاظ السلاطين والمتلبسين بالدين لخدمة السلطات المنحرفة.

O كشف الخطوط التي تحاول الانتقاص من اهل البيت واتباعهم من المتلبسين بالاسماء الدينية والعناوين الطائفية.

O دعوة المجتمع وعموم الناس الى التقوى والتوبة وعدم الانشغال بالدنيا على حساب الاخرة.

O كشف المغرورين والمنتفخين ومحدثي النعمة الذي يستهزؤون بالفقراء والمساكين.

O تربية الاطفال والشباب التربية تالصحيحة الصالحة.

O النقد الهادف الموضوعي للسلطة الحاكمة ومؤسساتها وهيئاتها القضائية والتشريعية والحكومية.

O تأسيس رابطات الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع.

O كشفه الاعيب الاغنياء لابتزاز الفقراء وسرقتهم والتلاعب بهم.

ثم يقول: شكرا لك يا سيدي الجوادي ايها المفكر المظلوم الذي ضيعه قومه كما ضيعوا من قبل الرجال الصالحين. شخصت اهم معالم الخلل ودعوت للاصلاح بلغة هادئة تهدف للاصلاح اكثر مما تهدف الى الانتقام والنقد الجارح للهيئات والاشخاص.دمت لنا ابا مرشدا وقائدا مربيا.

هذه المناهج هي نحو من انحاء التعاطي المعرفي المنبثق من الروحانية التي نتعلمها من اولياء الله وأحبائه. انتهى ما كتبه احد اخوتي المخلصين.

ومعذرة سيدتي الراقية، فقد غلبني طبعي ورحت اتفلسف واردد كلام اساتذتنا الربانيين وانا ما زلت بالجحيم وفي سجن النفس الامرة بالسوء، ولواني ابشر نفس بسرعة اللحاق بالطيبين ممن سبقونا الى طريق الخير.

 هل الصّوفيّة التي تتبّناه في فكرك هي منهج حياة أم أداة فنيّة أم ردّ فعل تجاه الحياة؟

 ذكرت لكم اني لست صوفيا او عرفانيا بالمعنى التعريفي لكلا المصطلحين وانما هي تطلعات روح سجينة في قيود ماديتها تحاول الانعتاق نحو خالقها وما يتبعه من تجوال في ملكوت الله. وسؤالك عميق وبه ثلاث شعب، اوله هل الصّوفيّة التي تتبّناه في فكرك هي منهج حياة؟ فاقول بعد التوكل على الله: انا لا اتبنى طريقة صوفية معينة مع احترامي لكل طريقة لا تخرج عن الكتاب والسنة من جهة وتعتمد في تواصلها العلمي على اهل البيت الاطهار. ولكن لي منهجي في التعامل مع المسلك التربوي وهو ما كتبت جانبا منه في “رسالة نزهة السالكين” التي ارسلتها لاحد اخوتي من طلاب المعرفة هو الشيخ بهاء الدين الخاقاني رعاه الله، وقد اشرت بها الى جوانب اعتقد انها مهمة للوصول للمنهج الصحيح وهي:

اولا: معرفة الله:

ان أنفس الأشياء في هذا الوجود هو معرفة الله. فينبغي لمن عرف شرف الوجود أن يُحصل أفضل الموجود. لان هذا العمر موسم. والتجارات تختلف. والعامة تقول: عليكم بما خف حمله وغلا ثمنه. فينبغي للمستيقظ ألا يطلب إلا الأغلى والاعلى وأنفس الأشياء في الدنيا معرفة الحق عز وجل. فمن العارفين السالكين من وافى في طريقه بغيته في السفر، ومنهم من همته متعلقة بطلب ربحه، ومنهم من ينظر إلى ما يرضي الحبيب فيجلبه إلى بلد المعاملة، ويرضى بالقبول ثمنا، ويرى أن كل البضائع لا تفي بحق الحفاوة. ومنهم من يرى لزوم الشكر في اختيار هذا السلوك دون غيره فيقر بالعجز.

نعم إن التعرف على الله من أعلى المنازل وأرفعها، ولن تصلح القلوب إلا بمعرفة الله تعالى، جاء في بعض كتب السالكين ان احد العرفاء قال لرجل: داو قلبك فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم يعني أن مراده منهم ومطلوبه صلاح قلوبهم فلا صلاح للقلوب حتى يستقر فيها معرفة الله وعظمته ومحبته وخشيته ومهابته ورجاؤه والتوكل عليه ويمتلئ من ذلك. وهذا هو حقيقة التوحيد وهو معنى قول لا إله إلا الله، فلا صلاح للقلوب حتى يكون إلهها الذي تألهه وتعرفه وتحبه وتخشاه هو إله واحد لا شريك له ولو كان في السموات والأرض إله يؤله سوى الله لفسدت بذلك السموات والأرض كما قال تعالى: لوكان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا. فعلم بذلك أنه لا صلاح للعالم العلوي والسفلي معا حتى تكون حركات أهلها كلها لله وحركات الجسد تابعة لحركات القلب وإرادته فإن كانت حركته وإرادته لله وحده فقد صلح وصلحت حركات الجسد كله وإن كانت حركة القلب وإراداته لغير الله فسد وفسدت حركات الجسد بحسب فساد حركة القلب.

واقول لاخوتي الاحباب: إن معرفة الله بأسمائه وصفاته من أجل العلوم فهذا العلم أشرف العلوم وأجلها على الإطلاق فالاشتغال بفهمه والبحث التام عنه اشتغال بأعلى المطالب وحصوله للعبد من أشرف المواهب فمعرفة الله تعالى تدعو إلى محبته وخشيته وخوفه ورجائه وإخلاص العمل له وهذا عين سعادة العبد. وجاء في تفسير قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. مآ أريد منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) ايات 56-58 سورة الذاريات. جاء: هذه الغاية التي خلق الله الجن والإنس لها وبعث جميع الرسل يدعون إليها وهي عبادته المتضمنة لمعرفته ومحبته والإنابة إليه والإقبال عليه والإعراض عما سواه وذلك متوقف على معرفة الله تعالى، فإن تمام العبادة متوقف على المعرفة بالله بل كلما ازداد العبد معرفة بربه كانت عبادته أكمل. وكلما ازداد الانسان معرفة بربه ازداد إيمانه وكلما نقص نقص وأقرب طريق يوصله إلى ذلك تدبر صفاته وأسمائه من القرآن والطريق في ذلك إذا مر به اسم من أسماء الله أثبت له ذلك المعنى وكماله وعمومه ونزهه عما يضاد ذلك.

 

ثانيا: معرفة الرسول:

إن أعظم الناس معرفة بالله هم رسل الله ومن هنا فهم أكمل الناس عبادة وطاعة لله رب العالمين. واكملهم واعظمهم وسيدهم هو ابو القاسم محمد بن عبد الله. لذلك اصبح اصل العرفان بعد معرفة الرحمان هو معرفة خاتم الانبياء وسيد المرسلين نبينا محمد صلوات الله عليه وعلى آله الطاهرين وصحبه المخلصين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. من أرسله الله رحمة للعالمين، حتى أتاه اليقين، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. بعد هذه المقدمة دعونا الآن نبحر لنغوص في أعماق السنة النبوية لنستقي شيئا يسيراً من درر تلك السيرة العطرة على صاحبها واله أفضل الصلاة والتسليم، تبين معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بربه، انه كان صلى الله عليه واله وسلم كثير الذكر لربه سبحانه، يذكر الله قائماً وقاعداً وعلى جنب، يذكر الله وهو مستشعر لمن يذكر، وهو من غفر له ما تقدم له من ذنبه ويقسم ويقول والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة. ونتعلم من الرسول أنواع الذكر وكلها دالة على توحيد الله وتعظيمه فلاإله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله واستغفر الله والشكر لله. وغيرها من الأذكار تجعل في قلب المسلم وعلى لسانه ذكر لصفات الله وأسمائه وأفعاله وتقديسه عن النقائص. إن ذكر الله بالقلب واللسان هو الذكر الذي يثمر معرفة الله ومحبته وكثرة ثوابه كما قال تعالى: “فاذكروني أذكركم”. لقد تعرف النبي صلى الله عليه واله وسلم على ربه من خلال التفكر في آياته المتلوة أيضاً في القرآن العظيم، فإذا وقف صلى الله عليه واله وسلم أمام ربه في صلاته وجدت الخشوع والخضوع والتدبر في أتم وجوهه وأرفع منازله يتلوا الآيات يرتلها ترتيلاً. قال الله تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه واله وسلم: “تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق” وقد أشار جل وعلا لنبيه صلى الله عليه واله وسلم إلى آيات هذا القرآن العظيم وبين لنبيه أنه يتلوها عليه مترابطة ومتلازمة بالحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وكما قال بعض العرفاء: فلا طريق إلى معرفة الله وإلي الوصول إلى رضوانه والفوز بقربه ومجاورته في الآخرة إلا بالعلم النافع الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه فهو الدليل عليه وبه يهتدى في ظلمات الجهل والشبهة والشكوك ولهذا سمي الله كتابه نورا يهتدي به في الظلمات وقال الله تعالى: “قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم”.

ومن عبادة النبي صلى الله عليه واله وسلم نتعرف الكمال والاتقان، وتمام المعرفة بالله الرحمن. لقد كانت العبادة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عبادة الله تعالى تعني السكينة والطمأنينة والحب والذوبان في المعبود، كان يقول لمؤذنه بلال الحبشي رضي الله عنه أرحنا بالصلاة، وكان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، فمعرفة النبي صلى الله عليه وسلم بربه هي التي جعلته يتلذذ بالعبادة ومناجاة ربه سبحانه وتعالى.

وإذا غُرست شجرة المحبة فى القلب وسُقيت بماء الإخلاص ومتابعة سيد الناس أثمرت كل أنواع الثمار وأتت أُكلها كل حين بإذن ربها، فهى شجرة أصلها ثابت فى قرار قلب المؤمن وفرعها متصل بسدرة المنتهى. فإذا نطق العبد بالشهادتين ووحد الله والتزم بسفينة النجاة والعروة الوثقى فإنه قد بذر بذرة الإيمان فإما أن يتعهدها لتصبح شجرة كبيرة، او يهملها لتموت فى الحال. فالإيمان تصديق بالجنان، وتلفظ باللسان، وعمل بالأركان، يزداد بالطاعات وينقص بالعصيان

ثالثا: اهل البيت هم معالم الطريق:

كما اريد ان اقول ان المسلك عند من عرف الحق مجسدا باهل بيت النبوة هو العرفان وحاول بعض الاحباب ان يسلك نفس الشئ ونفس الطريق ونفس السلوك فسماه التصوف وخلط به اشياء اشتبكت مع الشطحات وان كانت مخلصة في عوالم النيات فسعوا للهدف نفسه مع اختلافات في الشكليات. وقد بالغ قوم في التشكيك بهم ودافع قوم من سادة العلماء عنهم. فها هو الإمام السيد الخميني يقول مدافعا عن التصوف في كتابه سر الصلاة وحذر من اعتبار ما سيقوله في كتابه عن الصلاة من أن ينعت بأنه من التصوف المخالف فحلف بالله قائلا ما معناه:” أقسم بروح الحبيب أن الذي” جاء به الصوفية.الخ هو من مشكاة النبوة الصافية”. وهذا التخوف الذي عند بعض العوام لا محل له عند خواصهم من العلماء العارفين بالله. هو أنهم يتصورون التصوف انه من صنع مذاهب لا صلة لها باهل البيت، وهو وهم وخوف غير مبرر لأن التصوف غير البدعي وبما يعنيه من معرفة الله والزهد في الدنيا ومواصلة البحث في طريق الحق حتى اليقين خرج من عيبات علم آل البيت النبوي وهو محصور فيهم منذ أن خرج حيث أن أقطاب التصوف من ذوي الطرق معظمهم من ابناء اهل بيت النبوة خاصة ومن العلماء العاملين في حمل الشريعة والعمل للحقيقة. وسلسلة الطرق الصوفية في العالم السني كلها ترجع إلى الإمام علي عليه السلام وكرم الله وجهه. فمنها من يرجع إليه من طريق الحسن السبط عليه السلام ومنها من طريق الحسين الشهيد عليه السلام.

ولا عبرة بالكذب والوضع والتحريف الذي انتهجه أعداء آل البيت وعلماء بلاط الامويين في تشويه الصورة، فالفضل محصور في آل البيت الشريف وليس هناك إذن في الأرشاد والتربية الروحية إلا لمن خرج من هذا البطن المطهر او حاز درجة عليا في العرفان. خذ مثالا الشيخ ابو يزيد البسطامي الذي قال عنه الشيخ عبد القادر الجيلاني: ” ما سبقت الشيخ ابو يزيد إلا بشيئين: “الاول أنا شريف وهو ليس كذلك. والثاني أنني تزوجت وهو لم يتزوج”. ومثالا اخر هو الشيخ الاكبر ابن عربي الحاتمي الطائي والذي كان قمة في المعرفة وأذن له في كتابة الفتوحات ان يظهر شيئا من الامر ولكنه لم تكن له طريقة إرشاد وسلوك معروفة. وقد سُؤل الإمام الخميني هل ابن عربي شيعي أم سني؟ فقال لهم:”هو فوق السنة وفوق الشيعة.” أي أنه فوق المذاهب لأن التصوف ليس محصورا في مذهب معين بل الله يصطفي من عباده من يشاء من أي مذهب. ومن هذا المنطلق نفهم ان الطريق للوصول للحق او التصوف او العرفان هو حالة في الروح الانسانية فوق المذاهب الفقهية ويأخذ الحكمة الإلهية أنّى وجدها.

وليعلم قارئي الكريم ان الايمان الحق هو ما اقترن بحب اهل البيت عليهم السلام، وليتأمل بالاحاديث النيرات من خزائن علم اهل البيت. عن رسول الله صلى الله عليه وآله: منْ منَّ الله عليه بمعرفة أهل بيتي وولايتهم فقد جمع الله له الخير كله. فان اراد الواصلون الطريق الاصوب فإن أهل البيت هم صراط الله المستقيم ذلك أن معرفتهم بالله معرفة تامّة كاملة وهم يعون جيداً ما يريده الحق تعالى، وهم المفتاح إلى فهم الآيات والمفردات القرآنية التي تحتاج من يفك رموزها ويدرك مراميها ومعانيها. وبوجودهم يمكن فهم كل ما يطلبه الله وإدراك كلام الله، وبقواهم الروحية المعنوية وهدايتهم وإرشادهم يمكن للإنسان أن يبلغ رضا الله سبحانه ولقاء الحق والوصول إلى مقام القرب الإلهي. وقد جاء عن احد اصحاب الأمام الصادق قال: سألت أبا عبدالله الصادق: عن الصراط، فقال: “هو الطريق إلى معرفة الله عز وجل”. واضاف قائلاً: “وهما صراطان: صراط في الدنيا وصراط في الآخرة، فأما الصراط في الدنيا فهو الإمام المفترض الطاعة ومن عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مرّ على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة، ومن لم يعرفه في الدنيا زلّت قدمه عن الصراط في الآخرة فتردى في نار جهنم”.

أن العارف بالله المطهر من كل لوث ظاهري وباطني لا يفكر بغير الله ولا يذكر ولا يسبح إلا الله عز وجل وهو يضع الله سبحانه نصب عينيه في كل شؤون حياته ولا يخطو خطوة إلا في سبيل الله عز وجل. وهو لا يخشى أحداً إلا الله ولا يلتفت لأحد غير الله ولا يعبد إلا الله. إن العارف بالله يعتبر نفسه ملكاً ومملوكاً للحق، وأنه لا مالك حقيقي إلا هو سبحانه.

إنّ أهل البيت هم الوسيلة للقرب من الله لقد عصمهم الله من الخطأ والزلل وطهرهم من الرجس تطهيراً وجعلهم لنا قادة وهداة ومن خلال إيمانهم العميق بالله وهيامهم بالحق تعالى، ندرك معنى: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وأنه ليس في الديار غيره ديّار.

إن أهل البيت الذين هم الصراط المستقيم والتجلّي الكامل لطريق الحق، قد اتخذوا في عرفان الحقيقة وحقيقة العرفان، إنّهم لا يرون في دار الوجود شيئاً غير الله سبحانه وهم لا يتبعون أمراً من غير الله ولا يعبدون أحداً إلا الله ولا يتوكلون على أحد إلا الله، ولهذا أصبحوا بإذن الله طريقاً للفيض الإلهي عن العالمين، فكل من تمسك بهم ستصيبه رشحة من الفيض الرباني وتسطع عليه الأنوار الإلهية. ان علماء السوء الذين انقادوا لاهوائهم وحاربوا امامهم  سلب الله منهم علمهم وقصة بلعام من القصص الخطبرة والتحذيرات الرهيبة لكل من حصل على شيئ من العلم حتى اذا كان كبيرا، فمولاة ولي الله، هي الضمان باستمرار العلم ونمائه اما الانحراف عنه ففيها الهلاك والبوار.

رابعا: معرفة الله طريق عزة النفس:

ومما يقتضي ذكره في هذه التذكرة المختصرة من امور الطريق انه من أذل نفسه خسر الدنيا والآخرة. فاول درجات مراقي الكمال هو انه لا عيش في الدنيا إلا للقنوع بالسير، فإنه كلما زاد الحرص على الفضول زاد الهم، وتشتت القلب، واستعبد العبد. وأما القنوع فلا يحتاج إلى مخالطة من فوقه، ولا يبالي بمن هو مثل، إذ عنده ما عنده. وإن أقواما لم يقنعوا وطلبوا لذيذ العيش فأزروا بدينهم، وذلوا لغيرهم. لاسيما من كان من أرباب العلم ممن ترددوا إلى الأمراء والحكام فإستعبدوهم، وراوا المنكرات، فلم يقدروا على إنكارها، وربما مدحوا الظالم اتقاء لشره. فالذي نالهم من الذل وقلة الدين أضعاف ما نالوا من الدنيا. ومن أقبح الناس حالا من تعرض للقضاء والشهادة، خدمة لاهل الظلم والطغيان. دخل بعض الكبار على الرشيد ـ وقد أحضره ليوليه القضاء ـ فسلم الرجل على الرشيد وقال له: كيف أنت وكيف الصبيان؟ فقيل: هذا مجنون، فيا لله انه جنون هو العقل عندما يتذرع عاقل بالجنون ليبتعد عن الطواغيت!!! وقصة بهلول بن عمرو الصيرفي الكوفي رحمه الله، في رفض القضاء معروفة. وقالوا أن بلعام بن باعوراء كان حبراً من أحبار بنى اسرائيل فى زمن النبى موسى عليه السلام.. وإنه قد تلقى العلم.. علم التوراة على يدى نبى الله موسىعليه السلام، وإن موسى عليه السلام هو الذى رباه وعلمه، حتى صار من اعلم علماء بنى اسرائيل.. وقد بلغ بلعام من العلم درجة لم يبلغها إلا الانبياء والصديقون.. ومن غزارة علمه ومعرفته وتقواه، كان الالاف يتلقون عنه العلم فى مجلس واحد، وبكتبون كل ما يسمعونه منه.. وقالوا انه كان فى مجلسه اثنتا عشرة الف محبرة للمتعلمين الذين يتلقون ويكتبون عنه.. وقالوا إنه بلغ درجة من الهدى والتقى والنور والايمان وانه كان اذا نظر رأى عرش الرحمن من فوق سبع سموات، وهو قابع فى مكانه على الارض.. وقد قال الله تعالى عنه فى قرآنه الكريم (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ*وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * ) فقد اتاه الله تعالى أيات كثيرة، وليست أية واحده وهذا من نعم الله تعالى الكثيرة عليه. ومن آيات الله تعالى على بلعام انه كان طاهراً مجاب الدعوة.. وكان يعرف اسم الله تعالى الاعظم، الذى اذا دعى به اجاب، واذا سئل اعطى. ثم ضل بلعام بعد هدى وكفر بعد إيمان. وأيا كان بلعام بن باعوراء فإن ما يهمنا هو ان الله تعالى قد اتاه اياته، فانسلخ منها، وارتد الى الكفر والالحاد، بعد الهداية والايمان.ولو شاء الله تعالى لرفع ذلك البلعام الكافر المرتد بعد الايمان ولكنه سبحانه لم يشأ له الرفعة والعلو، لما يعلمه من حقارته ودنائته وسعيه وراء حطام الدنيا الزائل، والخلود الى الارض، والركون لها بعد ان كاد يلمس الثريا بعلمه وايمانه.لقد شبه الله تعالى بلعام فى دناءته وحقارته بالكلب فى أخس واحقر حالاته، وليس فى امانته ويقظته وحراسته وحبه لسيده وتفانيه فى خدمته، وفدائه له بنفسه، وانما شبه بالكلب فى تعبه ولهثه وشقاوته، فالكلب دائما وفى كل الحالات يلهث. وفى كل حالاته يخرج لسانه ويتنفس بصعوبة، سواء قسوت عليه وزجرته، ام ارحته وعطفت عليه.و بلعام بن باعوراء هو مثل لكل من اتاه الله تعالى اياته وعلمه العلم النافع، فترك العمل به، واتبع هواه، وآثر سخط الله تعالى على رضاه، ودنياه على اخراه ؛ ولذلك شبهه بالكلب.وليعلم الاخ القارئ الحبيب ان الكثير ممن حارب رسول الله وعلي بن ابي طالب والحسين الشهيد وبقية ائمة اهل البيت كان من العلماء الذين باعوا دينهم بدنياهم وتحولوا الى ادوات بيد الظالمين فعليهم لعنة الاولين والاخرين.

خامسا: اخترنا طريقنا ولكن لا نكفر غيرنا:

ان منهج الكدح للمعرفة والوصول لله ليس مذهبا في قبال المذاهب الاخرى، بل العرفان الحقيقي طريق من طرق العبادة عـبـادة لـلـحب والاخلاص، من دون الانحراف عن طريق الخوف والرجاء مع اهميتهما في عالم الوصول اليه عز وجل، الذين هما المدخل لطريق درك وفهم حقائق الاديان، في قبال طريق الظواهر الدينية وطريق التفكر العقلي. وفي كل الاديـان الالـهـية، وحتى الوثنية، فان فيها ولها اتباع يسلكون هذا الطريق في اديان تسمى غير سماوية وفي اليهودية والمسيحية والمجوسية والصابئية والاسلام، لها انصار واتباع وكل يسعى على مقدار ما عنده من الوسائل في طريق البحث الروحاني وفاز منهم من ركب بسفينة النجاة. وسفينة النجاة هم اهل بيت الرسول فاهل العرفان هم اهل البيت ومن تبعهم ببرهان وان صان سره عن الغرباء والغربان. وتبعهم في هذا الطريق شيوخ كبار هم من نشر الوعي والروح والمحبة بين الناس وبين المسلمين. ومن بين صحابة النبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم جاء ذكر ما يقارب من اثنى عشر الفا منهم في كتب الرجال يـنـفـرد الامام على عليه السلام من بينهم ببيانه البليغ عن حقائق العرفان، ومراحل الحياة المعنوية، اذ يحتوي على ذخائر جمة، ولم نجد مثيله في الاثار التي بايدينا من بقية الصحابة، واشهر اصحاب الامام علي عليه السلام وتـلاميذه سلمان الفارسي وابو ذر الغفاري وعمار بن ياسر وحذيفه بن اليمان وصعصعة بن صوحان واويس القرني وكميل بن زياد ورشيد الهجري وميثم التمار وقنبر الشهيد والعرفانيون عامة في الاسلام يجعلون هؤلا ائمة وهداة لهم. وظهر في الامة من اشتهر بالتصوف من قبيل: طاووس اليماني ومالك بن دينار وابراهيم بن الادهم وشقيق البلخي الذين ظهروا في القرن الثاني الهجري،وكانوا يعرفون بـالـزهـاد دون ان يتظاهروا بالعرفان والتصوف ولا يعرف بالضبط مدى ارتباطهم من الطبقة الاولى وان ادعوا التتلمذ عليهم. وهـنـاك طـائفـة ثـالـثة ظهرت في اواخر القرن الثاني واوائل القرن الثالث للهجرة مثل بايزيد الـبـسـطـانـي ومعروف الكرخي وجنيد البغدادي وغيرهم، الذين تظاهروا بالعرفان والتصوف، ولهم اقوال تدل على مدى المكاشفة والمشاهدة لديهم وهم مرتبطون بالطائفة الثانية، وان كانت اقوالهم تتصف بظاهرها الشديد، الا انها مما اثار عليهم بعض من الفقهاء والمتكلمين في دلك العصر، وسـبـبـت الـمـشاكل والفتن فادت الى ان يزج ببعضهم في السجون ويقدم بعضهم الاخر الى اعواد المشانق.

سادسا: الطرق الى الله بعدد انفاس الخلائق:

وبغض النظر عن الاديان والمذاهب والطرق واسماء الشيوخ فهناك قول ينص على “إنّ الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق” وعلى الرغم من المزالق التي قد ينزلق بها البعض في تفسير هذا القول، فاننا نفهم هذا القول على ان ابواب رحمة الله واسعة مشرعة لدخول المريدين ولا نفهمه على انه انفلات عن طريق الصادقين او التعلق باوهام المتوهمين فبعد سورتي الفاتحة والاخلاص اتضح الوهم من اليقين وبانت العروة الوثقى. ونقول في هذا المجال نعم ان الطرق بعدد انفاس الخلائق فالوسائل التي تقرب الإنسان إلى الله عز وجل لا تعد ولا تحصى وهي بعدد انفاس الخلائق بل تزيد. منطلقين من قوله تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) 35 سورة المائدة

ونرى ذلك ينطبق على حالات كثيرة منها: ان يساعد الحاكم او الامير الذي بيده مقاليد البلاد، من الثروات والوظائف والمشروعات فيمد بيده الى المحتاجين من العباد من إنسان في أمس الحاجة إلى عمل جراحي، او الى وظيفة او ان يعين الرجل زوجته فتشعر بسعادة لا توصف. إذا أطعمت هرة هذا العمل وسيلة، إذا سقيت كلباً عطشان ففي ذلك اجر، وروي ان امرأة بغي سقت كلباً كاد يأكل الثرى من العطش فغفر الله لها. فالطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، تبدأ من البيت، وفي الطريق فلو أمطت الأذى عن المسلمين او عموم الناس في الطريق قبِل الله هذا العمل وكافأك عليه، لو ربيت اولادك، لو نصحت المسلمين وكل الناس، لو قلت كلمة الحق امام الظلمين فانت ممن سلك احد الابواب المشرعة الى الله. لو أديت الواجبات بالتمام والكمال وكنت أباً كاملاً، لو كنت زوجاً يؤدي حق الزوجية، لو كنت موظفاً مخلصاً، لو كنت تاجراً صدوقاً، لو كنت معلماً ناصحاً، لو كنت طبيباً مخلصاً، محامياً صادقاً، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق. ان حجم الإنسان عند ربه مرتبط بحجم عمله الصالح. إنسان يبني مسجداً، إنسان يهيئ لهذا المسجد الأثاث، إنسان يدعو إلى الله، إنسان ينشئ ميتماً، إنسان ينشئ معهداً لنشر الثقافة والعلم والدين والسلام والسعادة، إنسان ينشئ مستشفى، إنسان يرعى الأرامل، إنسان يهتم بالأيتام، إنسان يتكلم الصدق، إنسان ينصح، إنسان يسلك إلى الله، كل ذلك من الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق.

صحبة الصالحين أحد أكبر الوسائل التي تقرب الإنسان من الله وهي أحد أكبر هذه الوسائل، لان الإنسان ابن بيئته، ابن محيطه، ابن مجتمعه، ابن أصدقائه، من هنا قال الله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ) سورة التوبة. وقال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هو اهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) سورة الكهف. ويكمله محبة اولياء الله واحبائه والتبرئ من اعدائهم.

اذا دخلت إلى البيت فسلمت على أهل البيت، وحملت اولادك واحداً واحداً، قبلتهم، عمل صالح، واذا سلمت على زوجتك، شكرت لها نظافة البيت وإعداد الطعام وسيلة اخرى في الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، اذا رأى المرؤ إنساناً فقيراً لكنه مستقيم فيحترمه، ويبجله، ويكرمه، ويرى إنساناً بنى ثروته على أنقاض الناس، بنى عزه على ذلهم، بنى غناه على فقرهم، لا يعبأ به، من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه هذا من الطرق الى الله.

سابع: العرفان هو طريق مقارعة الطغيان:

الحسين واليوم يوم اربعين الحسين (12/12/2014 اربعين الامام الحسين اي اليوم الذي وصل الامام علي بن الحسين حاملا لرؤوس الشهداء لدفنها في كربلاء مع اجسادها الطاهرة) احد مشاعل الطريق المنيرة للسالكين وهو حبيب كل المظلومين. نقل ابو نعيم الأصبهاني في (الْحِلْيَةِ) فقال رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ‏ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ الْقَوْمُ بِالْحُسَيْنِ وَأَيْقَنَ أَنَّهُمْ قَاتِلُوهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: (قَدْ نَزَلَ مَا تَرَوْنَ مِنَ الْأَمْرِ، وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَغَيَّرَتْ‏ وَتَنَكَّرَتْ، وَأَدْبَرَ مَعْرُوفُهَا، وَاسْتَمَرَّتْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ، وَإِلَّا خَسِيسُ عَيْشٍ كَالْمَرْعَى الْوَبِيلِ، أَلَا تَرَوْنَ الْحَقَّ لَا يُعْمَلُ بِهِ، وَالْبَاطِلَ لَا يُتَنَاهَى عَنْهُ، لِيَرْغَبَ الْمُؤْمِنُ فِي لِقَاءِ اللَّهِ، وَإِنِّي لَا أَرَى الْمَوْتَ إِلَّا سَعَادَةً، وَالْحَيَاةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَماً). وَقَالَ عليه السلام:‏ (مَوْتٌ فِي عِزٍّ خَيْرٌ مِنْ حَيَاةٍ فِي ذُلٍّ)، وَأَنْشَأَ الإمام الحسين عليه السلام يَوْمَ قُتِلَ‏:

الْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الْعَارِ

وَالْعَارُ اولى مِنْ دُخُولِ النَّارِ

وَاللَّهِ مَا هَذَا وهَذَا جَارِي

قال عليه السلام: (اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَا كَانَ مِنَّا تَنَافُساً فِي سُلْطَانٍ، وَلَا الْتِمَاساً مِنْ‏ فُضُولِ‏ الْحُطَامِ‏، وَلَكِنْ لِنُرِيَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ، وَنُظْهِرَ الْإِصْلَاحَ فِي بِلَادِكَ، وَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ، وَيُعْمَلَ بِفَرَائِضِكَ، وَسُنَنِكَ، وَأَحْكَامِكَ ؛ فَإِنْ لَمْ تَنْصُرُونَا وَتُنْصِفُونَا قَوِيَ الظَّلَمَةُ عَلَيْكُمْ، وَعَمِلُوا فِي إِطْفَاءِ نُورِ نَبِيِّكُمْ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْهِ أَنَبْنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِير). وقال الإمام الحسين عليه السلام: (من رأى سلطانا جائرا مستحلّا لحرم اللّه؛ ناكثا لعهد اللّه؛ مخالفا لسنّة رسول اللّه؛ يعمل في عباد اللّه بالإثم والعدوان فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقّا على اللّه أن يدخله مدخله، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، واظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفي‏ء، وأحلّوا حرام اللّه، وحرّموا حلال اللّه، وأنا أحقّ من غيّر). وهو القائل مُتَمَثِّلًا لَمَّا قَصَدَ الطَّفَّ:

سَأَمْضِي فَمَا بِالْمَوْتِ عَارٌ عَلَى الْفَتَى***إِذَا مَا نَوَى خَيْراً وَجَاهَدَ مُسْلِماً

وَوَاسَى الرِّجَالَ الصَّالِحِينَ بِنَفْسِهِ***وَفَارَقَ مَذْمُوماً وَخَالَفَ مُجْرِماً

أُقَدِّمُ نَفْسِي لَا أُرِيدُ بَقَاءَهَا***لِنَلْقَى خَمِيساً فِي الْهِيَاجِ عَرَمْرَماً

فَإِنْ عِشْتُ لَمْ أُذْمَمْ وَإِنْ مِتُّ لَمْ أُلَمْ***كَفَى بِكَ ذُلًّا أَنْ تَعِيشَ فَتُرْغَمَا

 قِيلَ‏ لَهُ‏ يَوْمَ‏ الطَّفِ‏ انْزِلْ عَلَى حُكْمِ بَنِي عَمِّكَ. قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أُعْطِيكُمْ بِيَدِي إِعْطَاءَ الذَّلِيلِ وَلَا أَفِرُّ فِرَارَ الْعَبِيدِ ثُمَّ نَادَى يَا عِبَادَ اللَّهِ‏ (إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ‏).

ومما يجدر ذكره في هذا المقام هو التنافر والتناقض والاحتراب بين الظلم وبين العرفان ومن تتبعي لتاريخ الثوار وتاريخ العارفين وجدت اقترانا كبيرا بينهما. ومن اهم صفات من يتزيا بزي العرفاء نفاقا انه يقف دائما ضد الثوار. وهل اتاك حديث ثورة السربداران في ايران ضد ظلم المغول فقد كان قادتها من اهل الطريق والعارفين لكنهم كانوا من فقهاء مدرسة اهل البيت وكانوا ثائرين. واقول لك يا اخي في الله وللاخوة القراء ما قاله ابن الجوزي مع شيئ من التغير بما يناسب المقام: طال تعجبي من مؤمن بالله عز وجل، مؤمن بجزائه، يؤثر خدمة السلطان الظالم مع ما يرى منه من الجور الظاهر. فوا عجبا ما الذي يعجبه؟ إن كان الذي يعجبه دنيونا فليس ثم إلا أن يصاح بين يديه بسم الله وأن يتصدر في المجالس ويلوي عنقه كبرا على النظراء، ويأخذ الأسحات وهو يعلم من أين حصل، وربما انبسط في البرطيل. ثم يقابل هذا أن يصادر ويعزل، فتستخرج منه تلك المرارة منه كل حلاوة كانت في الولاية. وربما كان قريب الحال فإفتقر بالمصادرة جدا، ثم تنطلق الألسن المادحة بالذم. ثم لو سلم من هذا فإنه لا يسلم من الرقيب لهو الحذر منه، فهو كراكب البحر إن سلم بدنه من الغرق لم يسلم من الخوف. وإن كان دينا فإنه يعلم أنهم لا يمكنونه في الغالب من العمل بمقتضى الدين فإنهم يأمرونه بترك ما يجب وفعل ما لا يجوز، فيذهب دينه على البارد. ولعقاب الآخرة أشق.

ثامنا: وختاما فان النفس امآرة بالسوء:

واضافة لهذا وذاك احب ان اضيف فصلا اخر للحديث عن طريق الوصول والبحث عن الحقيقة وهو ما عرفه العرفاء والعارفين ذاك هو ان جواذب الطبع الى الدنيا كثيرة، ثم هي من الداخل، وذكر الآخرة أمر خارج عن الطبع من الخارج وربما ظن من لا علم له أن جواذب الآخرة أقوى، لما يسمع من الوعيد في القرآن، وليس كذلك، لأن مثل الطبع في ميله إلى الدنيا، كالماء الجاري فإنه يطلب الهبوط، وإنما رفعه إلى فوق يحتاج إلى التكلف.

وهذا هو جواب المذنب الغارق بذنوبه العبد السيد علاء الجوادي مستعينا بالرب الستار الغفار الهادي عن التصوف او العرفان او المنهج الذي أتبّناه في فكري وهي كما مر في الجواب المفصل منهج حياة.

ولكني اريد ان اصدقك القول ايتها الاديبة الاكاديمية المهذبة ان هناك احباط من الواقع واغتراب عنه قد يجعل لجوئي الى مصطلحات وافاق المتصوفة والعرفاء في شعري وقصصي وكتاباتي الادبي نحوا من انحاء ردّة فعل تجاه الحياة التي نمر بها وتمر بها امتنا ويمر بها الانسان في هذا العالم القاسي الذي نزا به اللئام على مقاليد الامور، وقتل او اسكت به الكرام عن مباح الكلام.

من جهة اخرى اوافقك ان اشعار واداب الصوفيين تزود الشاعر والاديب بزخم قوي ومتواصل من الادوات الفنيّة ألابداعية!!! كان الشعر مرتبطا برجالات التصوف اذ عبروا به عن أنفسهم، وطرقهم، وحبهم الإلهي علنا، اختاروا هذا الفن الأدبي الرفيع حتى يكون وسيلتهم في نشر التصوف وأصوله. ومنذ فجر التصوف وحتى اليوم، يتخذ الصوفية من الشعر قالباً للتعبير عن المحبة التي تعني عندهم طريق الوصول إلى الله تعالى. وهناك اصطلاحات صوفية تشير إلى هذه المعاني، كالصفاء وهو عند الصوفية يقصد به التوحيد الخالص الذي أقرت به كل الأرواح قبل خلق الأجساد. وهناك رموز صوفية كالخمر مثلاً ويقصد بها أنوار الله والسكر ويقصد به سكر الأرواح. وهناك ما يعرف عند الصوفية بتجلي الأسماء الإلهية، وهي حالة من الترقي الصوفي تكون بعد الفناء التام. الشعر الصوفي ليس ادعاءات وتحذلق بالالفاظ بل هو الحب الالهي وهو أكثر ما يميز به شعر الصوفيين، ويجعل من أشعارهم قصائد نورانية تخلب الالباب، وتستحوذ على الفؤاد. فالحب الصوفي يتخذ فيه الشاعر من الذات الإلهية موضوعا يدور حوله، وفيه يصف الحب ولذته، وما يجده من لوعة وأسى أو قرب ووصال. وكذلك ما يمر به في تصوفه من مقامات وأحوال، ومجاهدة مستمرة للنفس، وما يتعرض له من فيض رباني، والهام قلبي، وسمو روحي.

والانثى وجمالها ووصالها ودلالها تشكل محورا من محاور الادآب الصوفية، وقد ينفلت الشاعر الصوفي مع عالمه النسوي، ولكنه شعر بعيد عن اللذائذ الحسية بل هو وجدان وأشواق كما قال أحمد بن محمد بن عجيبة الحسني، في كتابه إيقاظ الهمم. وحسب ابن عربي فأن “المرأة صورة النفس، والرجل صورة الروح، فكما أن النفس جزء من الروح، فإن التعين النفسي أحد التعينات الداخلة تحت التعين الأول الروحي الذي هو آدام الحقيقي، وتنزل من تنزلاته، فالمرأة في الحقيقة جزء من الرجل، وكل جزء دليل على أصله، فالمرأة دليل على الرجل”. إن الشوق والحنين والتعلق والافتتان التي تظهر في أدآب الصوفي إلى المرأة التي تحول خيالها مدرجا للحلم وللخيال الخلاق، وهو الخيال الذي شكل المرأة من الجواهر المكومة في تجارب الغزل، خاصة منه العذري، يقول ابن الفارض في إحدى مقاماته العشقية:

من لي بإتلاف روحي في هوى رشــإ***حلو الشمائل بالأرواح ممتـــزج

من مات فيــه غرامـا عاش مرتقيــا***ما بين أهل الهوى، في أرفع الدرج

محجب، لو سرى فـي مثل طرتــــه***أغنته غرته الغرا عن الســـرج

وإن ضللت بليــل مـن ذوائـبـــه***أهدى لعيني الهدى صبح من البلج

وإن تنفس قــال الـمسك معترفـــا***لعارفي طيبه، من نشره أرجــى

وابن عربي، يتابع بدقة معالم الأنوثة في المرأة، ذائبا بأنوثتها اسمعيه وهو يقول:

لؤلؤة مكنونة في صــدف***من شعر مثل سواد السبــــج

لؤلؤة غواصها الفكر فمــا***تنفـك في أغوار تلك اللجـــج

الحقيقة أن العلاقة بين المتصوف والمرأة تبدو أكبر وأشمل وأعمق من التصورات الاولية الجسدية البحتة، فالمرأة ارتبطت بالخلق والتكوين الانساني وبداية انطلاق البشرية، يقول ابن عربي: “وعمر الله الموضع من آدم الذي خرجت منه حواء بالشهوة إليها إذ لا يبقى في الوجود خلاء، فلما عمره بالهواء حن إليها حنينه إلى نفسه”. والحنين هو الميثاق الذي يربط الرجل بالمرأة في العرف الصوفي، ويجمع بينهما، وهو حنين ينزع إليها لا باعتبارها ذاتا، ولكن باعتبارها الجزء المفتقد من الإنسان الكامل، كما كانه الإنسان الأرضي، ولذلك فقد دخلت المرأة مع الرجل في علاقته الفاعلية والانفعال. لذلك ترين ابن الفارض قدم نفسه ووجوده هدية للمحبوبة المرأة التي اسكرت وسلبت لبه وتألقت في عالم كشفه بسحرها وعطرها وغنجها وغيابه عنها يقول:

أهفو إلى كل قلب بالغرام لـــــــــــه***شغل وكل لسان بالهوى لهـــــــــج

وكل سمح من اللاحي به صمــــــــم***وكل جفن إلى الإغفاء لم يهــــــــــج

لا كان وجد به الآماق جامـــــــــدة***ولا غرام به الأشواق لم تهــــــــــــج

عذب بما شئت غير البعد عنك تجد***أوفى محب بما يرضيك مبتهــــــــج

وخذ بقية ما أبقيت من رمـــــــق***لا خير في الحب إن أبقى على المهج

الانثى عند الصوفي تتجلى مجسدة الحب الإلهي الذي يحيل إلى تجلي العلو في الصورة المادية.

 هل ترى أنّ هناك منهج فكريّ خالص في الوقت الحاضر نستطيع أن نسمّيه الفكر الصوفيّ؟

 كلا لا يوجد منهج فكريّ خالص في الوقت الحاضر او في الماضي نستطيع أن نسمّيه الفكر الصوفيّ، بل وحتى في المستقبل فعالم التصوف والعرفان هو عالم مرتبط بتجارب الانسان الروحية ومتأثر بالصراع الاجتماعي والسياسي والثقافي في المجتمعات ولا يمكن لكل ذلك ان يجمع بمدرسة واحدة بل هو الانفلات من قيود الحدود للتحليق في اجواء غير متناهية بحدود مدارس او قيود، انها الانطلاقة، وبعد ذلك لا تسأل باي اتجاه ستكون. ولكن هناك افاقا معرفية وقد يقال لها تصوفية يمكن ان نعتبرها تصب بالمنهج الفكري بافقه العام من دون ان نستطيع ان نصفها منهجا فكريا خالصا للفكر الصوفي وسأقتبس لكِ نماذج متناثرة تقع بشكل او اخر بالمنهج الذي اشرتي اليه في سؤالك. ولكن هناك افاقا روحانية وصوفية وعرفانية جميلة يمكن اعتبارها روافد للتيار العام، ولي مجموعة من الاقوال اقدمها في معرض الاجابة عن السؤال.

O فمن ذلك تراث الشاعر المتصوف الكبير جلال الدين الرومي، تأمل اقواله:

وحدي. عند أعتابك أبقى كالغبار، واﻵخرون يأتون كالريح ويمضون!!!

اذا فاتك أن تكون محبوبا، فلا يفتك يا عزيزي أن تكون محبا، إن لم يكن من حظك أن تكون يوسف، فمن يمنعك من أن تكون يعقوب؟

إن قلبك هذا أكبر من البحار السبع، لا تتعجب! فقط إذهب وإلتمس ذاتك في أعماقه.

الوحدة تعني أن تكون وحيدًا. أما الخلوة فهي تعني أن تكون وحدك دون أن تشعر بأنك وحيد.

استمع الى هذا الناي ياخذ في الشكاية. ومن الفرقات يمضي في الحكاية

O واسمع لشهاب الدين السهروردي المعروف بالصوفي القتيل، نسبة إلى مقتله بأمر من صلاح الدين الأيوبي بعد أن اتهمه عدد من خصومه من علماء حلب بالكفر والخروج على السنة. وقد حاول البعض ومنهم ابن صلاح الدين الملك الغازي انقاذه، نظراً لما يجمعهم به من صداقة، دون جدوى، حيث أصر خصوم السهروردي على تنفيذ أمر القتل، وهكذا لقي حتفه، اسمعه وهو يقول في بوحه:

أَبداً تَحنُّ إِلَيكُمُ الأَرواحُ***وَوِصالُكُم رَيحانُها وَالراحُ

وَقُلوبُ أَهلِ وِدادكم تَشتاقُكُم***وَإِلى لَذيذ لقائكم تَرتاحُ

وَا رَحمةً للعاشِقينَ تَكلّفوا***سرّ المَحبّةِ وَالهَوى فَضّاحُ

أهل الهوى قسمان: قسم منهمو***كتموا، وقسمٌ بالمحبة باحوا

فالباحئون بسرهم شربوا الهوى***صرفاً فهزهموا الغرام فباحوا

والكاتمون لسرهم شربوا الهوى***ممزوجةً فحَمتْهمو الأقداحُ

بِالسرِّ إِن باحوا تُباحُ دِماؤُهم***وَكَذا دِماءُ العاشِقينَ تُباحُ

وَإِذا هُم كَتَموا تَحَدّث عَنهُم***عِندَ الوشاةِ المَدمعُ السَفّاحُ

أَحبابنا ماذا الَّذي أَفسدتمُ***بِجفائكم غَير الفَسادِ صَلاحُ

عودوا بِنورِ الوَصلِ مِن غَسَق الدُّجى***فَالهَجرُ لَيلٌ وَالوصالُ صَباحُ

صافاهُمُ فَصَفوا لَهُ فَقُلوبهم***في نُورِها المِشكاةُ وَالمِصباحُ

وَتَمَتّعوا فَالوَقتُ طابَ لِقُربِكُم***راقَ الشّراب وَرَقّتِ الأَقداحُ

يا صاحِ لَيسَ عَلى المُحبِّ مَلامَةٌ***إِن لاحَ في أُفق الوِصالِ صَباحُ

لا ذَنبَ لِلعُشّاقِ إِن غَلَبَ الهَوى***كِتمانَهُم فَنما الغَرامُ فَباحوا

O وتأمل في اقوال الشاعر الصوفي الجامي في يوسف وزليخا:

“كـُلنـا جمـيعـًا مـثل زُلـيخـا عـبيـد لما نــرى وكـلـنـا ضـحـايـا للمظــاهـر.فـإذا لم تـطل الـحـقيقــة من وراء المـظـاهر فـكـيف للقـلب المـخلـص أن يصـل إليها؟ فعـندما يـمــد ظـمآن يـدهُ إلى إبريق مـاء فإن ذلـلك بسـبب معرفـتة الأكـيدة بأنـه يحتوي على المـاء، ولكـنه حين يـغرق في امواج شفافة من ميـاه المحيط فإنه لن يـفكـر بذلـلك الإبريـق الكـامد ذي القـطـرات الشـحيـحة على الإطلاق!”

O او بقول العطار في منطق الطير:

أهل الصورة غرقى بحار كلامي، وأهل المعنى رجال أسراري.

يا خفياً في الروح وأنت خارجها، إن كل ما أقوله ليس أنت، وهو أنت أيضاً. ما تقوله، ما تعرفه، كله نابع منك، اعرف نفسك فقط، لأن هذا الأمر أكبر مائة مرة منك.

انثروا الأرواح وسيروا في الطريق. وامضوا قدماً نحو تلك الأعتاب، فلنا ملك بلا ريب يقيم خلف جبل اسمه قاف. إنه السيمرغ “ملك الطيور”. بعيدون عنه وهو قريب. تارجٌ للشجرة الشاهقة.

ليس قطراً هذا الطريق، لكن أين الجَسور الشجاع الذي يقدر.

“ما اجمل جرأة الوالهين وما اجملهم وهم كفراشات يحترقون ولكن لن يستطيع هؤلاء ادراك الطريق ومعرفة اهو حسن ام سئ إلا اذا انعم عليهم ذو العرش بالتوفيق”

O وفي باب القصص العرفاني، يروى ان احد العرفاء العراقيين في هذا الزمان وهو السيد هاشم الحداد قدس الله سره مع جمع من مريديه مروا علي المقبرة فراوا قبراً مكتوباً عليه (قد خسر الدنيا والآخرة) فأكب السيد هاشم الحداد عليه يقبل ترابه ويبكي!! فقيل له: لمَ صنعت هذا الصنيع بهذا القبر الذي صاحبة قد خسر الدنيا والاخرة؟! فقال السيد: (انــه قـــد خـــسر الدنـــيــا والآخـــرة لكنـــة ربــح الله تعالى)، هكذا يتاول العارفون اقوال العباد

O ويقول الشيخ العارف حسين قلي الهمداني:

لستُ وحدي جذلانًا من الوادي الأيمن، موسى (أيضًا) جاء على أمل قبس إلى ذلك الوادي.

حتى وان قال انه سيعذبني فهو في قرارة نفسة يحبني

نفسي الفداء لقلوب يسطع فيها نور الله جل جلاله اذ بلغ ارتفاع منزلتهم اعلى عليين قطعوا اسباب وصلهم بالدنيا وانشدوا لعالم الانوار الساطعة بالمعرفة والمرتدية خلع المحبة زهدهم اعرض عن الدنيا توكلهم استقام بالتوحيد ففروا من الدنيا وانسوا بمقام القرب فكرهم نور وذكرهم نور وباطنهم واجسادهم وخيالهم وعقولهم وجنانهم كلها نور فقد غرقوا في بحر النور كفى اين انا من مدح الاطهار ووصفهم انا وامثالي علينا ان نشتغل بترك المعاصي فعلى حد علمي واجب المريض مراجعة الطبيب واطاعة او امره وواجب الطبيب معالجته”

O ويقول ابن عربي: والأشتياق حركة يجدها المحب عند اجتماعه بمحبوبه فرحا به لا يقدر أن يبلغ غاية وجده فيه، فلو بلغ سكن، لأنه لا يشبع منه، فإن الحس لا يفي بما يقوم في النفس من تعلقها بالمحبوب.

O ويقول حافظ الشيرازي: في طريق منزل ليلى المحفوف بالاخطـار، الشرط الاول لوضع قدمک في الطريق أن تکون مجنوناً.

O ويقول العارف محمد البهاري: والحاصل أن على طالب الكمال أن يقطع أنسه بما سوى الله تعالى واحداً تلو الآخر، إلى أن يصل إلى مرحلة الذكر الدائم، وهي مرحلة لا تنافى معاشرة الصالحين بمقدارٍ ينتفع بتلك المعاشرة، لأن محبتهم والأنس بهم فرعٌ لمحبة الله تعالى “

“يا روحــــــي. ألـرياح التي أُدٍّبَ قــوم هو بهاد هي ألان أيضــا مــطيـعـة لـذلـك القــادر ألحليــم

أذا كنــت انــت قــد تجــرأت عـلى التمـــرد عـلى إطـاعــــة أمـــر ذلـك ألســلطان ألعـظـيــم ألشـأن فإن التــراب وألمــاء وألــرياح وألطــين وألحجــر أذلاء منـقـــادون له.

وأذا أردت أن تـفهم ذلك أفـضل فـنظر في حـالك ألـخـرب وكـيف انك مهما كـنت تـملك تـظل ايضـا تطلب المزيد ولا يقف حرصك عنـد حـــــد

امـواج آمـال هـذا ألـبـحـر طـالـما عـصـقت بـسفـن ألعـمر فأفـنتهــا وجـبال هـمومـه وغـمومـه طـالمـا تـصدّت للأحـلام فجـففتـها أفاعـي مـعاصـيـه ألمهلـكة طـالمـا بـسمهـا أهـلكت

أصـل هـذا ألبـحـر ومـيـدانـه نـاشـآن مـن ظـلمـة ألجـهل، ومـستقـرهـما اوديـة أراضـي قـلوب أهل ألغـفلة

O وما اجمل قول الحلاج:

كانـت لقلبي أهواءٌ مفرّقــة

فاستجمعَتْ مـُذْ راءَتـْك العين أهوائي

فصار يحسدني من كنت احسده

وصرتُ مولى الورى مُذْ صرتَ مولائي

ما لامني فيك أحبابي وأعدائي

إلّـا لغفلتهم عن عظـم بلوائــــي

تركتُ للناس دنياهم ودينهـم

شغلاً بحبـّك يا ديني ودنيائــــي

أشعلتَ في كبدي نارين واحدة

بين الضلوع وأخرى بين أحشائــي

O او قول حافظ الشيرازي:

إنني عاشق وفقير

ولا مال لي

ولكنْ لي الشباب والربيع الخالد

وهي أعذاري إليك

فغض الطرفّ عن لطف المولٌه السكرانْ

ولا يكنْ لسانك الطويل.

كالشمعة لاسعا ومحرقا

يا أنتّ

يا ملك الصورة والمعني

ويا من لا مثيل له في الكون

أخبرك أنه قد وصلت الفراشة

فالزم يا حافظ من أجلها الصمت

وابقّ هناك منتظرا

حتى يقبل طالعك السعيد

حاملا خرقته الزرقاءّ على كتفيه كالعلم.

O اما ان اردتي ان تعرفي تأملي وتفكيري –في نطاق ما اسميتيه منهج فكريّ في الوقت الحاضر – فانا لا افكر الا بالواحد الاحد تباركت اسماؤة وجل جلاله، لان الحقيقة تكمن بالواحد والواحد فقط ولا حقيقة بالوجود غيره وكل شيئ منه ثم اليه. انا لله وانا اليه راجعون. واروي لك رواية جميلة عن عمنا الاكبر واخي جدنا الامام الحسين عليه السلام، وهو سيدي العباس بن علي بن ابي طالب وامه ام البنين وام الشهداء الاربعة مع الحسين، وقد دعاه ابوه عليه السّلام في عهد الطفولة وأجلسه في حجره وقال له: قل واحد، فقال: واحد، فقال له قل: اثنين، فامتنع، وقال: اني أستحي أن أقول اثنين بلسان قلت به واحداً. وهذا هو ايماني باله واحد احد اخاطبه كل حين:

لا اله الا الله ربنا ورب ابائنا الاولين

لا إله إلا الله الها واحدا ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين،

لا إله إلا الله وحده وحده وحده

صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده،

لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد

يحيي ويميت ويميت ويحي بيده الخير

وهو على كل شيء قدير.

O واقول كما قال جدي الثامن قبل ثلاثة قرون وهو الفقيه العابد المقدس الطائف في البلدان العارف الهارب المتخفي في سرابيل البعاد عن الاشرار الذين ذبحوا اباءه واجداده بسيوف الاحقاد، وقد اتخذ من منازل جده الاكبر على حافة الصحراء التي حدودها بين طوى والغري وسيناء. تلك التي طاف فيها الاباء ابراهيم واسماعيل واسحاق يعقوب وتمشى في فيافيها يوسف وموسى وهارون وداود وسليمان وهزت بها نخلتها مريم بنت عمران وعمد بها يحيى ملك السلام وروح الله المسيح والقى بها عيسى بن مريم موعظته على تلاميذه بين الربوات في الجبل المقدس وبنى عليها شمعون الصفا كنيسة الخلاص. اقول كما قال هذا العابد الزاهد المتطهر بماء الفرات والمجاور لسيد الاولياء، يوم قال:

قلوب العارفين لها عيون

بها ازدادت بصائرهم يقينا

ترى الاشياء والاشياء غيب

ترى ما لا يراه الناظرونا

والسنة بسرهم تناجي

كما ناجته فيه الواصفونا

واجنحة تطير بغير ريش

لتلتقط المعارف واليقينا

وتخترق العوالم حيث طارت

الى ملكوت رب العالمينا

بها الباري تجلى منذ قالوا

لدعوته بلى في القائلينا

وذاك السر معراج اليه

به تدنو دنو المخلصينا

وترقى في العلي مرقا رفيعا

وتسبق في علاها السابقينا

وما علم الورى الا ظنون

وما عرفت علومهم الظنونا

وعلى اية حال فإن حقيقة التصوف الشرعي الكاملة الفاضلة، هي مرتبة الإحسان التي يفسرها عليه الصلاة والسلام في حديثه المشهور بقوله، “الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”. ومعنى هذا أن التصوف الصادق هو الذي يقوم على إخلاص العبادة لله، بلا تصنع ولا تكلف، ودون رياء أو نفاق، وذلك يقتضي أن يكون الإنسان مسلماً حقاً، وأن يكون مؤمناً صدقا، ويحسن الجمع بين إسلامه وإيمانه، ويزينهما بإحسانه وإتقانه، عن طريق المراقبة لله، والمحاسبة للنفس، وقبل أن يصير الحساب إلى غيرها، ويكون مصداقا للقول المعروف: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتهيأوا للعرض الأكبر، يوم تعرضون على ربكم لا تخفى منكم خافية”. فالتصوف الصحيح أساسه التقيد بالقرآن والسنة، والخضوع لأوامر الله وأحكامه، وكل من خرج على حكم الله وأمره، فدعواه أنه عارف دعوى باطلة، لا يقرها شرع ولا عقل. والتصوف ليس بالمظاهر والأشكال، ولا بلبس المرقعات أو تعليق المسابح، بل هو أن يعمر الإنسان صدره بالصلة بالله، والخوف منه، والرجاء فيه، والله جل جلاله يقول في سورة الطلاق: “ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، إن الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدرا”. وهناك كثير من أدعياء التصوف يتوهمون أو يزعمون أن التصوف معناه عدم السعي أو عدم العمل، ويظنون أن التصوف كسل وبطالة، ونفور من الجهد والاجتهاد في شعاب الحياة الفاضلة الطيبة، وهذا خلاف ما امرنا الله جل جلاله به الذي يقول في سورة الجمعة، “فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض، وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون”.

 شعرك ليس للعامّة بل هو للخاصّة بحكم تميّزه وانغلاقه عن الفهوم المتواضعة. هل تقصد هذا الأمر؟

شعري وكتاباتي الادبية منها ما هو بسيط للغاية وسهل الفهم ببساطة كبساطة:

رباب ربة البيت***تكيل الخل بالزيت

لها سبع دجاجات***وديك حسن الصوت

ومن شعري وكتابتي ما به نوع من الصعوبة بالفهم لاشتماله على معان صوفية وعرفانية وفلسفية وحتى بعض الاحيان فيزيائية او من مصطلحات علوم اخرى. ولا انكر ان بعض شعري يحتاج الى إلمام بتاريخ الاديان والمدارس التاريخية والفلسفية فيبدو امام القارئ غير الملم بهذه الافاق انه مغلق وصعب الفهم. على سبيل المثال تناولت بلغة شعرية وضمن صور جمالية جوانب من احدث نظرية في الفيزياء الفضائية وهي نظرية الاوتار الفائقة وفي قصيدة اخرى تناولت نظرية الانفجار العظيمBig Bang الشيئ المؤكد اني لم اتقصد هذا الامر بل هو يأتي عفويا وقد اتعجب انا بعد انتهائي من نظم قصيدة كيف تسربت هذه المعاني الفيزيائية الى شعري؟! والفكر والشعر والرسم والادب والفلسفة والاديان والعرفان هي مساحات متداخلة وتسعى كل منها ان تطل برأسها في كل مجال تتمكن منه. وهذا يدل على ان عوالم العقل والنفس والروح والجسد متداخلة وعلى الاغلب بطريقة معقدة ومبهمة وغامضة والتأمل الدقيق والعميق والمستمر بها يفرض نفسه من خلال النتاج الانساني الفني والابداعي، الكون عبارة عن لوحة الهية جميلة نقشتها يد واجب الوجود مهندس الكون الاعظم وهي سمفونية لا يمكن عزف اجمل منها والانسان يتفاعل مع تلك اللوحة وهذه السمفونية كل من زاويته الاحساسية الخاصة به وباللغة اللسانية او العقلية التي يعرفها، وحيث اني لا اتقصد ذلك فاعتقد اني معذور في انسيابيتي. سؤال اذكره ولا اقصد التطابق الحرفي وهو هل يستطيع انشتاين مثلا ان يعبر عن نفسه بغير اللغة التي تعلمها؟ اشك انه يقدر على ذلك. اضف لذلك فان تعدد الاذواق والاساليب في الحياة وفي الادأب والفنون مسألة طبيعية ولكل طريق يختارة. يظهر ذلك في تنوع الاذواق في التعامل مع جمال المرأة او تذوق الوان الطعام والشراب او في عشق نوع معين من الموسيقى، على سبيل المثال انا احب سماع الموسيقى الكلاسيكية والنغم الملتزم وغيري يحب الموسيقى الصاخبة. وقد سمعة غمزات ولمزات محببة من بعض الاصدقاء اذا يعتبرون الموسيقى التي احبها منومة!

 أين تجد نفسك في تخطيط المدن أم في الهندسة أم في الشّعر أم في الرّسم؟

 الكائن الانساني ينتمي الى عدة مجالات، وفي تظري ان الانسان حتى لو بدا امام الاخرين انه مشتت ففي الحقيقة انه على العكس تماما فهو موحد بالسلوك، وفق رؤية قد نجهلها الا انها حقيقة مخفية في داخله. وعلى صعيدي الشخصي فانا اتحرك بصورة متكاملة حالي حال بقية الناس، فلو ذكرتي يا سيدتي اربعة مجالات لي فهناك من بسطاء الناس او حتى من الاميين عنده انتماء للكثير من المجالات. انا اجد نفسي في تخطيط المدن وفي الهندسة وفي الشّعر وفي الرّسم وفي المجتمع وفي السياسة، والجميل في الامر ان نوعا من الميثاق السلمي قد عقدته ذاتي مع نفسها في التعايش والتحرك. الحمد لله انا اتابع دائما حقل تخطيط المدن واخر نظرياته وما زلت لصيقا بالهندسة وانجازاتها وكتبها. بصورة عامة تجدد وزارة الخارجية مباني سفاراتها في الخارج، وكان مسكن السفير العراقي في سوريا بمنتهى البؤس لتركه لعقود من الزمن وصار القرار باعادة تأهيله، كحال مماثلاته من المباني. كنت اسمع عن ارقام فلكية عن التصميم والاشراف على التنفيذ في عمليات اعادة التأهيل، فاشفقت بجد على اموال الدولة، وعزمت على ان أأخذ على عاتقي عمليات التصميم واعادة التأهيل والاشراف، واحمد الله كان ناتج العملية لوحة فنية في هندسة البناء والديكور والاثاث، ما زالت اعيش نشوتها بكل اعتزاز وفخر لقد جعلت المبنى الضخم الخربة رائعة هندسية تنضح بالفن والجمال الفني العراقي. اما الشعر فهو وقوتي اليومي للعيش في دروب وشعب الحياة وألجأ للرسم من وقت لاخر لاضع فوق اللوحة همومي التشكيلية.

 كيف أثّر نسبك الشّريف على تكوين شخصيتك ونفسيتك وإبداعك؟

 لا فضل لعربي على اعجمي الا بالتقوى وهذا امر انا مؤمن به من اعمق اعماقي. ولكن الانتماء الى نسب شريف يرقى الى سيد الكائنات محمد صلى الله عليه واله وسلم ومن ثم لاسماعيل وابراهيم، يبعث بالنفس ان يكون المروء بمستوى يليق باسم ابائه واجداده لئلا يقول القائل ما اعظم الاباء واصغر الابناء. النسب الشريف الى الامام موسى الكاظم بن الامام جعفر الصادق بن الامام محمد الباقر بن الامام علي السجاد بن الامام الحسين الشهيد بن الامام علي المرتضى وفاطمة الزهراء بنت محمد عليهم الصلاة والسلام يشرفني ويلقي علي مسؤولية اخلاقية واجتماعية ينبغي ان انهض بها، بعيدا عن الغرور او الاستئكال بالنسب او التعالي على الناس. كان العارفون يكتمون انسابهم لئلا يكرمهم الناس باسم اجدادهم. والنسب مكرمة من الله ولا دخل للانسان باختياره. انا اعتز بانتسابي بمقدار اعتزاز رسول الله بالانتساب لجده ابراهيم، فالانتساب الى ابراهيم مكرمة كبيرة ولكنها ليست على حساب الالتزام، وهو قول الله تعالى “وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ” فالنسب لا يعني شيئا بدون العمل. وقال الرسول صلى الله عليه وآله في خطبة الوداع: النَّاسُ في الإِسْلاَمِ سَواءٌ، النَّاسُ طَف الصَّاعِ لآدمَ وَحَوَّاءَ، لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ على عَجمِي، ولا عَجمِي عَلى عَرَبِي إِلاَّ بِتَقوَى اللهِ). ثمّ قال صلى الله عليه وآله: (لاَ تَأتُونِي بِأَنْسَابِكُم، وَأْتونِي بِأَعمَالِكُم). وفي المروي عنه صلوات الله عليه (من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه) وكذلك قوله (لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم). وقد يسيئ فهم معنى الانتساب للرسول بعض السادة فيتعالوا بنسبهم على الناس ومن الامثلة على ذلك وما تشير له الرواية التاريخية في كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام يقول الراوي كنت بخراسان مع علي بن موسى الرضا عليه السلام في مجلسه وزيد بن موسى حاضر، قد أقبل على جماعة في المجلس يفتخر عليهم ويقول: نحن ونحن وابو الحسن عليه السلام مقبل على قوم يحدثهم، فسمع مقالة زيد فالتفت إليه فقال: يا زيد أغرك قول ناقلي الكوفة إن فاطمة عليها السلام أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار؟ فوالله ما ذلك إلا للحسن والحسين وولد بطنها خاصة وأما أن يكون موسى بن جعفر عليه السلام يطيع الله ويصوم نهاره ويقوم ليله وتعصيه أنت ثم تجيئان يوم القيامة سواء لانت أعز على الله عز وجل منه، إن علي بن الحسين كان يقول: لمحسننا كفلان من الاجر ولمسيئنا ضعفان من العذاب.قال الحسن الوشاء: ثم التفت إلي فقال لي: يا حسن كيف تقرؤن هذه الآية: ” قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح “؟ فقلت من الناس من يقرأ: (” إنه عملٌ غير صالح “، ومنهم من يقرأ)إنه عملُ غير صالح ” فمن قرأ ” إنه عملٌ غير صالحنفاه عن أبيه، فقال عليه السلام: كلا لقد كان ابنه ولكن لما عصى الله عز وجل نفاه عن أبيه، كذا من كان منا لم يطع الله عز وجل فليس منا وأنت إذا أطعت الله عز وجل فأنت منا أهل البيت.

تعلمت في بيتي من احاديث ابي وجداتي واعمامي وعماتي الكثير من مكارم الاخلاق التي كانوا يرونها عن اجدادنا الاوليين والاخرين وكانت تلك وسيلة تربوية اثرت كثيرا عليّ في مختلف مناحي الحياة ومنها احترام النفس والابتعاد عن صغائر الامور وعدم الخنوع للظلم وعدم تملق الاغنياء والرؤساء واحترام الفقراء والضعفاء والرفق بالحيوان وعمل الخير والكثير الكثير، فرحم الله اجدادنا المتأخرين وسلام الله على اجدادنا من الانبياء والمرسلين والائمة والصالحين. ومن الطبيعي ان مثل هذه التربية تترك بصماتها في كل مناحي الانسان الحياتية.

 

 ماهي مدرستك في التّسامح والتعايش السّلمي؟

 انا أؤمن وامارس التعايش السلم واحترم كل الناس بغض النظر عن عقائدهم وأديانهم. ولا يعني هذا انفلاتي عن الالتزام بعقيدتي التي أؤمن بها بل يعني اني أكِل امر الناس الى رب التاس. لقد خلقنا الله تعالى، وجعلنا شعوباً وقبائل لنتعارف ونتعايش وفق قيم تحترم الإنسان، وبموجب ضوابط تكفل لكل فرد حقه في العيش بسلام واستقرار. وما أحوج العالم اليوم إلى تدارس تلك القيم والضوابط والأخذ بها حتى يتفرغ الإنسان لأداء رسالته التي خُلق من أجلها وهي عبادة الله سبحانه وتعالى وعمارة الأرض. وقد الفت كتابا مفصلا يتضمن مفاهيم التعايش السلمي بين الناس، بعنوان “ثقافة ما ينفع الناس” ونشر في بعض المواقع الالكترونية على حلقات. كتبت لاخ صابئي مندائي التعليق التالي ولكِ ان تتاملي فهمي للتعايش بين الناس: اخي الغالي دائما تعليقاتك تفوح بروح صدق وايمان وتوحيد ومحبة واخاء صاف وكم يفرحني حينما اسمع تغريدك على البعد بالحان الخلود… ان في اخوتنا معان عميقة لا يعرف سرها الا من محض الله قلبه في حب الانسان وغذاه بحب العراق… اخي فارق الزمن راحل والاحداث متغيرة ولا يدوم الا النور الاوحدي الازلي تعالى اسمه وتباركت الأه… ان المحبة الصافية بين المختلفين في تفريعات العقائد والمتفقين على جذورها تشهد ان التعايش السلمي الرفيع ممكن بين بني الانسان… المشكلة ليست بالاديان بل انها مشكلة في تفسير الانسان لهذه الاديان. وللاسف تشهد منطقتنا العربية والاسلامية ويشهد العراق حالات مغرقة في التعصب ورفض التعايش السلمي مع الاخر وهدر دمه تحت طائلة الكفر والفسق والعمالة للاحنبي والخيانة العظمى. وكتجربة واقعي فاني رأيت المجتمعات الغربية افضل منا في هذه النواحي بمراحل ودرجات. ان التعايش السلمي وقبول الاخر يدل على درجة تحضر المجتمع والعكس يدل على بداوته وهمجيته وتخلفه. نحن نعيش في ارض واحدة لفترة زمنية قصيرة جدا في مقايس الوجود الكوني ولكننا سننتقل لعالم اخر يمتد بلا نهاية وله حاكم هو الله والله هو الذي يقدر حقيقة كل فرد منا. شخصيا اعتز بصداقات حميمة ومخلصة مع اخوة سنة وشيعة من مختلف الاتجاهات واخوة مسيحيين وصابئة ويزيديين ومن اديان اخرى ومع اناس غير دينيين اصلا. وقد بادلني هؤلاء الناس المحبة بكل احترام وطيبة وكان بعضهم احب الي من اقارب ومن اصدقاء ورفاق من نفس قوميتي ونسبي وديني ومذهبي. ان أؤمن بدين الله دين الرحمة والمحبة. من المهم ان ننشر قيم التّسامح لمجابهة ثقافة الكراهية والتكفير للاخر تلك الثقافة النابعة من الجهل والحقد والأنانية والنّزعة الاستعلائية والتحجّر والتعصب. وللاسف نرى هذه الثقافة في عالم اليوم تتعملق في نفوس الكثيرين من ابناء امتنا ومنطقتنا من خلال القنوات الفضائية وشبكات التواصل الاجتماعي والانترنت ومن خلال مدارس ومؤسسات دينية وسياسية عديدة وبواجهات متنوعة وذات عناوين ثقافية واجتماعية واقتصادية للاسف الشديد ان نجد انفسنا مجبرين ان نقول ان: المشكلة متأتية من قوة تأثير التيارات الدينية والطائفية منها على وجه الخصوص فهي التي تتعيش على الحقد والتمييز والتعصب بكل أشكاله، على العكس من رسالة الدين الالهية الرحمانية التي تدعو للتسامح والتعاون والمحبة بين بني الإنسان، لقد تحول الدين إلى وسيلة نشر للكراهية والبغضاء بين المتدينين. نحن نستطيع أن ندرس التاريخ بطريقتين: طريقة عدوانية وطريقة أخوية، الطريقة العدوانية تلتقط المحطات الملتهبة والسلبية في التاريخ وتؤسس عليها، أما الطريقة الأخوية فتلتقط الجوانب المشرقة وتؤسس عليها. وهي حسب تصوري جوهر النظرية الاسلامية، يقول الحق عز وجل: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون*)

 هل المرأة في شعرك ورسمك أداة أم هدف أم رؤية؟

أه أه تؤكدين دائما على المرأة ايتها العفيفة الجميلة المثقفة الاكاديمية، وانت احدى النساء العربيات المتميزات في هذا الزمان، واتمنى لك مستقبلا باهرا في ميادين العلم والثقافة والابداع، واقول لك سيدتي: ان المرأة كائن مقدس في نظري مقدس في دوره ومقدس في تاريخه. وهي بالنسبة لي ام وجدة وعمة وخالة وبنت وصديقة وحبيبة وجمال، وانها قديسة وشهيدة وعظيمة انها امنا سارة وهاجر وهي أسيا بنت مزاحم زوجة فرعون المؤمنة وانها مريم الطاهرة وانها خديجة الكبرى وفاطمة الزهراء وزينب المظلومة. انها هبة الله للانسان وللانسانية. ولو قراتي المقطوعة الطويلة النثرية القصصية الشعرية الموسومة بـ “أمسحُ أسماءً من ذاكرتي… تجليات تائه في معلولا” لتعرفتي على نظرتي المقدسة للمرأة. واسمعي منها قولب: مكان تاريخي مقدس يرتبط بذكريات وذكريات، كانت من الاماكن التي افكر

لوحة انعام عمل ورسم السيد علاء الجوادي سنة 2011

مقتبسة من كتاب “خواطر تشكيلية”

بزيارتها، زوجته الحبيبة انعام كانت ترغب كذلك بهذه الزيارة. وفي صباح مشرق دمشقي في شهر شباط من سنة 2011 ذهبنا سوية وعدد من الاصدقاء الاعزاء ثلاثة منهم كانوا مسلمين واثنين كانا مسيحيين… وكان المقصد معلولا… معلولا التي تنفسنا بها الايمان والدين والتاريخ… كان ولدي اياد طنوس السوري المسيحي الارثدوكسي دليلي هناك…. وكانت عدسة ولدي العراقي عليم كرومي المسيحي الكاثوليكي العراقي تلتقط اجمل الصور للمكان لي ولحبيبتي وام اولادي انعام كنت امشي معها في ذاك المكان وكنت اذوب واياها في افاق الصخور والتراب… نتحد مع النفحات الايمانية المغموسة برحيق التاريخ والنضال… كانت انعام بوجهها الحزين وقلبها المكوي، تجسّد لي كل القديسات اللواتي يطالعننا بايقونات واللواتي كن يحدثننا بلسان الصمت ويبصبصن علينا في كل رواق عبرناه…. في هذا المكان المتسامي نحو السماء قدست نضال النساء وجمال النساء ووفاء النساء وتذكرت اسماء كل النساء وكان اسم انعام يتألق بين الاسماء!!! طاف في ذهني صوت يسألني وكان نشيد الصحو يجيب: لانها هي سليلة مريم وفاطمة وخديجة وزينب والقديسة مارت تقلا، فاريد امرأة الروح فقد مللت امرأة الجسد… في تلك اللحظات الربانية لم اكن ارى في عالم الجمال المُتجسّد بقيمه ومعانيه الاها فقد اتحدت عندي معلولا القديسات ببنت الفاطميات انعام. فلاتابع معك يا عزيزي معاني معلولا ولانشد لك واللقطات تتالى انشودتي فهل هو اتقاد احاسيس شاعر نحو حبيبته ام هو ذوبان عارف في رموز المحبوب المتجلية في الطاهرات… بعدما اجتزنا الفج وخرجنا للسطح في معلولا….

اجلس معها للاستراحة، وشعرت ان زوجتي ورفيقة طريقي تستحق ان اقبل يدها الكريمة، قال لي بعضهم: لا تنشر هذه الصورة فان بها نوع من الضعف!!!!. قلت: كلا، بل ارى بها كل القوة والمرأة الصتالحة كيان مقدس، وتستحق يدها التقبيل، فانها مصنع الانسان والانسانية، ومارت تقلا من امثال تلك النساء…

ان حبي لانعام حب حقيقي انساني بشري، كما احب ابونا ادم امنا حواء او ابونا ابراهيم لامنا سارة او حبيبنا محمد لجدتي خديجة. وغزلي بها غزل رجل مع أمرأة، اضافة الى انه حب رمزي روحاني، اسمعي يا سيدتي الراقية ما اقوله حولها في مقطوعة من الشعر المنثور المتواكب مع لمسات قصصية واسميتها “الى ذات العين العسلية”

الى سيدة النساء، وبنت الانبياء، وسليلة الزهراء

زوجتي المخلصة وحبيبتي النورانية ام هاشم انعام

باعثة النقاء والتسامي والالهام

إليك يا حبيبتي يا ذات العين العسلية

يا انعام الطاهرة النقية، يا ذات الروح المريمية، والنسبة الفاطمية، والتضحية الزينبية

ولا عجب فانت بنتهن

وقد تخيرتك اما لابنائي

وعشقي وطبي ودوائي

انت اطيب من عرفته من النساء

انت وجودي الاخر وحبي النامي

وانت معي في كل خلية من كياني

نبعنا من شجرة نبوية واحدة

ونبتنا في تربة انسانية واحدة

هو البيت الذي ضمنا عبر كل هذه السنين

وتفرعت منه اغصان حبنا

ثلاثة شموس وقمران

شاء خالقها ان ياخذ شمسنا الصغير لتضيئ ديار الخالدين

لو استطعت ان اصف عشقي للاشياء فعشقي لك لا تقيسه الاشياء

انه حب روح لروح

فنحن روحين بروح واحدة

او روح واحدة بجسدين

انه الشعور بقدسيتك وطيبتك

العلاقة بين انسانين امراة ورجل متسامية متصاعدة للسماوات

هي اكبر كثيرا من دواعي الجسد وايحاءاته التي تنتهي للزول

انها ليست علاقة مادية لانها تتصل بالسماء وتتبارك بعطاء السماء

يا انعام ان نسيتك فاني انسى ذاتي

غنيتك في مزامير داود

كما غنى الغريب الاسير على نهر بابل:

“ان نسيتك يا اورشليم فلتشل يميني

وليلتصق لساني بحنكي ان لم اذكرك

ان لم ارفع اورشليم الى اوج فرحي

ولو ذكرتك فانما اذكر ذاتي”

كم طفنا انا واياك في البلدان

بعدما غزت العواصف الصفراء والسوداء بلادنا

تشردنا ولكننا كنا اقوى من كل العواصف

عانينا الا اننا لم نحنِ جباهنا لغير الله

جعنا ولم نقل انا جياع

بل اننا قاسمنا رغيفنا الناس

تجرعنا سهام الاحقاد

الا اننا قابلناها بابتسامة كبيرة

وتلوعنا بعيون الحساد

الا اننا توكلنا على الله

رحنا لايران الى سوريا

الى مكة والمدينة

الى براغ وباريس

الى لندن ومانجستر

الى اهرام مصر والى لبنان

فكنا في كل تلك الاماكن والبقاع كلمة واحدة

هي الحب الالهي المخلص الخالد

اشكرك يا رب ان منحتني زوجتي انعام

ام اولادي

وشقيقة روحي

وفخري وتاج رأسي

من تحملت مني ما تحملت

لكنها ما شكت

من قالت لي برفق مرات بعد مرات

انت كبير فتحمل صدود الصادين وحقد الحاقدين

فانت انسان بمعنى الانسانية واريدك ان تكون نقيا

اريدك شامخ الرأس بعطائك الالهي الانساني الخير

وليس كما يشمخ غيرك بمظاهر زائفة

ان اعرفك حق المعرفة ولا يعرف غيري قدرك

لاني رفيقتك وشريكة حياتك

وانت قلبي ووجودي والنسيم الذي يتنفس به انفي

واللسان الذي انطق به كلماتي

 

وفي نثرية اخرى، برزت المرأة بحقيتها الجميلة الطاهرة في قصة لي اسميتها “ابو المعالي السكران ومحبوبته شمس النسوان… نقلها عن حلقة الدراويش الدكتور السيد علاء الجوادي… قال الشيخ حيان لمريديه: سأروي لكم اليوم قصة من كتابٍ عتيقٍ اسمه: كتاب السر الدفين في قصص العاشقين. عن سيد تقي نقي اسمه ابو المعالي السكران. وأمراة عشقته فاخلص لها الحب اسمها شمس النسوان. وما كان عشقهما في التوقع او الحسبان.

ولكنه حصل وبآن،

وكان ما كان،

في قديم الزمان،

والله ينصر السلطان،

سلطان الروح لا سلطان الابدان.

وكأن لقائهما لم يُخط باقلام الانسان،

وكأنها من إرادة الرحمان.

فهاكم يا ابنائي ما قاله السيد ابو المعالي وما قالته شمس النسوان.

فتاملوا مواطن الاسرار،

وما احتوته من دقيق الافكار.

قال لها ابو المعالي: انت جوهرة في تاج رأسي

ولكن احفظي نفسك طاهرة مطهرة.

قالت شمس النسوان وقد علتها الاحزان: ما تقصد يا سيدي بهذا البيان؟

قال ابو المعالي: لا اقصد شيئا بعينه من الاشياء،

وانما هي ما اوصانا به شيخ الحكماء،

واكدته شرائع العقول والسماء.

قالت شمس النسوان: اتوق ان اسمعها منك فانت معلمي لطريق الرشاد

وحبي لك سبيلي في الجهاد. الخ الخ الخ… وفي هذه القصة تنتشر الكثير من افكاري عن المرأة كرمز طاهر مقدس.

 

وانا اكن الاحترام الكبير للمراة المثقفة المبدعة واقدر ابداعها وانظر لها بمظار التقدير بكل عفة ونبل وروحانية. وفي زحمة الفوضى العارمة في ميدان الاعلام وتباري الكثير من النساء في استعراض امكانيات ابعد ما تكون عن الثقافة والادآب والاعلام تبرز نساء ترفض سلوكيا وعمليا هذا السقوط ومنهن بل من ابرزهن الاديبة الفاضلة المبدعة د.سناء الشعلان. كتبت في تعليقها على مقابلة اجرتها معي الاخت العزيزة الفاضلة المبدعة الاديبة فريدة الحسني ونشرتها في موقع النور الثقافي بعنوانسفير جمهو رية العراق في سوريا د. علاء الجوادي يتحدث للنور” بتاريخ 7/1/2011، وكان تعليق سناء: السيد الدكتور علاء الجوادي: قليل من الرجال هم الذين يجمعون المحاسن كما تجمعها. نفخر بك وبمسيرتك، ونرجو لك المزيد من العطاء وأنت النخلة الطيبة التي لا تعرف غير الثمر الحلو السخي المبارك، سيرتك عطرة دائماًوكلّ من يستظلّ بك يغمره ريح مسكك، دمت في خير”

فاجبتها بكل صدق واخلاص ونقاء واحترام:سيدتي الفاضلة الراقية الدكتور سناء الشعلان المحترمة،اسعدني كثيرا مرورك الكريم، واكرمني تعليقك اللطيف الجميل، الذي يقطر عسلا نقيا ولبنا صافيا، كلماتك لمسات طهارة وعنوان رقي، وشعرت انها صادرة من مشعل نور في موقع نور لنخبة النورانيين، اعتز كثيرا بتقيمك لانه صادر من اديبة ذات مستوى عالٍ، واستاذة اكاديمية لتقيماتها اهمية كبيرة، ولعباراتها معان جادة لا تسوقها مجاملة عابرة، اتمنى ان ارك شمس افاضاتك مشرقة، في سماء المعرفة والعلم والعطاء، يا ذات الجمال والعفاف والفضيلة، تقبلي احترامي واعتزازي، وانت رمز من رموز الامرأة العربية الجادة، وممثلة لامكانيتها الكبيرة في الارتفاع بالذوق السليم، الى جانب الحضور الدائم في سوح العطاء والفن.

وكتبت حوارية فلسفية روحانية بعنوان “تموز يعانق السنابل المنشورة سنة 2012″، وكتبت هي تعليقا على الحوارية قالت فيه: الأمير الجميل د.علاء الجوادي حائرة أنا بين نصّك الملحمي النّادر وبين هيبتك الطّاغية وبين كلّ الأقلام الجميلة التي خطّت كلماتها لك في هذا الفضاء الإلكتروني… عندي مشاعر متضاربة منذ قرأت هذا النص… قرأته أكثر من مرة، وفشلت مرة تلوالأخرى في أن أكون حياديّة حيالها، لم أرد أن أشعر مثل غيري من النساء على سبيل التمنّي أن يكون هذا النص لي. فهذه أمنيات مؤلمة كمخاض. ولكنني كنتُ أكتفي بتذوق سرّ الأسرار في كلامك والاستمتاع حدّ النشوة بكلّ حرف خطّته يمينك الطاهرة او قلبك الكبير او نفسك العملاقة دمت تموز الأجمل…

فاجبتها: الاديبة الراقية والكاتبة البارعة والاكاديمية المتميز، الدكتورة سناء الشعلان المحترمة… تحياتي تتواصل اليك مشفوعة باحترام بالغ وتقدير كبير وانه من الفخر ان تكوني احدى اعمدة الثقافة في الجامعة الاردنية. واشكرك كثيرا على تعليقك العذب والذي رأيته كعزف الكمان في غابة خضراء تلفها الزهور الملونة من كل اتجاه وتتراقص في فضائاتها الفراشات باجنحتها المنقوشة بنقوش الابداع الالهي العظيم… اسميتك ذات العفة والجمال والعلم والادب… وما زلت ارى ان هذه الصفات هي جزء من صفاتك الراقية. بل افرح كثيرا عندما ارى امرأة عربية تحافظ على دينها وحجابها لكنها تتأنق في مظهرها ضمن الحشمة والالتزام. فتطوف حزم من جمالها فتملء المكان بحبور وحسن رقيقين… ان تكون المرأة محتشمة ملتزمة فهذه فضيلة كبيرة تعبر عن انتمائها لحضارة اصيلة وعقيدة قويمة ودين وضع لكل شيئ مقداره… وان تكون بارعة الجمال فتلك منحة من منح الله التي يضفيها على من يشاء من عباده وقد اختص الله بها انبياءه وعباده الصالحين بجمال الخلقة مصاحبا لجمال الخلق وهو نعمة الهية يرعاها الانسان رجلا كان او امراة بتجمل وطهارة جسدية وروحية… ولكن عندما يكتمل كل ذلك بعلم وانت يا سناء ممن وصل لاعلى الدرجات العلمية بازمنة قياسية فتلك ميزة اخرى… ويضاف لذلك ابداع بفن جميل من الفنون وهو كتابة القصة والتأليف. ويضاف الى ذلك الحصول على العشرات من الجوائز العلمية والمناصب الكبيرة. ويضاف اليه الظهور المحترم الرزين في الاعلام كل ذلك ما اراه في الفاضلة سناء الشعلان. عندما ارك وارى من تمرغن في منزلقات حب الظهور من خلال الاستعراض الجسدي الذي يشجع عليه الاعلام العربي المتدني الهابط، اقول اين الثرى من الثريا واين الورم من نصاحة البدن!!! لذا انا اعتبر تقيمك لقصتي او مقامتي التي هي حوار بين روحين نقيتين طاهرتين باحثتين عن الخلاص من القيود متخذة من الرمزية وسيلة للتعبر، اقول ان ذلك تكريم كبير لي… اذ سميتني بالأمير الجميل لكريم ادبك، فاسمحي لي ان اسميك يا ملكة الجمال المحتشم المتسامي… لقد جعلتيني في تعليقك الرائع على حواريتي الفلسفية الروحانية (تموز يعانق السنابل) اشعر اني تموز وانك السنابل.

وقد اقتبست هذه الحوارات من أرشيف كتاباتي المنشورة لاشير الى لون اخر من فهمي للمرأة الذي تكون به المرأة في نظري واقعا حقيقيا متجسدا بانسان من جهة وبرمز يجسد منهجأ من جهة اخرى وكوسيلة لتبني ونقد اجتماعيين من جهة ثالثة.

والخلاصة فالمرأة هي الجمال الطبيعي الاصيل واعتقد انا ان لكل امرأة جمالها الخاص بها وهي جميلة بعيون وقد لا تكون جملية بعيون اخرى، فالجمال نسبي في نظر الناس، وللناس فيما يعشقون مذاهب. وقطعا ان الجمال الجسدي المجرد لا يعبر عن كل الجمال فالمرأة روح وجسد وعليه ينقسم الجمال، أن الجمال الجسدي الخالي من الجمال الروحي هو وبال على المرأة وكم من أمرأة راحت ضحية جمالها الموقت فباعت نفسها للمشترين ثم القت بنفسها بعد سني الشباب الى مزابل الاهمال والاحتقار، فحسب الحقيقة فان جمالها ليس بجمال ففي الحديث الشريف المروي عن الرسول الاكرم: “إيّاكم وخضراء الدمن! قيل: يا رسول الله وما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في منبت السوء” إنّها مغرية بشكلها منفّرة بفعلها، فالتي نبتت في البيئة المنحرفة لا شكّ أنّها اقتبست بعضاً من أخلاق تلك البيئة

هذه هي المرأة في ضميري وهي طريق للتحيق في الابداع الفني في الوقت عينة تكون لي هدفا ورؤية لا اتمكن من فراقها.

لقد عشت في بغداد وسط حيّز يتعايش فيه العربي والكردي والتركماني واليزيدي والصائبي والمسلم والمسيحي واليهودي.ماذا تعلّمت من هذا الحيّز؟

 كنا جميعا اخوة متحابين متعاونين كل طرف منا يمارس دينه ومراسيم عبادته بسلام ويحترم الاخر ولا يفرض عليه شيئا يحد من حريته الفكرية او الدينية. وقد  تعلمت الكثير من دروس التسامح والتحاب والاخوة الانسانية من هذا الخليط الانساني المتجانس عبر عقود وقرون.

ذكرتي محلتي البغدادية القديمة محلة التعايش السلمي والانساني بين اهلها واليك مقطع من رسالة لي لاخ وصديق من طائفة الصابئة وهو الاستاذ فاروق عبد الجبار وستجدين بها بشكل واضح افاق الاخوة الانسانية واثر ذلك من ايام الطفولة حتى الان، وقد جاء بالرسالة: صديق الطفولة والذاكرة الحية التي تتحدى السنين الطويلة… تكرمت فارسلت لي رسالتين بصورة تعليقتين وهما ثمينتان في تقديري وحساباتي وساضمنهما كتابيمذكرات ابو المعالي السهران في ديار الاحزان….. رحلة في هو امش المكان عبر الضياع في الزمان”... وقد اشتمل الكتاب على فصل بعنوان: بين الهاشمي والمندائي… الرسائل الاخوية.وذكريات المدرسة المهدي وكان مفتتح الفصل بعنوان “اخاء عبر العصوروجاء فيه: ما حصل بين هاشمي موسوي وبين صديقه الصابئي المندائي هما سيد علاء والاخ فاروق، سحب فكري الى حالة مماثلة وقعت قبل اكثر من الف سنة بين هاشمي موسوي من اسلاف علاء وبين صابئي من اسلاف فاروق، هما الشريف الرضي الموسوي وابو إسحاق إبراهيم الحراني الصابي. لذلك جالت في ذهني فكرة بسيطة لكنها معبرة وهي ان ابدأ المراسلات بيني وبين صديقي فاروق بمقدمات عن الشريف والصابي. تاكيدا على ان العلاقة بين المسلمين لا سيما سلالة سيد المرسلين واخوتهم في الوطن والانسانية والتوحيد اعني الصابئة لم تنبع من فراغ بل هو متداومة متنامية اصيلة لا تؤثر عليها عوادي الدهور، فالاصيل لا يزداد الا اصالة عبر المحن ولا تستطيع ان تزعزعه الاحن. فما وقع قبل الف عام تكرر في منتصف القرن العشرين في مدرسة من مدارس احدى محلات بغداد القديمة. ولنشرع بذكر واقباس المقدمات لننتقل بعدها الى رسائل الاخويين علاء وفاروق.” وللاسف الشديد ان الكثيرين لا يعرفون حقيقة الصابئة فيعاملونهم معاملة بعيدة عن موقف الاسلام الرائع تجاههم الذي يعتبرهم من المؤمنين او موقف الضمير الانساني الذي يحترم انسانيتهم او ما يقتضيه العيش المشترك والجوار. عشت في محلة قنبرعلي وهي نفس المحلة التي عاش بها صديقي فاروق طفولته تلك المحلة البغدادية الاصيلة القديمة ومنطقة العوائل البغدادية الكريمة الاصيلة وكان يساكننا في هذه المحلة اتباع الديانات الالهية والسماوية كافة مثل النصارى او المسيحيين واليهود والصابئة وكنا متحابين ومتعايشين ومتألفين لا يفرق بيننا انتماء الى دين او مذهب وكان الناس يعاملون اسرتي باعلى درجات الاحترام لانهم عائلة تنحدر من اهل بيت النبوة وكانت مزارا لاهل المحلة… وكانت لاسرتي ولامي تحديدا تلك الامرأة النجفية سليلة اسرة العلم والدين المعروفة بنت المجتهد الكبير الشيخ عباس المظفر علاقة وثيقة مع النساء الصابئيات في محلتنا وكانت تأخذذني معها عندما تردّ الزيارة الى بيوت العوائل الصابئية نأكل طعامهم ويأكلون طعامنا نتضامن معهم ويتضامنون معنا نحزن لاحزانهم ويحزنون لاحزاننا ونفرح لافراحهم ويفرحون لافراحنا… ضمتنا نفس المدارس ونفس الاحزاب ونفس المقاهي ونفس الاسواق وكان الصابئة يشاركوننا اعيادنا وذكريات ائمة اهل البيت. كانت اسمائهم كأسمائنا وسماتهم كسماتنا لا يمكن لك ان تميزهم عنا نحن المسلمين العرب، ولعل اسم اخي الحبيب فاروق خير دليل فاسمه الاول لقبا لخليفة المسلمين الثاني عمر بن الخطاب وفي الروايات انه من القاب امير المؤمنين علي بن ابي طالب واسم ابيه عبد الجبار هو اسم اسلامي بل اني ومن دون الالتفات لوالد فارق صديقي كان اسم بطل شعري وقصتي ونثري في هذه المقطوعة هو اسمه عبد الجبار واسم جده من اسماء شيعة جنوب العراق في البصرة والعمارة والناصرية وهي من اهم مواطن الصابئة في العراق. وعندما كبرت في العمر ودخلت سن الشباب اخذت بمتابعة كتب الاديان فقرأت عن الصابئية والمسيحية والاسلام واليهودية وبقية الاديان فاذا بي اكتشف ان الاسس الدينية لهذه الاديان السماوية هي عينها. وقرأت كثيرا عن اخوتنا المندائيين وقرأت كتابهم المقدس الكريم فاكتشفت صفحات من التوحيد وكنت ارى تناغما كونيا وفلسفيا وعرفانيا كبيرا بين كتب الاديان وقد شعرت ان الكتاب المقدس المندائي كنزا ربا ومزامير داود في العهد القديم وادعية الامام زين العابدين علي بن الحسين الشهيد في الصحيفة السجادية تجعلني اعيش بجو روحاني اكتشف فيه مدى التقارب بين الاديان والاستغراق في عوالم العرفان.

لقد سلكت دروب العلم طوال حياتك.فما أثر العلم على تكوين رؤيتك الدّينيّة؟

 مما لا شك به ان التعصب وليد الجهل والعلم طريق للانفتاح… بحثت كثيرا في الاديان وعلم الاديان المقارنة وقرأ التوراة والانجيل والقرأن وكتب الهندوس والبوذيين والزرادشتيين والاديان القديمة للافارقة والامريكيين القدماء وغيرهم ممن يسمى بالوثنيين والماركسيين والوجوديين، فوجدت ان افضل دين بلا منازع هو دين الاسلام، وان خط اهل بيت محمد هو سفينة النجاة. ولكني بدراستي لمئات بل الاف الكتب وجدت كذلك المساحة الهائلة من التشابه بين الاديان السماوية الابراهيمية بل وجدت التشابه كبيرا بين كل الاديان البشرية. اتوجه الى اشد الملتزمين بالفقه الاسلامي هل يعلمون ان الفقه الشريف بمعظمه متشابه لحد لا يمكن تصديقه مع فقه اليهود في التلمود وحتى اسماء كتب التلموذ هي اسماء عبرية لكنها مشابه للكلمة العربية الاسلامية. ان الاختلاف يرتبط بمراحل تاريخية من التطور الفكري والاجتماعي عند الشعوب. وهذا ما يجعل في معظم الاحوال الانتماء للاديان والمذاهب مسألة وراثة لا مسألة بحث وتفحص واستقصاء!!! كل الاديان تتجه نحو خالق واحد هو سيد الوجود ولكن يعبدونه باسماء مختلفة. وكل الاديان تدعو الى مجموعة قيمية تكاد ان تكون متشابهة. وكلها تتأمل انتقال الانسان بعد موته لعالم افضل. خاطبت على لسان حبيبة بالخيال التوق الديني عند الانسان فقلت بمقطع من مقطوعة طويلة من الشعر المنثور:

سمعت الاصداء تقول:

يا صاحبة النداء،

سلام عليك من عوالم اللاهوت

منذ ما انطلق الوجود العدمي بامر مالك الجبروت

واعذريني عن اللقاء فأنا مأمور

ومع امواج البحار ادور

ما زلت اتنقل من عالم لعالم اخر

وكهان معابد الكذب يتسابقون

كلهم مرشدون

يدعون للتخلف والنكوص

في زيادة انواع الطقوس

وتكثير جرعات الافيون

ليس قلبي ضعيف او بجسمي وهن كما يزعمون

بل هو الحزن الذي يحمل الهموم والشجون

هذه عبارات وترنيمات علامة وفاء واخلاص

*******

وسمعت في الجوار البلبل يقول:

وقد جلس على شجرة برتقال في بغداد

لا تلمه ايها العزيز

فما نساك حاشاه وحاشاك

فهل ينسى تموز فاتنته وقاتلته عشتار

وتموز يمور ويتحور من الموت الى الحياة

ورحل لمعبده في رؤوس الجبال

وفي فيافي الصحارى والقفار

فما زال في معبده يتلو الاوراد

ويحرق البخور

على تلك الايام

ويرفض الطقوس

في زمن منحوس منكوس

*******

رغم الصعاب

رغم الآلآم

رغم التشائم

رغم الاسقام

يظل الاصيل اصيلا رغم الايام

*******

أحست لوهلة على حالها

وأعترتها حالات احباط!!!

وأرادت تمزيق اوهامها فيه

وتبديد ماض يلح بالظهور

فصرخت: لا تقلوا لي

انه اوهام واحلام

بل هو حقيقة تطل من بين الزحام

مشعة منطلقة الى الامام

عصية على فهم اللئام

*******

ومرت زقزقات عصافير في خيالها في ليالي المناجات لتقول:

تلك امانينا ايتها الاوتار النابضة في أفق الحياة

ناعمة سامية متجددة في الاحاسيس الجميلة

والتصورات البريئة

*******

أحست لوهلة اخرى على حالها فصرخت: لا تقولوا لي:

انها ايقاعات الشعراء تعيش في أجواء التخيل

بل هي روح ترفرف على كل جمال

وعصفور يغرد على أزهى الاغصان

لا يعرف في حياته الا الحب والحنان

لا تقل انه مجنون

عندما ترى دموعه في العيون

فالدموع خلاصة الرشحات

في عتمة الخلوات

بل هذه الدموع رحيق الانبعاث نحو الخلود

اليس كذلك يا يهوا رب الجنود

يا خدا يا خدا

يا ايزدان

يا اهورا مزدا

يا ايها الاب السماوي خالق الابن والروح القدس

يا اودوناي

يا الله يا رب الارباب

يا almighty god

The lord of the lords

يارب يونان ينادي في بطن النون

لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين

يا رب الملحدين والمشركين والهنود

لقد كان ماركس من المؤمنين

برب عادل لا يسرق الفقراء

وينتهك اعراض العذارى

لقد كفر بإله معبد النفاق

يا رب اهل الصليب والقاصدين لمكة من كل الحدود

يا من خاطبه في التيه اليهود

“اشمع ازرايل اودوناي

او دوناي الاهينو واخد”

وخاطبه بسره رأس الكهنوت:

لك القدس والمجد يا يهوا

وناداه يا رب الجند يوشعُ وداو د

يا من هتف الدراويش باسمه يا هو يا هو يا هو

فاجابهم دراويش الشاطئ الاخر حي حي حي

وقال شيخ العيارين: هو الحق

فأجابهم الصعاليك: هو العدل

وهو الرغيف المسروق من افاه الجياع

وقدسه المندائيون “بشميت دا هيا بشميت دا هيا”

يا كرشنا

يا مردوخ

يا اشور

يا بعلشمين

اسماء شتى لرب واحد

يامن تجليت لي في بانقيا وكوثا ربي

يا سلوتي وحبي

يامن ركعت في معبده في نهاري وليلي

بين كَرَّب أيل وباب أيل

متمتما بصلوات ابي اشمع ايل

سأكثرك جدا جدا

واجعل منك ملوكا وامراء

واجعل الإرث بالاتقياء

قالها ذنون: لا اله الا انت اني كنت من الظالمين

لا يهرب ذنون منه الا إليه

ألم يكن هذا هو وحيك لكل ابناء الارض بدون حدود

الم يكن ذلك هو سريان الجنون

الذي ركزته في هامة الحلاج المفتون

قتله الكافرون

قتله المؤمنون

*******

واستمرت تداعيات خيالها تصرخ في عالم السكون،

فترد عليها الاصداء

واختلطت الاصوات،

بل الصلوات،

وكانت كلمات كأنها الاشلاء،

قرأته في رمشات العيون الشهلاء

والزرقاء والخضراء والنجلاء.

 

وكتبت في بعض تعليقاتي هوامش على الطائفية ويظهر لك منها مدى اثر سلوك دروب العلم طوال حياتي علي، وعلى تكوين رؤيتي الدّينيّة. كتبت عن إختلاق افراد ومجاميع وكيانات واتجاهات لمبررات الفراق والصراع بين بني الناس في رسالة لاخي المفكر الحراقي الحر غالب الشابندر وجاء فيها: كتبنا عن الخدعة الطائفية منذ ثلاثة عقود عدة مقالات في الارهاب الفكري وفي نصرة المستضعفين كل المستضعفين وعن حقيقة دعوة المسيح منها والمقالات هي: الارهاب الفكري في العمل السياسي، والمسيح ثورة على الظلم، ويا نصير المستضعفين. وغيرها من الكتابات والمحاضرات التي كانت في تلك الفترة الزمنية اثارات غريبة عن بيئتنا الاسلامي السياسية، التي كنت يومها في مواقعها القيادية، ولكني هجرتها لاكون في حلقات الدراويش وخرابات السكارى بخمرة البؤس الانساني… مصليا صلوات التطهر خلف ماركس وغاندي ومعقبا باذكار جيفارا وتولستوي وماندلا… في حانة العشق ادور حول الوجود كدوران دراويش شمس وجلال الدين. وفي سنة 1986 القيت محاضرة في طهران ونُشرت، وعنوانها ولاية الانسان واكلني القوم وتبرع عراقيون اسلاميون بايصال الكلمة ومنشورها الى ائمة الواق واق واتهموا اخاك بانه خرق الميثاق واستحق الاحراق كانت الفكرة غريبة جدا على قومنا هداهم الله… وسمعت بعد عدة سنوات مثل هذا المفهوم يُطرح من قبل المرحوم العلامة سيد محمد حسين فضل الله… لقد اعتبرني البعض وكما جاء في رسالة لاخي الحبيب المفكر الوطني غالب الشابندر شيوعيا!!! وماركسي الميول او على الاقل متأثرا بالميول اليسارية واعتبرني غيرهم اني اقول بمذهب وحدة الوجود!!! فاقول حول الاتهام الاول انا احترم جدا ماركس وهيغل وملا صدرا الشيرازي وجيفارا ولينين وماوتسي تونج والقديس الزاهد هو شي منه الذي اتحدى اكبر المتظاهرين بالزهد في ايامنا ان يكونوا قلامة ظفر له والذي كان يعيش ببيت!!! اكثر تواضعا من بيتك ايام زمان في طهران… وانا احترم كل المناضلين في العالم فاذا كانت هذه ماركسية فليشهد الثقلان اني ماركسي ويساري وهل انا الا تلميذ في مدرسة علي وابي ذر، وقد اتهما كلاهما بما هو اسوء من ذلك… اما القول بوحدة الوجود فانا اقول بوحدة الشهود اقصد ان منظومة المخلوقات هي سلسلة متكاملة متواصلة متناسلة متسلسلة كانت افراز “كن” الالهي فكانت والله هو الخالق وغيره مخلوق ولكن كل مخلوقاته لا تنفك لحظة عن رحمته ورحمانيته وربوبيته والوهيته، وحتى اذا انعدمت هذه الوجودات المستقيمة والمتمظهرة بارادة الله وحوله وقوته وتراجعت الى العدم وانا اسميه عالم العدم لانه قابل للوجود بالقوة في اي لحظة تصدر كلمة “كن” من الله اليه فيكون….من هذا التفكير الذي هو هرطقة عند الكثير من المحيطين بالدين ما درت معائشهم. وقد اتهم ابراهيم وموسى وسقراط وعيسى ومحمد اتهم كلهم بالهرطقة وحاربوهم كهراطقة واقول… مع الاستعاذة من الشيطان الذي هو النقيض الوجودي للخير في افرازات الخلقة والكينونة والذي اصبح اماما لكثير من الاديان وان لعنوه باللسان لكنهم قدسوه بواقع الاعمال في ابعاد الناس عن الله الذي اعتبر ان خير عبادة له هي احترام الانسان فكان من طقوس هذه الاديان انها شرعت ابادة الانسان… سألني احد متمنطقين المعممين لاحراجي، ما قولك في طهارة الكتابيين؟؟ قلت له: كل الناس طاهرون، قال: والدليل؟ قلت: هاك الدليل: بنص كلام الله فالله اسجد كل الكون ممثلا بملائكته العظام فسجدوا وكان في صلبه كل الناس الذين ظهروا على وجه الارض او ما زالوا يعيشون الان او سيولدون. فعليه لا يمكن القول بنجاستهم اللهم الا اذا تنجسوا بمتنجس. اما ما يتعلق بانسانيتهم فهم طاهرون وكيف تقولون بنجاسة الناس ولا يوجد في عالم المخلوقات الحية نجسا الا الكلب والخنزير افيعقل ان يكون الانسان نجسا والثعلب والذئب والعقرب والافعى والذباب طاهرات!!! او هل يعقل ان الله عز وجل يعتبر الانسان مخلوقا باحسن تقويم وانتم تعتبرون مخالفيكم انجاسا. ان تنجيس الناس هو من اسرار الطائفية والانتماء الطائفي كنتم تنجسون اليهود والنصارى وصدرت الفتوى بطهارتهم الاصلية مع الالتفات للمنجسات التي لها نفس التأثر على المسلمين وكنتم نعتبرون الصابئة نجسين ثم تم تطهيرهم واعتبرتم الناصبي نجسا وفسرتم معنى الناصبي على كيفكم فكل من لا يمارس طقوسكم فهو ناصبي حتى اذا كان من اشد محبي اهل البيت…الخواقول في تعقيبي وتعليقي على الكاتب الذي اكتشف خرافة الطائفية:

ان اكتشف الكاتب الخرافة في بعض الانتماء

فليأخذها مني ان الخرافة في كل الانتماء

الا حقيقة واحدة ازلية ابدية

كل انتماء ما خلا الانتماء لله فهو خرافة

والتجلي الكامل لله هو الكون العظيم

والارض هي بيتنا في هذا التجلي الالهي

والانسان جوهر التجلي الوجودي

والتفاضل بالعمل الصالح

والعبادة الحقة الخدمة في محراب الانسانية

فان كان هذا كفر فليعتبروني كافرا

فكفري اشرف من ايمان كهان الدجل

وقد تعلمته من ملائكة النور

 برأيك هل يُطلب من السّيد الذي ينحدر من آل البيت فنّاً خاصّاً أم هو كامل الحريّة في إبداعه وإنتاجه؟

 في اعتقادي انه لا يوجد خصوصية في مجال العمل الفني بكل جوانبه بانحدار الانسان من آل البيت او من غيرهم. اما ترين المبدعين الكبار في العالم وهم من غير العرب والمسلمين أصلا!!! ولا يوجد فن خاص بل له كامل الحريّة في إبداعه وإنتاجه. الشريف الرضي وهو من زبدة النسب الهاشمي وابن ابي اسحاق الصابي وهو مندائي من عوام العراقيين، كانا صديقين حميمين، وكلاهما كان فنانا مبدعا الا ان فنهما لم يكن من النسب بل من الانتماء للانسانية والقيم والانتماء الى التراب والماء والهواء. الفن هو ابداع انساني راق لا يعترف بفروق بين انسان واخر، في لون او عرق او نسب او انتماء عائلي. ولا اكون مبالغا اذا قلت ان الفن يتحرى المعاني الاصلية والقيم الانسانية العليا في الانسان، ومرر في حياتي الكثير من السادة والاشراف ممن لا باع له في عالم الذوق والفن والابداع او الاخلاق بل هم على العكس من ذلك بالمرة، وعلى العكس رأيت ممن لا ينحدر من عمر العلى او حمراء مضر وهو ارقى الفنانين ومن احسن الناس في كل مناحي حياته. الفن هو وحي الطبيعة الوجودية وعلى اي حال لم اسمع عن فن وابداع ينتمي الى نسب بل ان التاريخ يحدثنا عن ان المبدعين كانوا من فقراء الناس وان ذوي الانساب كان اغلبهم ممن يستغل نسبه في التعالي على الاخرين والتعالي هو عدو الابداع الفن يرتبط بالماء والتراب والهواء والنبات وذوو الانساب غالبهم يبحثون عن الامجاد في عوالم القدرة والاموال والذهب والجواهر والممتلكات. ان العمال والكادحين والحرفيين هم صناع الفن والابداع. كنت في الصف الربع هندسة بناء، وفي مادة تاريخ العمارة كان استاذنا يحدثنا عن الاهرام والعمارة المصرية، وأرانا صورا بالفانوس السحري عن عظمة العمارة المصرية بالقصور والاهرام وغيرها اظهر بعض الطلاب اعجابهم وانبهارهم بهذا الفن المعماري الرائع والاعمال الهندسية المعجزة وفنون الرسم والنحت والزخرفة، وسمع الاستاذ احد التلاميذ يقول: ما اعظم الفراعنة. اجابه الاستاذ: يا فلان انها ليست عظمة للفراعنة بل هذا الابداع هو ابداع الفقراء والحرفيين والعمال وكان يموت منهم الكثيرون يوميا اشباعا لغرور فرعون الذي يرى نفسه ابنا للملوك وابنا للالهة واشرف الناس اما وابا واصلا. واضاف والحق ان اي عامل وفنان من اولئك المجهولين هو اشرف منه بلميون مرة!!!

ولكن في التاريخ كذلك الكثير من الشعراء ممن ينتمي للنسب الهاشمي او نسب السيادة، ونلاحظ على شعرهم نزعة واضحة لحب الجمال ومكارم الاخلاق والاعتزاز بالحرية وحب الناس والامثلة على ذلك كثيرة. كما اختص شعراء سادة وغيرهم بالشعر والادب المرتبط باهل البيت عليهم السلام لا سيما مأساة الامام الحسين، ولكن ذلك ليس بسبب النسب، بل الموهبة الفنية وهي ميراث انساني ينبعث من النفوس الحساسسة المتعلقة بالجمال والقادرة على التعبر عن ذلك باحدى الوسائل الفنية. ما يتعلق بي شخصيا على مدى اجيال ابائي لرسول الله احصي عددا متميزا من الشعراء والكتاب والرسامين والخطاطين والمجودين بقراءة القرأن. وقد ظهرت هذه الامكانية بعدد من الاحفاد والابناء. والشاعر المعروف السيد علي بن محمد بن جعفر، ابو الحسين، العلوي الكوفي الحماني. من أهل الكوفة. كان منزله فيها ببني حمان فنسب إليهم. وكان وجيه الكوفة في عصره، وبها وفاته. حبسه الموفق العباسي ثم أطلقه. وكان يقول: أنا شاعر وأبي شاعر، إلى أبي طالب، كلهم شعراء. وكان شعره مجموعاً في (ديوان) يظهر أنه بقي حتى القرن التاسع: وذكره صاحب هدية العارفين. ومع عدم القطع اقول ظهر الكثير من الشعراء باللغة العربية وباللغات الاخرى كلهم ممن ينتمي الى البيت العلوي الشريف كما ان العديد من العرفاء ينتمون الى هذا البيت وهؤلاء اغلبهم كان يقول الشعر في جانبه العرفاني والصوفي!!!

 لقد تخصّصت في تخطيط المدن.ماذا قدّم هذا التخصّص لفنّك ورؤيتك ومنهجك في الحياة؟

 تخطيط المدن ليس علما محددا بل هو مجموعة علوم ومعارف وفنون، ينبغي لمن يريد ان يتخصص به من معرفتها. لذلك فان هذا التخصص يتعانق مع عدد من الحقول المعرفية الانسانية والفنية والهندسية. ان تخطيط المدن هو علم استعمالات الارض. ومن يستعمل الارض بوعي غير الانسان فهو اذن تخصص يرتبط بقوة مع الانسان ومن هنا تنفتح كوة للاستفادة منه في تجارب اخرى ومنها الجانب الفني. كما ان الجانب الاجتماعي والحياتي في هذا التخصص يفتح مجالا لرؤية المخطط ويؤثر على منهجه في الحياة. التخصص المحض بمجال معين يكاد ان يكون نظريا، فالانسان -حتى من تخصصه علمي الصرف- لا يمكن ان يجلس في برج انعزال عن الحياة ومفاهيمها، فكيف بمخطط المدن الذي يتعامل مع مجتمع وانسان وكيفية تعاملهم مع المكان لتحقيق افضل حياة انسانية ممكنة. المدينة هي لوحة ترسمها حياة الانسان وحركته اليومية في بقعة ارض معينة!

 هل شعرك يقود نحو اكتشاف الذات الإنسانيّة أم نحو الإفصاح والبوح عن شخصيتك الإنسانيّة؟

 في الواقع هذا السؤال المزدوج هو توصيف دقيق بشقية لمعانات الشاعر فالشاعر من خلال شعره يسعى فيما يسعى الى استكشاف المجهول في ذاته وفي الوجود وفي المجتمع انه توق معرفي نحو الانطلاق في فضاء المعرفة الرحيب وانه انفلات من عوالم الضياع في المجاهيل. وهذه معاناة وتأمل وتفكر مما يقتضي في الكثير من الاحيان الافصاح والبوح بتوصلات الانسان الذاتية وتفاعلاته وانفعالاته وقد تصل الانفعالات البوحية عند جدران صلبة صماء فتراه يصرخ من ألمه في الانحصار بل قد تصل عنده الانفعالات الى حالة من الامتزاج بالوجود المطلق او الانفلات من وجوده الخاص انها سلسلة متواصلة من الاستكشافات والبوح انها محاولة الانسان لفهم الوجود من خلال ذاته المحدوده وقد ينجح في الولوج باحدى كوات الانوار فينتقل لعوالم الاشعار ويسري الى الانوار ويعرج من حدود الماديات والملموسات الى عوالم لا تفهم بمقايس المادة بل بمقايس خاص تدرها البصائر ولا تراها الابصار

 برأيك الشّعر محمول شعوريّ مفرغ من الفكر أم هو فكر يقدّم في دفقات شعوريّة؟

 لا استسيغ ثنائية التقسيمات بين فكر محض او شعر محض، فهي ممكنة في عالم الكيمياء والفيزياء والرياضيات النظرية فحسب، لكنها مستحيلة في عوالم الانسان ونفسيته الموارة اللوامة التي تسعى الوصول للطمأنينة بالذوبان الكوني الذي انفصلت عنه ذات يوم. الفكر والشعر، والشعوري والتفكري مساحات متداخلة مع الفلسفة والعرفان والتصوف تتداخل بها هذه التقسيمات فلا يمكن لشعر مهما كان ان يخلومن فكر لذلك فهو فكر في دفقات شعورية وجمالية وابداعية، بل ان الفكر في عمقه الاعمق ما هو الا تجلي احساس الانسان وشعوره في تفسير ظواهر الكون والمجتمع. وكثير مما نسميه فكرا هو تعبير شعوري غير منظم فنيا ضمن أليات الفتاتين والشعراء.

 هل تؤمن بالشّعر التعّليمي وشعر المناسبات؟

 الشعر لو فقد الجانب الروحي والانساني والشعوري والانفعالي فليس هو بشعر انما هو نظم جامد ومن هنا فلا أؤمن قط بما يسمى بالشعر التعليمي. اما شعر المناسبات فالمسألة نسبية فلو كان تفاعل الشاعر مع المناسبة تفاعلا وجدانيا وقلبيا وروحيا حقيقيا فانه شعر، اما اذا كان من نوع القصائد والمطولات الجاهزة فهو نظم فاقد لابعاد الشعر والفن التي ترتبط بوجدان وضمير الانسان.

 هل تؤمّن بأنّ الشّعر هو آلة العشق وأداته؟ً

 يقول المناطقة والاصوليون هناك عموم وخصوص من وجه اي بكلمة ابسط هناك مساحة مشتركة بيت دوائر التقاطع فتشترك دائرتان او اكثر بمساحة معينة كما تختص كل دائرة بمساحتها الخاصة، وهكذا ارى العلاقة بين الشعر والعشق فللشعر مسحة وللعشق مساحة ولكن المساحتان متداخلتان في بعض اجزائهما فمن العشق شعر ومن الشعر عشق. ولكن لا يمكن ان نقصر الشعر على العشق المتعارف او نقصر العشق على الشعر. فهناك مساحات مختلفة بين المعنيين. اما اذا اردنا ان نتعاطى مع العشق بفهم اوسع من عشق رجل لامرأة تتخلله أهات وقبلات ولمسات وهمسات وامتزاج جسدي يتذوق به الطرفان العسل اللذائذي، ليصبحا جسدا واحدا في اجتماع الارتعاش، اعني لوتجاوزنا هذا العشق الى العشق الوجودي فان هذا العشق كل لحظة من لحظاته هي بيت شعر او قصيدة شعر تنتظر من ينطق بها او يدونها على الورق ليقرأها العاشقون. وهنا يصح لنا ان نقول بأنّ الشّعر هو آلة العشق وأداته، ولكن تبقى للعشق بحالتية أدوات اخرى مثل القصة والنحت والرسم الخ.

 أصحيح أنّ من لم يعشق لا يصبح شاعراً فحلاً؟

 دعيني سيدتي من لفظة “فحل” فلي تصوري نحوها. ولكن دعيني اقول ببساطة من لم تحرقه نيران العشق لا يمكن ان يكون عاشقا ولكن في الوقت ذاته لا اقصد العشق بين الرجل والمرأة، بل كل انواع العشق التي اشرنا اليها، واجل العشق هو العشق الالهي والعشق الانساني وعشق الجمال وعشق القيم العليا وعشق الرجل للمرأة الجميلة الطيبة الوفية وعشقها هي للرجل الذي ترى فيه مُثلها العليا. فبدون هذا العشق سيكون ناظما وليس شاعرا،

 ماهو معيار الفحولة الشّعريّة في نظرك؟

 كلمة فحولة هذه كلمة ذات صوت غير موسيقي ولا شاعري فكيف تقاس به الشاعرية؟؟!! فاذا كان تصوري هذا صحيحا فكيف الصق الفحولة بالشعر ولم لا يقاس الشعر بالانوثة او الجمالية. اما اذا قصد منها درجة الرقي والفن والجمال والشاعرية فالشعر فن من الفنون الرفيعة وينبغي لمن يمارسه ان يمتلك ادواته من لغة وموسيقى ومعان وصور. ثم درجة الرقي هذه نسبية وليست مطلقة فتجد شاعرا ما يحلق في قصيدة او قصائد ولا يوفق في غيرها من شعره بسبب اللغة او الوزن او الصور او المعاني، فلا يوجد شاعر مجيد في كل ما يقول، بل انه قد يلمع في ابداع معين ويبدع غيره بابداع في مجال اخر. ولعل كلمة موهبة او الالهام اقرب لوصف الشاعرية من الفحولة، لئلا تزعل علينا فحول الدواب في ان الانسان اخذ ينافسها على تخصصاتها. هذه مجرد وجهة نظر قد يختلف بها معي بعض الفحول!!!

 ما هو حلمك او مشروعك في خصوص تخطيط المدن لاسيما العربية منها؟

 المدينة ترتبط بالانسان او بكلمة ادق بتمدن الانسان، ومن هنا فانا انظر للمدينة ككائن حي انساني ومتطور. المدينة هي بيت الانسان بالمعنى الاوسع للبيت. وهناك عدة رؤى تجاه المدينة فقد يتعامل البعض مع المدينة ككائن جامد يمكن ازالته والغائه بكل سهولة. وقسم ينظر للمدينة من ناحية جمالية بحته وهناك من يريد مدينة تحقق الاحتياجات المادية من طرق وجسور ومياه وكهرباء. بالنسبة لي اطمح ان ارى مدينة الانسان التي تتوفر بها كل الاحتياجات المادية والروحية والنفسية. لا افكر بالمدينة الفاضل اليوتوبية وانما افكر بمدينة انسانية. وفي نظري ان مخططي المدن البريطانيين هم اقرب لهذا المفهوم من مخططي المدن الامريكيين. مخطط للمدن مثل باترك جيدس كان يرى المدينة مثل الكائن الحي والتغير بها لا يتم عن طريق البتر بل عن طريق عمليات مدروسة ودقيقة كالعملية الجراحية التي يجريها الجراح للمريض. وانا أتأثر كثيرا بتصور هذا المخطط الذي دخل الى مهنة التخطيط من تخصصه البيولوجي. مع احترامي لرؤى فرنك لويد رايت الامريكي ولي كاربوزيه الفرنسي وابركرومبي البريطاني، واعتقد ان المخطط اليوناني قسطنطين دوكسيادس قدم افكارا تخطيطية جيدة على الصعيد النظري وقد كتبت عنه ورقة اكاديمية لا سيما في كتابه الرائع EKISTICSK“، الا انني اعتقد انه فشل في تطبيق ارائه على المدينة العراقية والعربية.

 هل تؤمن أنّ المجتمع الإسلامي العربي يحتاج منظومة مدن تختلف عمّا تحتاجه المجتمعات الأخرى؟ وما او جه هذا الاحتياج؟

 لا شك ان المجتمعات العربية والاسلامية لها نوعان من الاحتياجات هما تحديدا:

اولا: الاحتياجات الانسانية العامة في المدينة من خدمات واسكان وحدائق وطرق ووو. وتشترك في هذا الجانب مع كل مدن العالم.

ثانيا: احتياجات خاصة ترتبط بالدين والقيم الاجتماعية والتاريخ والطرز المعمارية وتحقق احتياجات الاسرة بما يتناسب مع مراحل تطورها الاجتماعي.

اذكر مثالا على ذلك فان المخطط اليوناني المعروف فسطنطين دوكسيادس الذي ذكرته توا، طبق مفاهيم المدينة اليونانية القديمة على المدن في بغداد والعراق فكانت مخططاته اقرب للفشل منها الى النجاح!!!

 هل فرضت الجاليات العربية شكل جديد للعمارة في البلاد التي سكنتها خارج الوطن العربيّ مثل اوروبا؟

 اطروحة الامفل Mphil التي قدمتها لجامعة لندن/ مدرسة بارتلت للعمارة والتخطيط كانت حول “الجالية المسلمة في لندن ونظام تخطيط المدن البريطاني”. ويتضح بالدرس الدقيق لاحتياجات الجالية المسلمة الضخمة في لندن ان لهم نمطا معين لا سيما على صعيد المسجد كمؤسسة دينية اجتماعية ثقافية للمسلمين في بريطانيا. ولاحظت ان انعكاس هذه المؤسسة على المجتمع البريطاني في لندن لا تخضع لقواعد دقيقة بل انها عشوائية مما يؤدي الى احداث خلل في منظومة استعمال الارض “Land Use ويستتبع ذلك نوع من التصادم بين الجالية المسلمة والمجتمع الاصلي في بريطانيا. ويظن البعض ان ذلك نحو من انحاء العنصرية في التعامل والحقيقة انه حسب تقديري ليس كذلك بل هو تناقض في السلوك يؤدي الى مشاكل قد تفسر انها صراعات عنصرية. ولكن بدراستي لاحدى حالات المراكز الاسلامية وهي مجموعة الخوجة الاسلامية يمكن ان نقول انها تجربة ثرية في التعامل مع بقية المجتمع. بصورة عامة لا يمكن ان نقول ان العمارة الاسلامية والمدينة الاسلامية القت بظلالها على التخطيط والعمارة والبناء البريطانية وذلك لسببين اساسيين هما:

  • عدم تبلور مثل هذه الرؤى على الصعيد الاسلامي من جهة.
  • وعدم وجود قنوات الاتصال المناسبة من جهة اخرى.

 

لا انكر وجود تأثيرات قديمة للعمارة الاسلامية على فن العمارة الاوربية والبريطانية وقد اشار الامير جارلس الى ذلك في عدد من بحوثه وتصريحاته. لكن سيادة الارهاب في العالم الاسلامي وانتماء الكثير من ابناء الجالية عمليا او روحيا للخط المتطرف الغى فرص اللقاء الحضاري بين الطرفين بما يؤدي الى تفاعل حضاري ناضج تتم به الفائدة المتبادلة.

 لقد طوّفت في الكثير من دول العالم وحضرت الكثير من المؤتمرات، وتعرّفت على الجاليات المختلفة.فماذا أضافت هذه التجارب إلى إبداعك وشخصيتك وفكرك؟

 ما تفضلتم به بهذا السؤال صحيح فقد سافرت الى العديد من البلدان واختلطت بانواع من بني الانسان وحضرت مؤتمرات وشاركت بملتقيات وتتلمذت على يد علماء وناقشت زملاء ودرست تلاميذ. والحمد لله استفت كثيرا من ذلك وعانيت كثيرا من كثرت التنقلات مما عمق عند الشعور بالاغتراب والغربة. مكتبتي الشخصية مثلا ما زالت مقسمة بين عدة دول. على اي حال لننظر للجانب الايجابي من عملية التنقل هذه، فيقولون في السفر خمس فوائد. ويقول لنا الله تعالى: “قل سيروا في الأرض” “وقوله تعالي: “فامشوا في مناكبها“.

ويعرف ذلك البعض ممن كان له الحظ في الانتقال والسفر بين البلاد واستفاد من خبرات وتجارب كثيرة لم يحصل عليها البعض الاخر ممن لم يغادر بلدته او دولته. وقد عبر الامام الكبير الشافعي بأبيات شعر منقولة عنه هي:

تغرب عن الاوطان في طلب العلا

وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

تفريج هـــــــــــمًّ واكتساب معيشــــــة

وعلـــــــــم وآداب وصحبــة ماجـــــــــد

وكان أسلافنا ومن نقتدي بهم من الأنبياء والصالحين، يرتحلون في طلب العلم، او للهرب من الاعداء حفاظا على حياتهم ويقطعون المسافات الطويلة أحياناً لأجل ذلك. وفي كتاب الله العزيز، ذكر الله سبحانه وتعالى لنا قصة سفر موسى عليه السلام للخضر عليه السلام في آيات من سورة الكهف وفي تلك الايات معان كبيرة استفاد منها المتصوفة واهل العرفان والطريق في اكتساب العلم اللدني الالهي. ويقول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: “مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ”. في الاسفار والتنقل والمؤتمرات يتم تحصيل الخبرة والتعارف والآداب من خلال لقاء الأدباء والعلماء والعقلاء الذين لا يردون بلده ولا يمكن للمرء ان يلتقيهم وهو مقيم ببلده. وبهذه اللقاءات يكتسب الانسان السائح من أخلاقهم ويقتدي بهم، ويتعرف على الجيد والردئ فيهم. فيحصل له من الأدب الشيء الكثير وتسمو طباعه.

واجدني متعلقا بما قاله الإمام الاديب الشافعي رحمه الله تعالى لانني عشته في حياتي وخبرته بتجربتي يقول:

ارحل بنفسك من أرض تضام بها

ولا تكن من فراق الأهل في حُرق

مـن ذلّ بيـن أهاليه بـبلدتــــــــــــــــــــــــــه

فـالاغتراب له من أحسن الخلق

فالعنبـر الخـام روث في مواطنه

وفي التـغرب محمول على العنــــــــق

والكحل نوع من الأحجار تنظــــــــره

في أرضه وهو مرميٌّ على الطرق

لما تغرب حـاز الفضل أجـمعه

فصار يحمل بين الجفـن والحـــــــــــــدق

 

بلدي الحبيب هو العراق وقد طوفت معظم مدنه وتعرفت على اهلها على ان الكثير منهم من اهلي وارحامي واخوالي واعمامي. وقد اضطررت ان اخرج مهاجرا من بلدي الى ارض الله الواسعة في الشهر العاشر من سنة 1979م، فكان محط هجرتي الاولى الى الكويت حيث أمنت من بطش نظام صدام بعدما اعدم واعتقل خيرة اصدقائي وتلاميذي واحبابي فكانت ارض امان لي وعندما انتشر فيها نفوذ النظام الصدامي ذهبت الى سوريا لفترة قصيرة ثم انتقلنا الى ايران حيث كانت القيادة الاسلامية العراقية وحيث انطلقنا بمشروعنا الاسلامي السياسي المعارض. وزرت مدنها المختلفة واشترك بالعشرات من الملتقيات والحوارات والمؤتمرات فيها وتعلمت الكثير الكثير من منابع علمها والتقيت بالعديد من المجتهدين والفقهاء بالشريعة الاسلامية واستفدت منهم. لقد وصلت الى ايران وانا لا اعرف كلمة فارسية لكني خرجت منها وعندي مكتبة لا يقل عدد كتبها عن الالف كتاب باللغة الفارسية وزدتني هذه الكتب بسيل من المعلومات التي لا يمكن الحصول عليها من كتب بلغات اخرى مثل العربية والانكليزية. وعندما اصبحت حياتنا صعبة في ايران لاسباب سياسية واجتماعية، في هذا البلد الكريم انتقلت الى بريطانيا وقد استفدت كثيرا من هجرتي اليها، فاكملت فيها دراساتي العليا واشتركت فيها كذلك بعشرات الملتقيات والمؤتمرات ودرست بعمق المجتمع البريطاني وتعلمت على يد خيرة اساتذتها في تخطيط المدن والبحث العلمي، وعشت في سوريا كسفير سنين عديدة واطلعت على حضارتها وتراثها واثارها والتقيت ببني عمنا السادة الكواكبية فيها والتحمت الفرع باصولها. وتعرفت بالتفصيل على المؤسسة السياسية والثقافية والاجتماعية فيها. وقد شرفني الله بالحج ستة مرات وقد سعيت في مقامي بارض الحرمين ان التقي الناس واتجول بالمكتبات والتقي بالحجيج واتناقش معهم وغير ذلك من البلدان. وزرت العشرات من بلدان العالم في مختلف القارات وكنت اسعى في كل بلد ان اتفهم اسسه الحضارية وان اطلع على معالمه المعمارية والحضرية والحضارة وكنت اتقصد زيارة المتاحف والاماكن الدينية والمعالم السياسية والفنية لاستزيد من العلم من مصادره الاصلية وكنت احرص على اخذ الصور والحصول على خرائط المدن لاكتشف مدن تلك البلدان. منها زيارتي للصين اربع مرات وكم كانت تلك الزيارات مفيدة وممتعة وزرت الهند والباكستان واستراليا واندونيسيا وماليزيا وفيتنام وروسيا وفرنسا وكوريا وكم تعلمت من البيت الصغير المتواضع للرئيس العظيم هو شي منه عندما زرت فيتنام. وزرت معظم البلدان العربية وكم سحرتني معالم الحضارة في مصر واهراماتها. وكان لي شرف الزيارة للاردن الشقيقة التي التقيت فيها سيدة الجمال والعلم والعفة الاديبة الدكتورة سناء الشعلان. وزرت البلدان الاوربية بمعظمها وتمتعت بجمالها ومعالمها الحضارية.

 لقد كنت ممثلاً للعراق في الكثير من المساعي والمهام في العالم، ماذا كانت رسالتك الأكيدة في هذه التمثيلات جميعها؟

 يشرفي هذا كثيرا وبحكم كوني رئيسا لدائرة اسيا واستراليزيا وافريقيا ومن ثم الدائرة العربية فقد سعيت ان امثل بلدي في مرحلة عصيبة من تاريخه السياسي. وكنت اسعى دائما في تجلية الغبار الذي لحق بالعراق بسبب عزلته عهد النظام الدكتاتوري وبعد ذلك احتلاله من قبل امريكا وحلفائها. ولم تكن المهمة سهلة بل كنا نلاقي الصعوبات في حمل رسالتنا العراقية لتبليغها لدول العالم. الحمد لله لقد نجحنا في اعطاء صورة حقيقية وايجابية عن العراق والشعب العراقي لكننا كنا نتحرك في بحيرة مليئة بالافاعي والتماسيح. رسالتي التي كنت ابشر بها هو ان العراق عراق الحضارة والانسانية العراق الذي يجب ان يكون له دور الريادة في البناء والسلم والعدالة والتنمية. وان المظاهر التي شابت المشهد العراقي لا تعبر عن حقيقته لذلك فانها ستزول وسيبقى العراق الواعد بمستقبل زاهر.

 لقد شاركتَ في تأسيس مكتب الثورة الإسلاميّة في العراق، كما شاركت بتأسيس المجلس الأعلى للثورة الإسلاميّة في العراق، ماذا كانت دوافعك نحو هذه المشاركة؟ ومااذا كانت رسالتك منها جميعاً؟

 كنا نمارس العمل الاسلامي الرسالي في العراق وكان عملنا يمتاز بالسرية وكانت طبيعته فكرية تربيوية اجتماعية اكثر مما تكن سياسية حقيقية تبتغي الوصول للحكم والسلطة. وكانت هناك بحبوحة من الحرية في التحرك. بعد وصول البعث الصدامي للسلطة بدأت الاجواء تتلبد بالقسوة واضطهاد المخالفين سياسيا وفكريا للنظام. وقد انعكس ذلك على الحركة الاسلامية العراقية فشملتها القسوة بالاعدامات والسجون والمطاردات والتهجير. وقامت ثورة دينية اسلامية في بلد جار وقريب على العراق تلك ثورة الامام السيد الخميني الموسوي والتي تكللت بالنجاح وباسقاط نظام الشاه وقيام نظام الجمهورية الاسلامية في ايران لقد اثر ذلك على كل الشعوب العربية والاسلامية بل حتى على شعوب بعيدة مثل الهنود الحمر في امريكا اذ رأووا املا بهذه الثورة الوليدة. اما في العراق فقد كان التأثر اكبر بكثر وإنعكس بصورتين على الحركة الاسلامية العراقية اولهما بعث روح الامل في امكانية اقامة دولة اسلامية في العراق، وثانيهما تأيد الثورة في البلد الجار. وكان كلا الامرين غير مقبولين عند حكومة البعث العراقي يومها. وتصدى السيد الشهيد محمد باقر الصدر لقيادة الشعب العراقي في تضاله ضد الظلم والدكتاتورية، فشنت فشنت السلطة حملتها على الاسلاميين العراقيين كما ان الاسلاميين العراقيين قاموا بعدد من النشاطات ادت الى استفزاز السلطة في بغداد. وهذه المرحلة لم تدرس بعد دراسة دقيقة لانغمار الجميع بالانفعالات وردود الافعال. ونتيجة الصدام بين الطرفين واعدام المرجع السيد محمد باقر الصدر والمئات من شباب العراق وسجن الالاف، اضطرت الافٌ اخر للهجرة من العراق، وكنت ممن اضطر للهجرة ضمن هذا السياق. كما هجّر نظام صدام مئات الالاف من العراقيين الى ايران. ومع تعاطف انظمة المنطقة والعالم لا سيما العربي والغربي مع صدام لم يكن للعراقيين مهربا الا الى ايران بشكل اساسي وبدرجة اقل الى سوريا. وتجمعت تدريجيا قيادات وكوادر الحركة الاسلامية في ايران، وشرع بعضها بمواصلة العمل السياسي والجهادي ضد نظام الدكتاتورية في بغداد. كانت الجهود بمعظمها فردية او ردود فعل وتمتاز بالعشوائية. وقد جاء تأسيس مكتب الثورة الاسلامية في العراق الذي كان باشراف الشهيد السيد محمد باقر الحكيم وعضوية المرحوم السيد عبد العزيز الحكيم والسيد اكرم الحكيم والسيد علاء الجوادي الموسوي واخوة اخرين وكانت مهمته الاساسية هي دعم واسناد الحركة الاسلامية الجهادية المعارضة لصدام. ومن ثم اصبح القرار ان هذا المكتب التنفيذي يحتاج الى غطاء سياسي عالي المستوى فتشكل المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق مكونا من الاسماء المذكورة اضافة الى قيادات من حزب الدعوة وقيادات اسلامية اخرى ولم يتجاوز عدد اعضاء هذا المجلس عند تأسيسه الخمسة عشر شخصا. ومنهم اضافة للفقيه السيد محمد باقر الحكيم واخيه المرحوم سيد عبد العزيز الحكيم،الفقيه السيد محمود الهاشمي والفقيه السيد كاظم الحائري والفقيه الشيخ محمد مهدي الاصفي والاستاذ الجامعي السيد اكرم الحكيم والمهندس السيد علاء الجوادي والعلامة السيد محمد تقي المدرسي والدكتور السيد ابراهيم الجعفري والعلامة السيد حسين الصدر وغيرهم من القيادات المعروفة يومها. وتسأليني عن دوافعي في المشاركة فهي:

  • مواصلة النضال ضد النظام الدكتاتوري في العراق.
  • تنظيم العمل السياسي والجهادي المعارض وتوحيد الجهود.

ج -السعي لاسقاط نظام صدام لتمكين الشعب العراقي للوصول لنظام الحكم الذي يريده.

د- السعي لبناء محور قيادي لاستقطاب الجماهير العراقية.

هـ- بناء مؤسسة واضحة لمخاطبة العالم ودوله ومؤسساته الرسمية والدولية.

وقد كتبت الكثير من البحوث والدراسات عن المجلس الاعلى ويمكن ان تكون مادة كتاب يقرب من اربعمائة صفحة. وبهذه المناسبة فقد كان اول كتاب عن السيد الشهيد محمد باقر الصدر لي كما كتبت بعد شهادة السيد محمد الصدر ابن عم الصدر الاول دراسة عن نظريته بالعمل السياسيوقد كتبت كتابا بحدود ستمائة صفحة عن اخي العلامة الشهيد السيد محمد باقر الحكيم نشرت على حلقات في موقع النور وغيره ولي العديد من الدراسات والمقالات عن التحرك الاسلامي المعاصر نشر قسم منها وبقي سجين الرفوف قسم اخر

 أنتَ مقصّر في نشر الكثير من إبداعك وفكرك، اذا؟

 اعترف اني مقصر في ذلك الى حد اللامبالات والاهمال، ولي لحد الان العشرات من المجلدات والكتب والبحوث التي ما زالت حبيسة الرفوف والارشيف. المشكلة انني لا اتحدث ان كتيبات او كراسات بل اتحدث عن عشرات المجلدات وعن عدد لا يقل عن اربعة موسوعات ضخمة. وقد يكون الدافع الاهم هو جهلي في كيفية تسويق نتاجي العلمي والادبي والمعرفي ومن جهة ثانية عدم امتلاكي للامكانيات المالية والمادية التي تمكنني من النشر اضافة الى عدم استعدادي للتنازل للجهات الممولة. وقد يكون من المعيب ان اقول اني كسول في التحرك من اجل نشر كتبي وبحوثي وكل ما صدر لي لحد الان هو بمبادرة وجهد من اخرين من الاصدقاء والمحبين.

ون الجدير ذكره ان عدم نشري لكتبي وبحوثي بالشكل المناسب من قبي نشرها باسماء مستعارة وفي مجالات ليست واسعة الانتشار، أدى الى سرقة الكثير من نتاجي الادبي والعلمي. كتبت بحثا عن الامام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ومدرسته الجهادية باسم مستعار، واذا بي بعد فترة اعرف ان احدهم هو صديق عراقي حول البحث الى اطروحة ماجستر ونسبها لنفسه وقدمها لجامعة لبنانية، ومن دون الاشارة حتى في المصادر الى بحثي المسروق. وفي اطروحة دكتوراه لطالب اردني عن المرجعية الدينية الشيعية، اقتبس من كتابي “قيادة العلماء والامة الاسلامية”، واشار الى اربعة اسطر الى المصدر ليتبعها باكثر من اثني عشر صفحة من النقل المباشر دون الاشارة للاصل. وكتبت عن جريمة تهجير العراقيين الى ايران في اوائل الثمانينيات ووجدت عن طريق الصدفة ان اكثر من عشرين صفحة مسروقة لصالح كتاب اصدرته مؤسسة حزبية في دولة عربية دون الاشارة للمصدر. وكتبت مقالة عن فهم المرجع الشهيد الامام السيد محمد باقر الصدر حول ميثاق العمل بين المجاميع السياسية، ورأيت بعد مدة عجبا اذ ان احد السادة المعممين من الاصدقاء سرق البحث كاملا وقدمه باسمه في احد المؤتمرات في ايران، وغير ذلك. وكتبت رسالة بخمسين صفحة حول الفكرة المهدوية وعنوان البحث “الاطروحة المهدوية من خلال الادعية والزيارات” وكانت تتضمن رؤية جديدة تتناول ممارسة علماء الشيعة لاسلوب عرض الرؤى الفكرية الستراتيجة من خلال الادعية والزيارات، وقد سطا احد السادة المعممين على الرسالة دون ذكر المصدر، وتوسع ونسج حول النص المسروق ليحولها الى كتاب كبير فقد سرق الروح والعظام التي تقوم مفاصل البحث، وكساها شحما ولحما، بل كساها شحما!!! وسرق شعري وبعض اعمالي الاخرى نكرات تافهين ونسبوها الى اسمائهم وهم حتى لا يتمكنوا من قراءتها بصورة صحيحة… وكم من صديق ناقشني او سألني عن قضية معينة وعندما استفيض بشرحها يدون اهم محتوياتها ويعيد نشرها باسمه وكذلك دون الاشارة للمصدر. اولا يجب الا نتعجب فتحن نعيش في زمان قذر اصبحت به السرقة من المستلزمات ولكن تعليقي ان المال السائب يشجع السراق على السرقة وكذلك الكتابة المضيعة تشجع سراق الكلمة على سرقتها من الاخرين. ولا الوم احدا اذا كنت انا شخصيا مفرّط باعمال وغير حريص على توثيقها. كتبت بحثين احدهما عن المنهج المعرفي للعلامة المجلسي بمائة صفحة واخر عن منهج تفسير القرأن عند العلامة السيد مصطفى الخميني وقدمتهما لاخ عزيز من اخوتي السادة المعممين بناء على الحاحه الشديد في معاونته، واللطيف انه اشترك بهما بمؤتمرين ثقافيين منفصلين في ايران وبعد رجوعه من كل منهما كان يقول لي: سيدنا لقد نال البحث اعجاب العلماء الحاضرين، سكت مرة ولكن في المرة الثانية حول بحثي عن المجلسي، قلت له: مولانا لا استبعد ذلك لاني كتبت هذا البحث لكم!!! قلم يحر جوابا.

 هل أنصف النقد والإعلام والبحث العلمي المتخصّص الدكتور علاء الجوادي؟

 كلا، احس اني لم أنصف!! لا سيما وان معظم مؤسسات واطراف النقد والاعلام والبحث العلمي هي مسيسة ومملوكة لاطراف لا تشجع او تعرّف الا اتباعها واصحابها وهذه من ازمات المستقلين او بكلمة ادق غير المستعدين ان يكونوا إمعات واتباع لقيادات وجهات متمكنة، ألم يصرخ الممثل الكوميدي المعروف عادل إمام في الفلم الرائع عمارة يعقوبيان: إننا في زمن المسخ!! وللانصاف يقع جزء كبير من عدم انصافي، هو اني لم انصف نفسي فاسعى بنشر كتبي وبحوثي واحرص على ابرازها كما يفعل الاخرون.

 الكثيرون يرون أنّ دراسة إبداعك وفكرك مهمة صعبة بسبب عمق فكرك وإغراقه في القضايا الجدليّة والصوفيّة والماورائيّة.ما رأيك في ذلك؟

 نعم لا انكر ذلك، ولكن لوكان الدارس مسلحا برصيد معرفي واسع وعميق فسيشعر بلذة كبيرة في دراسة منتجي الفكري وعلى حد قولك “إبداعك وفكرك”. نعم هناك ابحار وليس اغراق “بالقضايا الجدليّة والصوفيّة والماورائيّة” حسب توصيفك الجميل، ولكن كل ذلك لا يمنع من دراستها الجادة. وعلى اي حال فالكتابات والشعر والقصة والفن عموما تكون بمستويات منها ما هو سهل في طرحه ومنها ما هو به شيئا من الصعوبة ولكني رأيت من خلال تعليقات قرائي الكثير من التفاعل وقسم منهم كانت له اضافات عميقة تدل على التفاعل مع القضايا المطروحة في شعري ونثري وبحوثي. زارني في يوم من ايام الثمانينيات الكاتب الباحث العلامة السيد هاني فحص برفقة اخوين من الشباب المسلم، وكنت قد كتبت يومها قصة رمزية قصيرة اسميتها “الحلم العجيب” ونشرتها في صحيفة الشهادة التابعة للمجلس الاعلى يومها، وفعلا كانت القصة مغرقة في الرمزية ولكن الشاعر الفحص كان يتمتع بالاستماع لها، وعندما انهيت قرائتها قال لي: سيد انها قصة رائعه وتلذذت بتىستماع لها وان كانت بعض جملها وفقراتها تحتاج الى شرح! قلت له هل ترى حضرتك ان اقدم شرحا لها، قال حسب ما اتذكر: الامر يعود لك ولكن اعلم ان جزء من جمال هذه القصة هو الغموض التي يكتنفها!!!. وتكررت القصة مع الصديق الاستاذ الكاتب والباحث عادل عبد المهدي، كان يومها نائبا لرئيس الجمهو رية، عندما التقيته صدفة في الطائرة المتجهة من بغداد الى دمشق، وكان مجلسي قريبا من مجلسه في الطائرة، وكان ديوان شعري “القيثارة الحزينة” قد صدر توا فاهديت للاستاذ المذكور نسخة منه، وقد اخذ بقراءته اثناء الرحلة وعندما او شكنا على الوصول لدمشق قال لي: ديوانك ممتع جدا لكنه يحتاج الى شرح. ولكن ما يفرحني ان القراء كما اخبرني الكثير منهم يشعر باللذة والمتعة عند قراءته لشعري وقصصي ونثري!! مرة اخرى اقول ان طبيعة الموضوع المطروح هو ما يؤثر على لغة الكتابة. في مثل هذه الكتابات التي اشرتِ اليها بسؤالك فان مخاطبي هو المستوى المتعمق من القراء. من جهة اخرى لي الكثير من الكتابات التي تمتاز ببساطتها نوعما، وتقع ضمن فهم القارئ متوسط المستوى الثقافي او بمستوى المتخرج من الجامعة.

 هل أنت فعلاً مبدع يوتوبي تبحث عن عوالم مثاليّة لا وجود لها في الحقيقة؟

 في عالم التصميم تنقدح الفكرة النظرية في الدماغ الانساني ويحولها الانسان المصمم في المرحلة الاولى الى رسوم ومعادلات وشروح ونظريات، وكل هذه الامور تبقى قيما مجردة، ولكنها تتحول الى مواد مشخصة عندما تتحول الى مرحلة الانتاج. ولا شك فان الابداع الانساني يبتدأ من تخيلات وتصورات ورؤى. لكنها تتوق الى ان تظهر من خلال الواقع. انا لا ارى نفسي يوتوبيا حسب المعنى الفلسفي لليوتوبيا، وقد تترجم هذه الكلمة اليونانية الى المدينة الفاضلة او المدينة المثالية. وهذا المنحى الفكري يعتبر ضربا من التأليف او الفلسفات التي يتخيل فيها الكاتب الحياة في مجتمع مثالي لا وجود له، مجتمع يزخر بأسباب الراحة والسعادة لكل بني البشر. وإلى هذا المعنى في اليونانية يرجع استخدام المصطلح الذي اشتقه سير توماس مور في عمله اللاتيني utopia يوتوبيا. ولعل هذا النوع من التأليف يضرب بجذوره في جمهورية أفلاطون التي تقدم رؤيته في السياسية والحكم، ومن ثم يغلب على أعمال الأدب الطوباوي طابع سياسي حالم بمجتمع فاضل يسعد أهله بلا استثناء. ومن هذا النوع في العربية المدينة الفاضلة للفارابي. كما ان كتابات ماركس واتباعه لا تخلوا من امنيات مثالية ولم تتحقق معظمها وان قامت دول كبرى وصغرى ببناء نظامها على الماركسية وكذلك المؤلفات الاسلامية فانها تتحدث عن صورة مثالية للمجتمع الاسلامي المنشور. اقول وجود رؤية نظرية عن المجتمع لا يمكن اعتباره مسألة مثالية بالمعنى السلبي للكلمة اي كلام غير قابل للتطبيق. بل ان مثل هذه الرؤى قد يتحقق منها بعض او فسم في لاحق الايام، وقد تكون معيارية لمتابعة درجة التطبيق من جهة ثانية. ان الكتب السماوية وتعاليم الانبياء والاوصياء والمبدعين لا يمكن اعتبارها مثالية غير قابلة للتطبيق وكما ان اطلاق كلمة مثالية او يوتوبيا على عمل ما هي قضية نسبية فان درجة التطبيق ترتبط في كثير من درجاتها بالنسبية فدرجة التطبيق في ظروف معينة تعتبر جيدة وعالية ولكنها في ظروف وسياقات اخرى تعتبر متدنية او متوسطة. ثم اريد ان اتطرق الى جانب مهم وهو ان الكثير من الافكار التي نظر لها الانسان انها مثالية او نظرية اصبحت عملية في ازمنة لاحقة، بل ان بعض التصورات في الكتب الفتازية في الخيال العلمي وجدنا ان المستقل انجزها بل وتجاوز خيالاتها.

وانا بحكم ثقافتي كمهندس وكمخطط مدن استند الى الرؤية الامثل للواقع واسعى الى تطبيقها عمليا، وهنا يظهر لنا بجلاء ان الرؤية المثالية او حسب السؤال اليوتيوبية اصبحت مقياسا معياريا للانجاز الواقعي. انا لا اعنبر نفسي يوتوبيا وان كنت اسمح لعقلي وروحي بالاحلام، وبحثي عن عوالم مثاليّة او كاملة لا اقصد منه الابتعاد عن عالم الحقيقة بل اضعه كهدف اناضل من اجله مثلا الشعار الذي أؤمن به في النضال الاجتماعي هو تحقيق دولة السلم والعدل والسعادة، لا شك انه من غير الممكن تحقيق دولة تطبق هذه المفاهيم مائة بالمائة ولكن نرى في عالمنا المعاصر ان الدول والمدن المتقدمة في اوربا وامريكا وجنوب شرق اسيا خصوصا قطعت درجات متفاوة في التطبيق. ومن البديهي ان دولنا ومدننا هي الاوطئ نسبة في عالم الانجاز وان كانت هي الاعلى في عالم التمنيات غير الواقعية.

 كتبت الكثير حول فكر وتاريخ وحياة أئمة آل البيت، ما الجديد فيما كتبت؟ وما الرسالة التي كنت تبغي أن تحقّقها في هذا الشّأن؟

 يشرفني ذلك والدافع الرئيسي لي في تلك الكتابات هو الكم المعرفي التنويري والتهذيبي الهائل في حياة أئمة أهل بيت النبي. ودراسة حياتهم تحمل اكثر من هدف او رسالة فمسيرة الائمة هي جزء مهم من المسيرة الاسلامية والايمانية وهي بهذا اللحاظ ترتبط في فهمنا الصحيح لمسيرتنا الانسانية والحضارية. وهي صورة واقعية عاشها بشر في هذه الحياة وبامكانيات بشرية وليست ملائكية او غيبية مما يعطي المثال الصالح لنا في امكانية وكيفية تطبيق المفاهيم الاسلامية النظرية. كما انها تشكل هوية حضارية وسياسية لمجتمع ضائع تتقلذفه الاهواء ومدارس الصراع.

 وما دمنا مع بحوثك التاريخية فقد قرأت لك كتاب دولة مكة قبل الاسلام، وقد كتبته بعلم وخبرة اكاديمي متخصص، فهل لك ان تحدثنا عنه؟

واضافة الى ما كتبته حول فكر وتاريخ وحياة أئمة آل البيت، فقد كتبت مجلدا كبيرا حول تاريخ العرب في جزيرتهم قبل الاسلام -وقد نشرته متفضلة وزارة الثقافة العراقية- لاثبت به عمق جذور الدين الابراهيمي بين العرب وان ظاهرة الكفر هي ظاهرة ليست اصيلة بينهم. وقد كتب تلميذي النجيب الدكتور محمد عدنان الخفاجي بحثا حوله اقتطف منه: يمثل هذا الكتاب دراسة متميزة من دراسات علم الاجتماع كونه ينطلق من دراسة تاريخية تلبي حاجات واهتمامات المفكرين والباحثين عن الظروف والاوضاع التي كانت سائدة في مجتمع مكة قبل الاسلام ثقافياً وفكرياً واجتماعياً وسياسياً، كما انه يمثل رؤية متقدمة لتطورات اسلوب الحياة في البداوة والحضارة فضلا عن كونه يسهم اسهامة جادة في الحديث عن تكوين الدولة وتطورها التاريخي. ولعل تطرُّق الكتاب الى القبائل العربية قبل الاسلام في تفاصيلها الدقيقة فضلا عن التطرق الى تاريخ النبوة وانتشارها في المجتمع، مع تبيان الرموز الاجتماعية والفكرية المهمة التي كانت موجودة انذاك وانعكاس كل ذلك على بنية المجتمع الفكرية بعد الاسلام… كل ما تناوله الكتاب من دون شك يسهم اسهاما كبيرا في رفد الفكر والثقافة العربية وهو يمثل معلم من معالم كتابات علم الاجتماع المعاصر… نسأل الله التوفيق للدكتور علاء الجوادي على هذه الاضافة العلمية الجادة كما ندعو الباحثين المتخصصين للافادة من الكتابة سواء في منهجيته واسلوب البحث العلمي او من حيث متن وفحوى ما تناول من موضوعات. ومن هنا جاءت محاولتنا في اختيار مقاطع من مقدمة الكتاب والفكرة العامة له لوضعها بين يدي القارئ لاعتقادنا بصعوبة وصول نسخة من الكتاب اليه، لما لها من اهمية وضرورة للباحثين والمفكرين ذوي الاختصاص ولاطلاع العدد الاكبر على هذه المادة العلمية والفكرية المتميزة. كتاب “دولة مكة قبل الاسلام… من الكتب المهمة التي يحاول بها الباحث ان يدرس تاريخ امة وتاريخ مدينة وتاريخ عقيدة امة هي امة العرب ومدينة هي مدينة مكة المكرمة وعقيدة هي عقيدة التوحيد الابراهيمية التي نادى بها الانبياء واكمل الدعوة اليها خاتم الانبياء محمد صلى الله عليه واله وسلم، وواصل المسيرة من بعده اهل بيته الكرام الميامين. علاء الجوادي في كتابه هذا الذي يقع ضمن مجموعة من الكتابات التي الفها والتي يريد بها ان تكون مدرسة فكرية اسلامية عربية عراقية. ولحسن حظي فقد اطلعت على عشرات المجلدات من الكتب والبحوث التي انجزها استاذنا المعلم العقائدي السيد الجوادي. الجوادي في عطائه مدرسة فكرية متكاملة تنطلق من التاريخ وتمحص الحاضر لتستشرف مسيرة المستقبل وتعطي خطا لمسيرة امة في ظروف معتمة دامية. هذا الكتاب الذي نستعرضه احد هذه الكتب. وانا اذ اقدم تعريفا لهذا الكتاب استذكر كلمة لاحد الحكماء وهي لا كرامة لنبي في وطنه، وهو شأن رجال الامة الكبار الذين ضيعتهم الامة في ركام من الغوغاء والمزايدات والتنكر على مذبح الجهل والجشع والانحطاط. كان هذا الكتاب يغفو مع عشرات من اخوته في ارشيف الدكتور الجوادي، ومؤلفه لا يسعى في طباعته، ولكن في زيارة للاديب الشاعر الباحث الدكتور السيد نوفل ابو رغيف الموسوي لعمه السيد الجوادي تمكن ابو رغيف من اقناعه بضرورة طبعة ليطلع عليه الناس وقد اعتقد الاستاذ ابو رغيف ان هذا الكتاب يضع حدا فكريا نظريا للفصام النكد بين الاسلام والعروبة والتشيع والانسانية، لذلك كان يرى اهمية اصداره.

 ما رأيك بالمشهد الشعري العراقي والعربي في الوقت الحاضر؟

 المشهد العراقي والعربي بصورة عامة يشهد انحطاطا كبيرا في العطاء والذوق والتفاعل، ولا اربط هذا الهبوط بالتطور وتغير الزمن بقدر ربطي اياه بتسلط الانظمة الدكتاتورية وسيطرة طبقات من محدثي النعم على النشر الثقافي والاعلامي وسيطرة والى حد ما انفراد قوى الظلام في العالم. ومن جهة اخرى سيادة النزعة الانانية والمدارس التكفيرية والمجاميع الارهابية. كل ذلك أدى الى انحطاط كبير في حياتنا في العراق وفي العالم العربي والمنطقة، ومن الطبيعي ان يتأثر الشعر وباقي مظاهر الابداع في الامة. قارن اغنية الاطلال لام كلثوم التي كان يتفاعل معها العراقي وبين الاغاني التي سادت في زمن الدكتاتور صدام التي لا تخرج معظمها عن ابرازه كرب وألهة قادر على كل شيئ وقدير وبعد سقوطة ومجيئ عصر الديمقراطية!!! والحرية!!! انتشر نوع من الشعر والغناء الذي اجتاح الشارع مثل اغنية بشبش ميو، وهي محاكات لصوت القطة. هناك هبوط بالكلمة والموسيقى والصورة والمعنى. وارجو ان لا اتهم باليأس ان قلت اني لا ارتجي حصول نقلة نوعية على المدى القريب. ولكن الذي يبعث على الامل من جهة اخرى بالمشهد الشعري والادبي والفني العراقي والعربي، هو وجود مبدعين حقيقيين، ولكن الطبقات الحاكمة والجماهير الشعبية تسير في وادٍ اخر غير واديهم. ان تدني الذوق الاجتماعي والفوضى في المجتمع وانتشار الفكر الارهابي او المتطرف ويقابله حالة اللاأبالية عند قطاعات اخرى وضعف او انعدام وجود رقابة فني هادفة، وضعف الموهبة لدى الفنانين، وكثرة القنوات الفضائية وشركات الانتاج الاعلامي التجارية التي تطلب المزيد من النصوص الشعرية والادبية ككم على حساب النوعية، ووجود سوق لشراء كلمات الشاعر المتدنية، كل ذلك او بعض منه ادى الى الهبوط والارتكاس في مستنقع الركود والتعفن. لذلك تلاحظ اكثر الاغاني عبارة عن خرط وشخبطة وكلام لا معنى له ومجرد تلزيق… وردح (اي رقص شعبي متدني) بصحبة عدد من الراقصات الغجريات المتبذلات!!

 أين تجد نفسك في خارطة الإبداع والفكر العراقيّة والعربيّة؟

 بدون مبالغة لا اجد نفسي اكثر من هاو غير محترف في كل ممارساتي الشعرية والادبية والفنية. اما ما يتعلق ببحوثي الفكرية والثقافية والتاريخية فمع اعتقادي باهميتها وتعبيرها عن مدرسة فكرية متميزة الا ان امكانياتي المادية والسياسية واستقلاليتي بالرأي والتفكير تضع حولي اسوارا من العزلة، وبأعتقادي ان وصول فكري الى الناس سيكون له اثر تنويري كبير ولكن دون ذلك عقبات وعقبات.

 هل سرقك العمل الأكاديمي والدبلوماسيّ من إبداعك؟

 كلا!! واستطيع ان ادعي اني جيد في تنظيم وقتي، واستطيع ان اعطي عملي الاكاديمي والدبلوماسي حقة بنفس الوقت الذي انظم به الشعر وارسم واكتب الادب، واقيم علاقتي مع الناس. وانا اعمل لساعات طوبلة في كل يوم ولا اشعر بالتعب ولكني اشعر بالتعب والاختناق لو تركت العمل والقراءة والكتابة فهو مائي الذي اسبح فيه! كما ذكرت انا اشعر بالغربة في هذه الحياة والوسيلة الوحيدة التي تبعدني عن الغربة هو العمل بكل انواعه. لا تضحكي علي ان قلت لك انا عندما اتعب من عملي الدبلوماسي او السياسي احضر مجموعة من اخر الكتب بالفيزياء او الرياضيات او علم الاحياء لا سيما الوراثة والجينات واشرع بالقراءة، ومن الواقعي جدا انتقل بعد ذلك لكتابة قصيدة او رسم لوحة او تنظيف ارضية الغرف في بيتي او اغسل الصحون لمعاونة زوجتي او اسرح مع حيواناتي الجميلي اغرد لها وتغرد لي. أليس هذا غريبا؟؟ قد يبدولكنه واقعي الذي اعتدت علية منذ عقود.

 كيف تجمع بين الإبداع والعمل الدبلوماسي؟

 كما قلت لا اعتبر نفسي في مجالات الفن والشعر الا هاو مخلص لهوايتي وليست محترفا، لذلك فان ما وصفتيه من ممارسة هواياتي هو لازمة في كياني وحياتي مثل شرب الماء واستنشاق الهواء، وهذه الاشياء وان كانت تأخذ حيزا زمنيا او مكانيا الا انها ضرورة لادامة الحياة، وهكذا اتعامل مع المفردتين المذكورتين بالسؤال!!

 كتبت كثيراً في التّاريخ الإسلامي.فما الذي قادك إلى هذا الدّرب؟ وما علاقة التّاريخ بتخصّصك في تخطيط المدن؟

 اول دروس التخطيط هو دراسة تاريخ المدن. ان تعلقي بالتاريخ اقدم بكثير من تخصصي بتخطيط المدن ويرتبط بتربيتي العائلية وقد قرأت الاف الكتب في هذا المجال. وفي نظري ان التاريخ احد اهم فروع المعرفة الانسانية ولكن اهتمامي بالتاريخ والكتابة التاريخية يرتبط باهتمامي بشقيقة التاريخ كذلك وهي الجغرافية والانثربولوجية الانسانية. حلقات المعرفة متواصلة. والتاريخ في تخطيط المدن من العلوم المهمة لانها على اقل التقادير تجهز المخطط برؤية عن واقع تطور المدن والمجتمعات. وفي دراستي لتخطيط المدن في جامعة لندن وفي مدرسة بارتلت للعمارة والتخطيط التي هي افضل مدرسة في التخطيط في غرب اوربا، تلقيت العديد من العلوم التي تضمنها منهج الدراسة مثل علم اجتماع المدن وجغراقية المدن وتاريخ المدن والقانون الذي يحكم التنمية في المدن وافتصاد المدن وسياسة المدن… الخ اضافة الى دروس نظريات وأليات تصميم وتخطيط المدينة البحتة واساليب صياغة مخططات المدينة.

وما زلنا في هذا الوارد فقد كتبت كتابا حول مدينة عربية غالية هي القدس وعنوانه القدس، أصالة الهوية و محاولة التخريب، وكتب عنه احد النقاد: انه موسوعة مختصرة وتقرير دقيق عن تاريخ القدس من البداية وحتى العصر الحاضر، يهدف المؤلف منه إلى تقديم رد علمي على ادعاءات زعماء الصهيونية في حقهم التاريخي في القدس وفلسطين. كما يفصل الكتاب في محاولات التخريب التي تقصدها الصهاينة لتشويه وتحريف تاريخ القدس وفي المقابل محاولات العرب في صد ذلك. وانوي ان أتوسع بهذا الكتاب من خلال اضافة اخر التطورات والخرائط والمرتسمات.

 أنت مفتون بالمدينة العربية القديمة، وكتبت الكثير عن المدن العربية الإسلامية. برأيك ما أهم خصائص وميّزات هذه المدن؟

 صحيح هذا الى حد كبير، ويعود السبب في ذلك اولا هو اني من نتاج المدينة العربية القديمة، وهذه المدينة لها تداخل كبير في حياتي وتاريخي وشعوري واحاسيس بل وحتى عقيدتي والبعد الديني في شخصيتي. برأي ان أهم خصائص وميّزات المدينة العربية القديمة انها تتحقق بها التالي:

  • الانسجام مع البيئة
  • الانسجام مع الحياة الاجتماعية للانسان
  • الاستفادة من المواد الطبيعية المتوفرة
  • البعد الانساني في مقاسات المدينة
  • تحقيق الاحتياجات الاساسية
  • وجود قوانين ضابطة لتخطيط المدينة، على سبيل المثال قاعدة لا ضرر ولا ضرار الفقهية.

وفي بحث لي بعنوان “اثر المشكلات البيئية في الوضع السكاني وعلاجها من المنظور الاسلامي”، تناولنا هيكلية نظرية حول اثر المشكلات البيئية في الوضع السكاني وعلاجها من المنظور الاسلامي. وكان ذلك ضمن مشاركتي بالملتقى العلمي الذي اقامته منظمة الايسسكو التي يرأسها الدكتور عبد العزيز التويجري وبرعاية من وزارة الاوقاف الاردنية ومن الشخصيات الاكاديمية الاردنية كذلك. وقد شارك في هذا الملتقى نخبة علمية متخصصة رفيعة المستوى وخبراء فنيون من الدول العربية. وقد عقدت الندوة المذكورة في العاصمة الاردنية عمان في حزيران سنة 2002. وكنت يومها مديرا لمركز الدراسات العربية والاسلامية في لندن. ونال البحث اعجاب الحاضرين. كما شاركت بمداخلات علمية مفصلة حول التنمية المستدامة وكان وقتها مفهوما جديدا في الثقافة المتداولة. موضوع البحث هو اثر المشكلات البيئية في الوضع السكاني وعلاجها من المنظور الاسلامي. ويستبطن هذا العنوان ثلاثة مفردات مهمة هي مشكلات البيئة وقضية تاثر السكان بهذا الوضع البيئي وهما مفردتان متداخلتان وقد سعى المختصون في علوم البيئة وعلوم السكان والاسكان في ايجاد الحلول لعلاج الاثر السلبي لمشكلات البيئة على الانسان. وقد اعتبرت هذة العلاقة يبن هاتين المفردتين وسبل تنظيمها من صميم عمل مخططي المدن. اضافة لمفردة ثالثة لهذه الثنائية عندما يريد ان يقدم علاجا للمشكلة من خلال الاسلام وتصوراته انطلاقا من ان هذا الدين يمثل في حقيقته اطروحة متكاملة لعلاج كل مشاكل الحياة فهو منهج حياة متكامل وهو رسالة الله الخاتمة جاءت لانقاذ الانسان من كل مشاكله والطريق الصحيح لتغلبه على ازماته.

 هل المدينة العربية القديمة تشبة ملامح فكر الإنسان العربي؟

 للمدينة العربية تاريخ طويل في عالم المدن، ولعل اول المدن هي المدن التي ظهرت في العراق وفلسطين وبقية مناطق الشرق الاوسط. وحتى في الجزيرة العربية وصحاريها الواسعة ظهرت مدن كبيرة ومهمة ذكرها القرأن الكريم وأشار الى الرفاهية الاقتصادية والتجارية والاجتماعية فيها. ولعله من الطريف جدا ان اشهر مخطط مدن ومعمار ومهندس بناء ظهر في اليونان وأثّر على فن التخطيط والعمارة فيها كان عربيا أراميا سوريا. المعماري ومخطط المدن هذا هو ابو لودورس الدمشقي. وهو معماري ومخطط مدن، ولد في دمشق سنة 60 م وتوفي منفياً في 125م. ويشتبه البعض أن هذا الاسم يوناني لكن ابو لودور هو دمشقي ولد وعاش تحت سمائها، وشرب من مائها، وتغذى بخيراتها، في الفترة الرومانية في سوريا الكبرى. ومن العجيب انه خلال أعمال إصلاح جامع بني أمية الكبير بدمشق ظهرت أحد الأعمدة المنهارة من أنقاض معبد جوبيتير التي تحمل اسم ابو لودور، مما يرجح أن يكون لابو لودور إسهام في تصميم وإنشاء هذا المعبد.

وهذا السؤال في الحقيقة امتداد للسؤال الذي قبله فمن خصائص المدن العربية انها امتداد فكر الإنسان العربي المسلم الذي استطاع ان يوازن بين ثلاث مفردات هي:

  • الالتزام بمنطلقاته الدينية في كل مناحي حياته ومنها المباني والمدن، على سبيل المثال ان المسجد الاكبير هو مركز المدينة.
  • تقبل الوضع القديم للمدينة وعدم تغير بنيتها التاريخية الا عند الضرورات القصوى.
  • التفاعل الانسيابي غير المتكلف مع الواقع.

لي دراسات في هذا المدان باللغتين العربية والانكليزية، ولكن الكتابة النظرية في مجتمعات متخلفة مثل المجتمع العراقي وعموم المجتمعات العربية لا يجدي نفعا. لان منظومة التخطيط المدني والتعامل مع المباني التراثية لا يتم الا من خلال أنظمة ديمقراطية مستقرة وضمن مجتمعات متطورة. ومدننا اليوم تشبه مشية الغراب فلا هو احتفظ بمشية العصفور التي هي اصل مشية ولم يتمكن من ان يمشي مشية الدجاجة التي اراد التحول لها، فضيع المشيتين. ان مدننا الحالية تعاني من شيزوفرينيا!!!

الدول المتقدمة والدول التي تحترم شعوبها وتمتاز باستقرارها، تهدف إعداد سياسة تخطيط وتنظيم عمرانية لتامين متطلبات المجتمع من قبيل:

O التزايد الديموغرافي المؤدي إلي الحاجة إلي مساكن جديدة وتبديل ما تلف مع الإمداد بكافه التجهيزات اللازمة. ويهدف المخطط في مجال التنمية السكنية الي توفير بيئة سكنيه صحية امنه ومريحة لتحقيق معيشة مريحة.

O التزايد الديموغرافي يؤدي إلي طلب المزيد من فرص العمل خاصة للطبقة الشابة. مما يؤدي إلي خلق قطاعات توظيف جديدة واعاده تنظيم المناطق وتطوير قطاع الخدمات.

O التطور العلمي والتكنولوجي والثقافي لدي السكان يدفع إلي وضع المزيد من التجهيزات العلمية والتكنولوجية والثقافية والتربوية.

O إعداد شبكه مواصلات تغطي كافه إحياء المدينة وتنظم النقل الفردي والجماعي علي اعتبار سلامه المواطن وحماية البيئة وتقليل زمن الرحلة. يهدف مخطط المدن في مجال النقل والمواصلات الي توفير شبكه من الشوارع والطرق العامه ووسائل المواصلات لنقل السكان والبضائع بطريقه اقتصاديه ومريحة وكفاءة عالية.

O الحفاظ على التراث العمراني نظرا لما يمثله من تراث تاريخي، يتطلب اعاده إحياء الوسط القديم للمدنية والابنيه الاثريه.

O ويهدف المخطط في مجال التنمية التجارية الي توفير مساحات من الارض للنشاط التجاري في مواقع مناسبة للزبائن ومنسجمة مع استعمالات الارض الاخري. في مجال التنمية الصناعية يهدف الي خلق فرص عماله لكل انواع التنمية الصناعية وتوفير مساحات كافيه لأقامه الصناعات عليها في اماكن مناسبة.

O في مجال الخدمات العامه ينبغي توفير شبكه من المرافق العامه من مياه وصرف صحي وكهرباء وغاز وتوفير اماكن مناسبة لأقامه الخدمات العامه مثل: المدارس والمستشفيات واماكن ترفيه……الخ.

O وينبغي ان تكون للبيئة والحفاظ عليها الاهتمام الاكبر في تخطيط المدينة.

O وان تكون في المدينة مناطق خضراء وفق تخطيط مدروس ودقيق، وهو ما تفتقده المدينة العربية المعاصرة لصالح المساحات المبنية العشوائية.

 برأيك الخاصّ هل المدينة العربية المعاصرة هي تمثيل للإنسان العربي بكلّ مشاكله وحياته واحتياجاته وفكره وفوضى ظروفه؟

 وهذا السؤال يحمل بذاته جوابه نعم المدينة العربية المعاصرة هي تمثيل للإنسان العربي بكلّ مشاكله وحياته واحتياجاته وفكره وفوضى ظروفه، بل دعيني اكون اكثر وضوحا انها تمثل ازمة النظام العربي وازمة التفاعل بين الدين والسياسة وازمة التفاعل بين الانسان العربي وضياعة بين مفاهيم التجديد والاصالة وازمة تعامل دول العالم مع المجتمعات العربية والدول العربية التي اعتبرت الامة العربية ومواردها واراضيها بقرة حلوبا تمتص كل خيراتها وتسلم بعد ذلك للقصاب. لا شك ان هناك الكثير من العمران والبناء تظهر بجبال الكونكريت لا سيما في المدن الغنية ولكن هذه المدن مع مدن الفقراء العرب مدن الصفيح والمقابر بمجموعها تشكل المزيد من التناقض والمشاكل والحلول الترقيعية او الانفعالية ومنها المدينة العراقية والعربية الحالية. وفي العراق تعيش المدينة اعلى درجات الانحطاط بكل المجالات والمعاني. والاخطر ان هذا الانسان العربي والعراقي اخذ يشحذ مديته لتقطيع مدينته التاريخية ويستعمل المعاول للاسراع بهدمها. ولو اردنا الشرح والتفصيل لاحتجنا الى مئات الصفحات وقد كتبت فعلا عن هذا الموضوع. في اوربا وخصوصا بريطانيا يهتم المخطط وقانون تخطيط المدن بالحفاظ على تراث المدينة ومفوماتها الاصلية، ولا يجرأ احد على المساس بالمدينة القديمة او بكلمة ادق قلب المدينة. ولعله من المفيد ان ابين لكم موقفي من صيانة اصالة المدينة العربية القديمة، فقد كتب احد المهتمين بمدينة النجف الاشرف مقالة جيدة عن هذه المدينة وكتبت عليه تعليق جاء فيه: بصفتي مهندس بناء قديم تخرجت من كلية الهندسة التكنولوجية / جامعة بغداد / قسم البناء والانشاءات، قبل ان تتحول الى اسمها الجديد الجامعة التكنولوجية وكان تخصصي في السنة المنتهية الصف الخامس هو تخطيط المدن وبعد ذلك واصلت دراستي العليا في بريطانيا كمخطط مدن وتخرجت باختصاص تصميم وتخطيط المدن من جامعتي لندن ويلز كما حصلت على عضوية المعهد الملكي البريطاني في تخطيط المدن، كل ذلك يجعلني اهتم كثيرا فيما يتعلق من افكار ومواضيع حول المدينة العربية والاوربية وغيرهما ويجعل مثل هذه البحوث موضع اهتمامي واعتزازي. من تجربتي الشخصيةـ في سنة 1978 كنت عضوا في لجنة لتطوير مدينة النجف، بصفتي المهندس المشرف على كل المباني في المؤسسة العامة للاثار العراقية، زمن طيب الذكر الدكتور مؤيد سعيد، وكان التوجه السياسي الذي عبرت عنه وزارة الاوقاف وكان المعبر عن هذا التوجه هو محمود شعبان ممثل وزارة الاوقاف في النجف، الذي كان يريد ان يهدم من المدينة ومعالمها اكبر ما يقدر عليه لتحقيق مكاسب مالية من جهة ولتمرير سياسة النظام في تغير وتدمير المدن الدينية المقدسة من جهة اخرى، وقد وقفت بشدة امامه وبدعم من الدكتور مؤيد سعيد، ومنعت من خلال الاستفادة من قانون الاثار والتراث في حماية الكثير من معالم المدينة والحضرة الشريفة لامير المؤمنين مثل: السوق الكبير ومسجد الخضراء ومسجد الراس والتكية البكتاشية ومسجد عمران وسور الصحن وغير ذلك وفي هذا السياق زرت الامام الخوئي والسيد الشهيد الامام محمد باقر الصدر (هناك كلمات قالها السيد الخوئي والسيد الصدر في الشكر ودعم مهمتي لا ارى من المناسب ذكرها الان)، وضمن المسعى التقيت العلامة الشهيد السيد جواد شبر الذي كان له دور في دعم موقفي ضد الشخص المذكور الذي كان يريد هدم مسجد عمران وغيره بكل شراسة. واحتفظ لحد الان بكل الوثائق المتعلقة بهذه الواقعة. والحمد لله فقد منَّ الله علينا بحمايتنا لاثار المدينة لعقود لاحقه. اضافة لذلك فانا اهتم كثيرا فيما يتعلق بمدينة النجف المقدسة لاسباب كثيرة. وقد كانت رسالة الدكتوراه التي كتبتها تتعلق باعادة تأهيل المدن العربية مدينة النجف نموذجا. وقد درست بها المدينة دراسة معمارية وتخطيطية ودرسة تطور السكنى في المدينة واثر ذلك على النسيج المعماري والمدني لها. وبعد عودتي لبلدي العراق كان من اكبر اهتماماتي مدن العتبات المقدسة وعلى رأس هذه المدن كانت مدينة النجف. وعقدت في المدينة المقدسة عدة لقاءات مع علماء وتجار ومهندسين وغيرهم وسعيت بكل ما اوتيت من جهد ان انقل كل خبرتي ومجانا لمدينة جدي علي ابن ابي طالب عليه السلام واذكر ان احد الاخوة وفر لي عددا من الاجتماعات مع وجوه البلد حول مدينتهم في مقر الكليدارية الذي احتوته يومذاك التكية البكتاشية وكان متفاعلا مع الفكر التخطيطي الذي طرحته لانه رجل متخصص من جهة وابن حريص على النجف من جهة اخرى ومولع بحفظ تراث مدينته. وتناولت بهذه اللقاءات الاساليب والطرق في اعادة تأهيل مدينة النجف الاشرف. وبذلت المستحيل في تقديم البديل الحضاري والتخطيطي لمدينة النجف والذي يقوم في بعض جوانبه على الحفاظ على روح المدينة وتراثها من جهة وعلى الناحية الغائية من وجودها من جهة اخرى. في يوم من الايام دعا اخي الكبير وصديقي العزيز العلامة الدكتور السيد محمد بحر العلوم جمعا من اهل المدينة وعندما دخلت للقاء ابرز لي مهندس معماري خارطة لا علاقة لها بتخطيط المدن لا من قريب او بعيد واذكر ان الالوان الموجودة في الخريطة او المخطط اعجبت البعض فقال ان المخطط جميل جدا!!!! قلت له: قد تكون الالوان اعجبتك ولكن هذا المخطط لا علاقة له بتخطيط مدينة ثم ما علاقة مهندس معماري او مدني بتخطيط المدينة؟ ومن باب الشيئ بالشيئ يذكر انه يمكن ان تحول بعضا من اجزاء المدينة لمهندس معماري او مدني او مهندس طرق او مهندس صحي لتزويد المدينة بالمياه او للصرف الصحي في المدينة ولكن من يخطط المدينة هو متخصص اخر اسمه مخطط المدن وثقافته ثقافة تمكنه من مباشرة الموضوع. على اي حال حصل جدل صباح ذاك اليوم جعلني اخرج فخرج خلفي العم السيد بحر العلوم داعيا اياي ان استمر باللقاء قلت له: مثل هذا اللقاء غير مثمر وان الحديث فيه كالنفخ في قرب مزروفة. وقد لاقيت من الجهل والجشع والرغبة في التكسب على حساب لحم الاباء والاجداد من خلال اكل المتبقي من جسد المدينة وتراثها وابتعاد القرار التخطيطي عن اهل الاختصاص ما جعلني اخرج من المدينة ومن دون عودة اليها كمخطط مدن بل كنت ازورها دائما لانها مقر حبيبي وامامي امير المؤمنين علي… وللاسف علمت فيما بعد ان هناك الكثير من التخريب مد بظله غير الشريف على المدينة مكملا الشوط الذي بدأه صدام في تخريب هذه المدينة وتخريب مدن مقدسة اخرى في العراق. وقد اكتشفت ان تخريب المدينة على يد الملأ من اهل المدينة أكثر من نظيره زمن النظام البعثي الصدامي المباد!!!

 هل الشّاعر الذي يسكنك هو المسيطر على حياتك وفكرك ومشاعرك؟

الانسان بعقله وروحة ونفسه وجسده اكبر من الشاعر، والشاعرية هي فرع الانسانية، وحسب ظني فان الانسان الذي بداخلي هو المسيطر علي كالشّاعر وسياسي ورب اسرة وصاحب علاقات اجتماعية وهو الذي يسكنني وهو المسيطر على حياتي وفكري ومشاعري وتصوراتي وعلاقاتي. ولكن من جهة اخرى فان الشاعر الذي في داخلي ويسكن في ذاتي يشكل مساحة كبيرة من كياني المعنوي.

 من يقرأ فكرك ونقدك يراك إنساناً صارم وعلمي وعقلاني،ولكن من يقرأ إبداعك يكتشف أنّك إنسان مرهف إلى حدّ مدهش.فمن أنت حقيقة؟ الإنسان العقلاني الصّارم أم الشاعر المرهف؟

 لا أرى تناقضا بين الحالتين، ما دامت كل حالته ترتبط بموضوعها، وسؤالي هل هناك شخصية في الحروب والقتال اشد من علي ابن ابي طالب ولكن هذا الانسان كان ارق انسان في جوانب اخرى في خضوعه لله وفي ادعيتة وتواضعة للناس وعطفه على الفقراء لقد جمع الاضداد في شخصيته ما دامت هذه الاضداد غير متضادة مع عقيدته وايمانه.

بالنسبة لي انا لا اعرف الهزار في حياتي بل ان الجدية هي منهجي في العمل. وقد احاسب الذي يعمل معي بدقة لكني في عين الوقت اجلس معه انوح لو مسته ضراء وقد عرف الناس هاتين الخصلتين وحدودهما في شخصيتي. عقلانيتي وجديتي تتكامل مع شاعريتي ورهافة حسي ومن شابه اباه فما ظلم.

 الحبّ قضيّة ملحّة في إبداعك.فهل هناك امرأة معشوقة في حياتك بحقّ أم أنّك تختفي وراء قناع الحبّ لتقول أشياء أخر؟

 انا اعشق الجمال اين ما كان واحلى واجمل عطايا الله لعباده المؤمنين هن الحور العين. وقد استفاضة الاحاديث والروايات في وصف جمالهن والنلذذ معهن. كما استفاضت في وصف خمر الجنة، نعم انا اعشق الجمال ولكن جمال الوردة وجمال الطبيعة وجمال النهر وجمال المرأة يتمازج في شعري ويتحول الى جمال معان اكثر ما يكون جمال اجساد. فالمرأة والطائر الجميل والبحر عندي لوحات جمال وفن اكثر مما يكونوا أجسادا. ولو اردنا ان ننظر لجمال المرأة كجمال جسد، فان ذلك يقابله قبح بالمرأة والرجل على حد سواء في الجسد ولعله من المقرف ان نتناول هذا القبح الجسدي الذي يعرفه الجميع، واين سيكون جمال المرأة الجسدي عند الهرم والعجز والشيخوخة والموت!!! انا احب الجمال ولكن من دون ريبة فانا رجل ملتزم بديني الى الحد الذي اقدر عليه وارجو المغفرة من ربي على تقصيري. ولكن اجابتي عن سؤالك يا ذات الجمال والعلم والعفة: ان المرأة والخمرة من الرموز الصوفي التي يختفي خلفها الشعراء ولهم في ذلك تفننات واساليب ولي كذلك تفنني واسلوبي، وهكذا فأناك اتختفى وراء قناع الحبّ لاقول أشياء أخر.

 من يقرأ “ترانيم الموج الأزرق” و”مذكرات ابو المعالي السهران” يشعر أنّ هناك مقدار كبير من البوح والاعتراف في هذين العملين.فهل توافقنا الرّأي في ذلك؟

 اصبت فيما قلتي فقي ترانيم الموج الازرق ذوبان في عالم شعري انا لا اعرف حدوده وكأن البحر وامواجه يجذباني الى الاعماق وانا انظمه او اكتبه، وصدقيتي لقد كنت ابكي عند نظم الكثير من قصائده ومقطوعاتها وانا اخطها على الورق انها معاناة انسان يحترق، انسان يسابق الدقائق والساعات والايام ليفرغ همومه والالامه قبل الرحيل. اما كتابي الذي نشرت بعض فصوله ” مذكرات ابو المعالي السهران ” فهو مجموعة قصصية تحكي مسيرة حياة درويش رحال في دروب الحياة حاول ان يبوح بتجربته لاحبته واتوقع ان هذا الكتاب سيكون ممتعا ومفيدا لقارئه وباعثا له على التامل الدقيق والعميق والطويل لهذه الحياة، واتمنى ان اراه وقد خرج من محبسه الى عالم الضياء.

 كتبت في علم الأنساب، ما دافعك إلى ذلك؟ وما دافعك نحو هذا الاهتمام؟

 علم الانساب من العلوم العربية المعروفة وهو شعبة من شعب علم التاريخ وعلم الانثربولوجية الاجتماعية. وقد سيس هذا العلم عبر العصور واحيطت صفحاته بالكثير من مؤامرات التزوير. لذلك فالتعمق في دراسته سيكشف لنا الكثير من مبهمات التاريخ والكثير من غوامض المجتمع. كتب العرب اعدادا هائلة من الكتب حول الانساب، الا ان المادة العلمية في هذه الكتب ضئيلة وتكاد ان تكون مكررة ولكن هناك شذرات في علم الانساب تكاد ان تضيئ ولو لم تمسسها يد الباحث. لقد تم تزوير التاريخ على يد اليهود في التوراة وخصوصا سفر التكوين وفي الانجيل نجد ان نسب السيد المسيح مختلف في الانجيلين اللذين ذكرا نسبه، مع زعمهما ان المسيح ابن الله، تعالى الله عن ذلك!!! وتم تزوير التاريخ على يد الرواة العرب قبل الاسلام والمؤلفين في صدر الاسلام. واستمر التزوير حتى بلغ اوجه زمن نظام صدام حسين. وللاسف وكان وما يزال ذلك هو الواقع يستند الى الانساب في الوصول لمكاسب سياسية. ان تطور علم الجينات والـD.N.A)) سيساعد في تدعيم او نفي بعض النظريات المتداولة في علم الانساب. شهد النسب الانساني الكثير من التغيرات فكم من خارج من نسبه الى نسب اخر وكم من داخل في النسب وهوليس منه. وليس من العجيب ان نرى الكثير من الانساب التي اشتهرت بعروبتها بل وحتى بعض القبائل البدوية تنحدر من سلالات غير عربية!!! وارغب ان اقدم رواية ذات معانٍ مهمة في موضوع علم الانساب، فرُوي ان مسألة فقهية ألمت بالنسابة الكلبي المعروف باستاذيته بعلم الانساب، يقول: فدخلت المسجد فنظرت إلى جماعة من قريش وغيرهم من الناس، فسلمت عليهم ثم قلت لهم: من أعلم أهل هذا البيت فقالوا: عبد الله بن الحسن، فقلت: قد أتيته فلم أجد عنده شيئا، فرفع رجل من القوم رأسه لقال: ائت جعفر بن محمد عليهما السلام فهو عالم أهل هذا البيت، فلامه بعض من كان بالحضرة. فقلت: إن القوم إنما منعهم من إرشادي إليه أول مرة الحسد، فقلت له: ويحك إياه أردت فمضيت حتى صرت إلى منزله فقرعت الباب، فخرج غلام له فقال: ادخل يا أخا كلب، فوالله لقد أدهشني، فدخلت وأنا مضطرب ونظرت فإذا بشيخ على مصلى، بلا مرفقة ولا بردعة، فابتدأني بعد أن سلمت عليه فقال لي: من أنت؟ فقلت في نفسي: يا سبحان الله غلامه يقول لي بالباب: ادخل يا أخا كلب ويسألني المولى: من أنت!! فقلت له: أنا الكلبي النسابة، فضرب بيده على جبهته وقال: كذب العادلون بالله وضلوا ضلالا بعيدا، قد خسروا خسرانا مبينا، يا أخا كلب إن الله عز وجل يقول: ” وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا ” أفتنسبها أنت؟ فقلت: لا جعلت فداك، فقال لي: أفتنسب نفسك؟ قلت: نعم أنا فلان بن فلان بن فلان، حتى ارتفعت فقال لي: قف ليس حيث تذهب، ويحك أتدري من فلان بن فلان؟ قلت: نعم فلان بن فلان قال: إن فلان بن فلان الراعي الكردي إنما كان فلان الكردي الراعي على جبل آل فلان، فنزل إلى فلانة امرأة فلان من جبله الذي كان يرعى غنمه عليه، فأطعمها شيئا وغشيها، فولدت فلانا فلان بن فلان من فلانة وفلان بن فلان. ثم قال: أتعرف هذه الأسامي؟ قلت: لا والله جعلت فداك، فإن رأيت أن تكف عن هذا فعلت فقال: إنما قلت فقلت، فقلت: إني لا أعود قال: لا نعود إذا، واسأل عما جئت له فقلت له: الخ، فاذا كان النسابة يجهل نسبة فما حال الاخرين؟!!

وينبع اهتمامي بهذا العلم منذ ايام الطفولة اذ كنا نجلس عند كبارنا ونستمع احاديثهم عن الاصول والاجداد، ورحم الله جدي لامي العلامة الفقيه الشيخ عباس المظفر فقد كان اضافة لعلمة الديني نسابة لا يشق له غبار وقد حصلت على الكثير من المعلومات على يديه وكان يخصني بلباب هذا العلم اضافة الى علوم التاريخ والفقه والرجال، كما تتلمذت على علماء لا يشق لهم غبار في علم الانساب ونلت منهم شهادات واجازات في هذا الفن واذكر منهم المرحوم العلامة السيد مهدي الوردي الحسيني والعلامة السيد عبد الستار الحسني والخبير المحقق السيد عدنان القابجي الموسوي وغيرهم. ولعل من اسباب اهتمامي بهذا العلم وتتلمذي على ايدي اساطنه:

  • هو جزء من علوم الامة العربية والاحاطة بحضارة هذه الامة لا يمكن ان تتم دون الاحاطة بانساب هذه الامة. وقد نفعني تخصصي في علم الانساب في كتابة كتاب “تاريخ دولة مكة قبل الاسلام” وغيره من بحوثي.
  • من خلال هذا العلم نتمكن ان نتعرف على طبيعة التركيبات المكونة للمجنمع العربي والعراقي تحديدا وصلات القربى بين المجاميع البشرية.
  • استخدمت الانظمة الدكتاتورية المتسلطة في العراق وبعض الدول العربية سياسة الطرد من العروبة والتعجيم الاجباري للعرب، لا سيما المنتمين لمدرسة اهل البيت، وبدراستنا المتمعنة بعلم الانساب نكتشف ان المطرود من العروبة هو العربي الاصيل والطارد هو دعي اعجمي لا غلاقة له بالعرب ما خلا الاستعراب وقد استفضت بشرح هذه الملابسات في كتابي غير المطبوع “مواطنون لا سبايا” وهو موسوعة عدد صفحاتها اكثر من الف وخمسمائة صفحة.
  • ولا يخفى ان معرفة علم النسب يقودنا الى تصحيح مفاهيم خاطئة كثير تؤثر في جياتنا العقائدية والسياسية والاجتماعية، على سبيل المثال تقوم اليوم حملة شرسة في محاربة شيعة اهل البيت باتهامهم بالصفوية. والدراسة النسبية الدقيقة تقودنا بادلة متقنة ان الاسرة الصفوية هي اسرة علوية هاشمية شريفة النسب ولكن تحولها وتبنيها لمذهب التشيع جلب لها كل الاتهامات الظالمة.
  • وعلم الانساب لو تم التعاطي معه بموضوعية وهدوء ومن خلال ان اكرمكم عند الله اتقاكم، يمكن ان يتحول الى مؤسسة لتقوية الروابط الاجتماعية واشاعة الالفة والمحبة بين الناس. وهو مصداق المنسوب للنبي، تعلموا انسابكم لتصلوا ارحامكم.
  • وعلم الانساب يؤكد لنا الاختلاط الكبير بين بني البشر فكم من عربي امه من غير العرب وكم من اعجمي تنحدر امهاته من سلالات عربية. وكم من عربي تحول الى غير عربي بعوامل الهجرة وغيرها وكم من اعجمي استعرب ولم يعد يعرف له نسب في غير العرب. واكبر درس يعلمنا اياه علم النسب ان القبائل العربية الاصلية هي قبائل بائدة وان الموجود اليوم من بني قحطان وعدنان هم من القبائل العبرانية المتعربة والمستعربة. وليس في هذا ادنى عيب بل كان الامام علي وابن عمة ابن عباس يفخرات ان نسب قريش يرجع للنبط وهم سكان لعراق القدماء.
  • وهناك اسباب اخرى منها ان هذا العلم به جمالية وجاذبية وهو يرتبط بذلك النوع من المعرفة الذي تحيطه الالغاز مما يجعل الانسان يشعر بنشوة الاكتشاف عندما يوغل في البحث في بطونه.

 ما حكاية اللون لأزرق معك؟ أنت تعشقه؟ ما سبب ذلك؟

 نعم انا اعشق اللون الازرق ولسبب بسيط لانه لون جميل، وهو لون السماء والماء والبحار. ولكني اعشق اضافة للازرق كل الالوان وافرح كثيرا عندما امازجها او اضعها على لوحة تتكامل بها الالوان في عالم الابداع والجمال. واعترف ان للون الازرق حضور في شعري ويكفيك ان اسم ديواني الثاني هو تراميم الموج الازرق. ولي كتابات مفصلة حول الالوان منها:

  • ملاحظات في تصميم الديكور.
  • ملاحظات في فلسفة الالوان واستعمالاتها.
  • وتأملات في اللون الازرق هكذا حدثنا علي البغدادي.

ولي دراسات اخرى حول الالوان، والبحوث الثلاثة المذكورة وغيرها تشكل مادة كتاب ضخم قد يتجاوز الاربعمائة صفحة. اللون الازرق يشير الى الهدوء والصفاء والسلام والخير. ويبرز جمال اللون الازرق لو اخذ موقعه بين الالوان الاخرى.

كما اني نظمت قصيدة باللغة العراقية حول محبش الشذر الازرق وكان الازرق هنا يرمز للاستعمار الغربي باعتبار الزرقة في عيون المحتل الانكليزي والاوربي عموما، وتكرره في العراق وانه كان بالضد من الراية الخضراء التي هي راية الامة ورمز سلامها، واسميته محبس الشذر والعلم الاخضر.

 لقد رفضت تولّي الكثير من المناصب الرّسميّة في وطنك العراق.ما سبب ذلك؟

 كلامك صحيح وبلاء المناصب اليوم في جانبه المعنوي والانساني والتاريخي اكبر بكثير من مكاسبه المادية!!! هذه رؤية التزمت بها منذ سقوط نظام صدام وتحقق هذا التوقع لاحقا لما ستؤول اليه المناصب، واقولها بكل صراحة لواردت المناصب القيادية في الدولة وسعيت لها لحصلت على اكبرها ولكني زاهد بها لاسباب مقتنع بها وسيثبت المستقبل بل اثبت صحة موقفي هذا. اما منصب السفير فهو منصب غير قيادي بل وظيفي حاله حال رئيس الجامعة وهو منصب يتناسب مع عمري الوظيفي وشهاداتي العلمية.

 أنت بوصفك سفيراً للعراق في سوريا تصمّم على الدّوام في السّفارة في دمشق على الرّغم من خطورة الاو ضاع الأمنيّة هناك.فما سبب ذلك؟

 أصارحك إني لم اكن راغبا بمهمتي في سوريا لاسباب موضوعية على رأسها العلاقات التاريخية المتلبدة بين البلدين عبر عقود، ووجود مجاميع كبيرة ممن كان من جماعة صدام سكنوا بعد التغير في سنة 2003 في سوريا ووجود جالية عراقية ضخمة وهي في فقر مدقع وتقدر بمئات الالاف وتصل في حسابات البعض الى اكثر من مليون هكذا كان الوضع سنة 2009، عندما باشرت مهمتي في دمشق. ولكن ضغط قيادات العراق السياسية والوظيفية اجبرتني على القبول بحجة اننا لا نجد غيرك قادرا على ادارة وضع معقد مثل الوضع في الساحة السورية!!! وصدق حدسي فقد تحملت الكثير من المعاناة في مهنتي وهي معروفة لمن يتابع طبيعة تطورات العلاقة بين البلدين الشقيقين. مع قبولي للمنصب مجبرا وتحت يافطة الخدمة الوطنية لبلدي العراق وخدمة مئات الالاف من فقراء العراق المقيمين في سوريا، قررت تحمل المسؤولية وان كانت المتاعب والصعوبات تلاحقني. وقد تعرضت السفارة العراقية لعدد من الهجمات الارهابية الغادرة وراح ضحيتها مواطنة عراقية بريئة وكانت الضربة موجهة اساسا الى مكتبي ولكن الاعمار بيد الله. كما عانيت من الكثير من المشاغبات من العدو وممن يفترض انه صديق، والتي كانت تتلاشى ذاتيا حتى من دون رد وذلك لحضورنا الدام في ساحة العمل وتقديم كل ما نقدر عليه لخدمة الجالية العراقية في سوريا ولتطوير العلاقات بين البلدين. ان تصميمي على الدّوام في السّفارة في دمشق على الرّغم من خطورة الاوضاع الأمنيّة فيها ينبع من ايماني بضرورة الصمود والتصدي لاداء المهمة حتى في اصعب الظروف، ومن جهة اخرى تقديم المزيد من الخدمات للمواطنين العراقيين المراجعين للسفارة. وقد مضى على مهمتي في سوريا ستة سنوات وهي مدة طويلة في المعاير الوظيفية والدبلوماسية لسفير يعمل في منطقة ملتهبة وخطيرة!!! ومن الواضح ان للصبر والتحمل حدود!!! على اي حال قاني سأستمر بحضوري الدائم ما زلت في عملي، ولا تهمني المخاطر فقد قضيت معظم عمري اتنقل من خطورة لاخرى من دون خوف، وقد تعرضت في حياتي لاكثر من عشرة محاولات كنت بها قريبا جدا من الموت، وحكم علي بثلاثة احكام اعدام، فمثلي لا يخاف اذا اقتضى تكليفه الشرعي والانساني والوظيفي التضحية والولوج بالمخاطر لصالح قضية ينبغي القيام بها.

 ماهو حلم د.علاء الجوادي؟

 ان ارى الخير يعم بلدي وبلدان المنطقة والعالم وان نحيى في العراق والمنطقة حياة انسانية نتمتع بها بالديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية والرفاهية والسلم وحسن الجوار والتعاون. حياة تسودها القيم الانسانية وتنمو بها المعرفة. والعراقيون وبقية العرب والمسلمين يستحقون حياة كريمة. واحلم ان ارى الطائفية والارهاب والفساد قد رحلت من بلادي بعدما ضربت كما هو الحال اليوم باطنابها فيها. احلم ببلد يعيش اهله مكرمين مطمئنين مرفهين أمنين. بلد يحتض الفن والعلم والادب وتتطور به الزراعة والصناعة والتجارة والتكنولوجية. بلد يحكمه رجال محترمون لا رجال جاءت بهم الصدفة او الدوائر المظلمة او المحاصصة والطائفية رجال الكثير منهم بمستوى اشباه الاميين.

وعلى صعيدي الشخصي اتمنى ان أرى كتبي وبحوثي ودراساتي منتشرة بين الناس لا سيما العقلاء وذوي الرأي والبصائر والحِجى.

وعلى صعيد عائلتي واصدقائي واحبائي اتمنى لهم الصحة والعافية وطول الحياة برفاهية وان يحرسهم الله من كل شر ويمنحهم كل خير وان يطيل في اعمارهم ويكثر ذراريهم ويسعدهم وعوائلهم.

 المقرّبون منك يعرفون أنّك تهتم بتربية الحيوانات الجميلة وعندك عدد من الحيوانات اللاليفة خاصّة بك في بيتك، ما سرّ تعلّقك بالحيوانات؟

 انا احب الحيوانات الجميلة والاليفة منذ طفولتي، فتحت عيني في هذه الحياة ووجدت في بيتنا الكبير الواسع في بغداد القديمة الدجاج والبط والطيور والعصافير والقطط الخ. ويبدو ان حب الحيوان والعطف عليه من صفات العائلة بل من صفات عموم العوائل العراقية. وقد كان والدي سيد حسين وهو موظف محترم في الدولة، يحب الحيوانات وكان دائما يربي البلبل العراقي الجميل ذو الصوت الشجي. وكانت والدتي دائما تربي الدجاج. كان يوجد قرب بيتنا القديم سوقا لبيع الحيوانات لا سيما الدجاج، كان عندي يومها عشرة فلوس فقط، وكان احد الباعة يضع امامه قفصا به الكثير من الصيصان، وسعر الواحد عشرين فلسا، اشرت على واحد منها وقلت له: كم سعرها قال: عشرين فلسا، قلت له: هل تبيعها بعشرة فلوس قال: لا ولكن ابيعك هذا واشر على صوصيا ضعيفا ويبدو انه كان مريضا اولعله متوعكا بسبب البرد الشديد ذاك اليوم قال: ابيعك هذا بعشر فلوس. قبلت على مضض واخذتها وذهبت للبيت، لامني الاهل لانهم قالوا: انه موّات، لم اهتم لتعليقاتهم انما قربته من المدفئة واطعمته واشربته الماء واعتنيت به واذا به ينتعش في اليوم التالي واخذ يكبر ويقوى حتى اصبح بعد عام او اكثر ديكا قويا ولم يستطع ديكا من ديوك المحلة من منازلته واصبح صوته الجميل يسابق المؤذن في صلاة الصبح. وتعملق هذا الديك الذي كان صغيرا ويكاد ان يموت وبلغ وزنه ما يفوق الثمانية كيلوات!!! وكان يزهو هذا الديك بجماله فهو بلون ابيض جميل وارجل صفراء صافية وعرف احمر مثل لون الدم النقي، وذو صوت جميل، وفي احدى زياراتي لاخوالي في مدينة النجف توعكت وعللها الاهل ان سببها عين اصابتني، واهدت لي جدتي العلوية كميلة دجاجة سوداء وقالت لامي: اذبحوها لعلاء فان بها شفاء وتدفع العين والسحر. وعندما رجعنا الى بغداد، رفضت رفضا قاطعا ان تكون هذه الدجاجة ضحية لي واصررت على ابقائها، كان باصراري رحمة ونعمة للديك الابيض الذي سرعان ما عقد عليها عقدا طبيعيا كعادة الديوك وتزوجها وقضى معها اجمل الايام وباضت كثيرا من البيضات ثم احتضنت بيضها، بعدما هيئت لها امي بيتا دافئا صغيرا، وقفت عليهن بلغتنا البغدادية وما هي الا ثلاثة اسابيع واذا بسرب من الصيصان يسير معها وكبرن واذا بهن بانوراما لونية اجنل ما تكون الالون فقد حرر التزاوج بين ديك ابيض ودجاجة سوداء الدفين من العوامل الوراثية في اجيال الابوين الماضية. هذه قصة من قصصي مع الحيوانات. في بيتنا البغدادي الجميل ذو الساحة الوسطية المكشوفة كانت عندنا حديقة داخلية صغيرة بها ثلاثة شجيرات او اشجار شجرة رمان وشجرة نارنج وشجرة دفلة، وقد عششت فاختة على غصن لاحد هذه الاشجار ولكن ريحا هبت في يوم من الايام فسقط العش وكان منظر الفاختتين محزنا، ما كان من ابي العطوف الا ان يصلح العش ويثبته ويضع به البيضتين الصغيرتين بعناية وبهدوء وما كان منهما الا ان يعودا لعشهما ويجلسا على البيض وبعد انتهاء المدة خرج للحياة طيران صغيران جميلان وهناك الكثير من القصص لي مع الحيوانات. مع هذه الخلفية فمن الطبيعي ان تنشأ عندي حالة من حب الحيوانات الاليفة وتربيتها. وما تقوليه صحيح وعندي مجموعة جميلة جدا من العصافير والدجاج والبطوط.

بعض الاحيان يهرب الانسان من صحبة الانسان ليجد بديلا عنها في تربية الحيوان، وتربية الحيوان من الشؤون المندوبة في الاديان التي اوصت بالعطف عليها ورحمتها. ان تربية الحيوان تزرع الرحمة بالقلب. وهكذا كان نبينا راعيا للغنم وهكذا يظهر سيدنا يسوع عليه السلام حاملا لحمل صغير، واجمل صورة تاريخية ودينية لتربية الحيوانات ورعايتها هي سفينة نوح عليه السلام وحيواناتها التي امره الله بجمعها والحفاظ عليها. وفي تربية الحيوانات النافعة الكثير من الفوائد. ومن ميزات تعاملي مع حيواناتي هو ان اهديها لمن اعتز به من الاصدقاء او استخلص منها بين فترة واخرى عدد لاعطيه للمحتاجين والفقراء ليستفيدوا من لحومها، اما انا فلا أأكل لحمها قط، واما بيوضها فاهبها للحارس وعائلته للاستفادة منها. وبالمناسبة لي عدد من القصائد والقصص من وحي الحيوانات الجميلة. وقطعا اقولها بلا تردد ان الكثير من الحيوانات افضل من الكثير من الناس، لان فوائد ومنافع الحيوانات للانسان كثيرة جدا جدا لكن في المقابل فان اضرار بعض الناس للانسان لا تعد ولا تحصى!!!! نعم عندي مجموعة جميلة جدا من الكناريات والببغاوات والعصافير والطيور وغيرها من الحيوانات الاليفة مثل الخراف وعندي مجموعة من السلاحف واسماك الزينة. عندي ببغائين كاسكو تتكلمان واحدهن اسمتها سعد وهذا يقوم بالكثير من الفعاليات الجميلة وصدقيتي انه حساس لدرجة الصراخ اذا مررت عليه دون ان اكلمه واحك له رأسه فاذا اديت واجبي فانه يتفضل علي ويقول شكرا او هلو كما انه يناديني باسمي المجرد ومن دون اي القاب وتشريفات فيصيح بين وقت واخر: علاء!!  

السيد سعد حفظه الله ورعاه

واجمل اوقاتي اقضيها مع حيواناتي هذه، اطعمها واكاثرها وارعاها انها صفحة جميلة في الحياة، ولا تتعجبي ان اقول لك اني اتعلم منها بعض مكارم الاخلاق التي يفتقدها كثير من الناس بل اني توصلت من خلالها لتفهم الكثير من الامور الفطرية او الجبلّية عند الانسان. وقد يتبادر للذهن ان تربية الحيوانات عملية تخص المترفين!! اقول على العكس تماما الامر خلاف ذلك فاكثر الناس تربية للحيوانات هم عموم الناس والفقراء بل انها تعيش معهم في بيوتهم. والحيوانات كان لها حضورا مميزا في القرأن وفي احاديث الرسول، وقد كتبت قصة وشعرا في حادثة كانت ملحمة في الوفاء وكان يطلها طير من فصيلة الببغاوات التي تسمى الغندر  اسميتها “سنبقى مثل طيرين” وهي قصة حقيقية وراعة عن مجموعة من هذه الطيور كانت معي في بيتي في لندن واطلقت سراحها جميعا في يوم من الايام فطارت الى الاشجار في الجوار الا واحد منها كنت كلما اطلق سراحه اراه في اليوم التالي قد رجع ويدق زجاج الشيك ويريد الرجوع ليستقر على يدي!!! كان هذا الطائر اسطورة بالوفاء والقصة جميلة ومنشورة في موقع النور.

قال الله تعالى:(وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُون). وروي عن الرسول الاكرم قوله: “ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم”. لقد وردت روايات كثيرة عن طريق أهل بيت عليهم السلام باستحباب اتخاذ الحمام وتربيتها في البيت، كقول الإمام جعفر الصادق عليه السلام: إنه (أي الحمام) يستحب أن تسكن في البيت، فعن معاوية بن وهب قال: الحمام من طيور الأنبياء. وقال الإمام الصادق عليه السلام: كان في منزل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم زوج حمام أحمر. وذكرت الحمام عند أبي عبد الله عليه السلام فقال: اتخذوها في منازلكم فإنها محبوبة، لحقتها دعوة نوح عليه السلام وهي آنس شيء في البيوت. وعن عثمان الأصبهاني قال: استهداني إسماعيل بن أبي عبد الله الصادق عليه السلام فأهديت له طيرا راعبيا فدخل ابو عبد الله عليه السلام فقال: اجعلوا هذا الطير الراعبي معي في البيت يؤنسني. وقال عثمان: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وبين يديه حمام يفت لهن خبزا. وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: شكا رجل إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الوحشة فأمره أن يتخذ في بيته زوج حمام. وقال الإمام الصادق عليه السلام: إن الله عز وجل يدفع بالحمام عن هدة الدار. وقال ابو عبد الله الصادق عليه السلام: الحمام طير من طيور الأنبياء عليه السلام التي كانوا يمسكون في بيوتهم وليس من بيت فيه حمام إلا لم تصب أهل ذلك البيت آفة من الجن. إن سفهاء الجن يعبثون في البيت فيعبثون بالحمام ويدعون الناس قال: فرأيت في بيوت أبي عبد الله عليه السلام حماما لابنه إسماعيل. ومصدري في هذه الروايات كتاب الكافي للشيخ الكليني ج6.

واحب ان أروي حكاية واقعية جميلة عن قطة كانت تعيش في بيتي. كتب بتاريخ 8/6/2010، صديقي ومرافقي الحاج ابو صلاح مهدي صاحب، والد الشهيد المظلوم الشاب صلاح: ما اروعك والله فعلا انك لرائع ايها السيد الدرويش وما يعجني فيك انك تكره الالقاب والكنى التي نعرفها هكذا انتم اهل بيت النبوه وما اروع هذه الروح الشفافه والتي اذكر منها يوما اننا نمنا جياع بعد ان تكرمت بعشائنا للقطه التي اوصدت الباب بوجهها وتخوفت ان تشكيك الى خالقها بان تقول له: اوصد بوجهي الباب، فتبرعت لها بعشائنا وبت اتضور جوعا وانظر اليها متلذذة بعشائي وخيبتي تلك الليله! هكذا هو انت ايها الاخ العزيز، ودمت مثلا حيا دائما لاصدقائك واحبتك … فاجبته: اخي العزيز ابو صلاح، شكرا على مرورك الرقيق وقد اسعدني كثيرا وذكرني بحادثة القطة … ويمكن ان تكون قصة واقعية قصيرة واقول سامحك الله اخي ابا صلاح الوردة فانت اتهمتني اني ابقيتك جائعا ولا اظنني فعلت ذلك … واعيد لك رواية القطة المسكينة بحذافيرها … وهي انك كنت تراقبني عندما فتحت باب البيت فركضت القطة نحوي حسب العادة في تقديمي الطعام لها … وبدون التفات مني او انتباه اغلقت بابي بوجهها … ثم فتحته مسرعا وانا اتحدث مع البزون ولم اكن وقتها ملتفتا الى انك كنت تراقب الموقف خلف شجرة  … وقد قلت للقطة وقتها معتذرا: ولله لم اقصد ان اغلق الباب بوجهك … ثم ذهبت للمطبخ واخرجت لها صحنا من الطعام وكان طعامي الخاص ولم يكن طعامك يا رجل … فانت تزاغل علينا وتتناول وجبات الطعام وكذلك بقيت زملائي واخواني وابنائي بالختله … ذكرتني بحادثة هي قصيدة شعر بحد ذاتها….فقد خاطبت القطة وقلت لها:

معذرة لم اقصد ان اغلق بابي في وجهك ايتها القطة الجميلة

وقدمت لها لحما وحليبا فاخذت بالتهامه وهي مطمئنة

وعندما رأيتها قد شبعت وارتوت

خاطبتها: اشهدي لي عند الله اني لم أأذيك او أهينك او أحرمك من طعام

واسأليه لي الا يغلق بابه بوجهي

يوم آتيه وحيدا فريدا لا أمل لي الا رحمته….

قولي له: لقد اطعمني وارواني عبدك علاء

وآمنني من خوف

فاروه واطعمه وأمنه من خوف

يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم

عندها ظهرت لي فجأة وقلت لي: سيدنا ما الخبر ؟؟؟!!

لماذا تبكي انشاء الله خير؟؟؟!!

وما جرى؟؟!!

وهل انت على ما يرام؟؟!!

نظرت لك بوجوم وقلت لك بجدية ظاهرة: نعم انا على ما يرام

اردت ان تكسر هذه الجدية فقلت لي متبسما: سيدنا هل تعرف لغة القطط؟؟

قلت لك: لا انا لست نبي الله سليمان بن داود حتى اعرف لغة الحيوانات.

لكن القطة تفهم كلامي لان الله ألهمها ان تفهم كلامي

ألم تنظر الى المعاني المتقاذفة من عينيها؟؟

والمواء الجميل من فيها؟؟

وحركات حبورها لشعورها بالامن والامان؟؟

وما كنت ادري ان قلبك حساسا الى تلك الدرجة عندما ادرت وجهك واخذت بالبكاء وانت تقول: يا سيد هذا كلام عميق ومرعب لو تعامل الناس بعضهم مع بعض بهذه الروحية فاين كنا نصل؟؟؟ ثم اردفت: سيد دخيل جدك لا اتحمل مثل هذه الافكار المحلقة في السماء انا رجل بسيط وعلى قدر حالي

اما إتهامك لي يا ابا صلاح اني طيرت طعامك لصالح البزون فهو كلام يدل على انك كبرت واخذ النسيان يتسلل لذاكرتك … نعم ساعدكم الله انت وبقيت الزملاء على تحملكم معي ان يكون الغداء الساعة السادسة مساء او بعض الايام الثامنة ولكن الذنب ذنبكم لاني اقول لكم واكرر: لا شأن لكم بي اذهبوا وتغدوا لكن كرم اخلاقكم ووفائكم ومحبتكم كانت تؤثر ان تبقوا معي جياعا حتى انجاز اخر ورقة من عملنا او اخر مشوار من مشاورنا وانت تعلم اني قبل ما اتناول طعامي اصب او اسكب، كما يقول اخوتنا السوريين، لك ولبقية الاخوان وللسائق اياد او ابو فيصل وللحارس ابو محمد السوداني من راس القدر ثم أأكل بعدكم وهذا طبع تعلمته من ابي وتعلمه ابي من جدي وهكذا.

اشكرك يا رفيقي ان منحتني لقب السيد الدرويش فهو كما تعرف اعز علي من القاب كثيرة اخرى لا تحمل الا الخواء ولا تدوم الا ايام معدودات بلا رواء.

وعلقت السيدة الفاضلة المناضلة الدكتورة سراب شكري العقيدي: الدكتور علاء، لم اتفاجأ بطريقة تعاملك مع القطة بعد ان قرأت لك الكثير من اشعارك التي تنم عن شخصك الكريم وتعكس دواخلك اذ تظللها نزعة صوفية والتي هي طريق للتعلم كيف نحب وكيف نعيش بسلام وكيف نعيش بوفاق ووئام مع كل مخلوقات الله . هي طريق لمعرفة الخالق عبر معرفة الذات. فهنيئا لك ان ترقي روحك لهذا المستوى من التعامل ولكن سيدي لا تتوقع ذلك من كل من يكون فأشق جهاد هو جهاد النفس. ولك تقديري العالي

فاجابها ابو صلاح: لا تتفاجيء دكتوره سراب العقيدي وتقصدت باثارتي السيد ابو هاشم عندما قلت ان القطة اكلت طعامي! فعندي من القصص الكثير واعاهدكم باني ساثيره واذكره يوميا بالكثير لاني لا اعتقد ان احدا اكل ونام وسهر وتعب وجاع معه اكثر مني لانه لو دخل في صومعته للكتابه انتهى الزمن بالنسبه له ونبقى نتلضي انا وزملائي لحين ان يتذكرنا او ان تمغصه امعائه وتتقطع احشائه بسبب الادويه التي يتناولها من دون ان يتذكر انه اكل ام لا وساوافيكم بالمزيد عن هذا الدرويش والصديق المشترك والى قصص اخرى استودعكم الله جميعا.

عندما كنت رئيسا للدائرة اسيا واستراليزيا وافريقيا في مركز وزارة الخارجية، وكنت منشغلا بتوقيع الكتب الرسمية، وأظن التاريخ كان سنة 2006، واذا بي اسمع صوت ضرب وخربشة على زجاج الشباك وكان مكتبي في الطابق الثامن. لم التفت في بداية الامر. ولكن لما تزايد ايقاع الطرق على زجاج الشباك، رفعت رأسي واذا بغراب يقوم بكل هذا الضجيج، فتحت الشباك فهرب الغراب، رجعت لمكتبي رجع الغراب لطرقه الايقاعي على الشباك!! فهمت بالحال ان الامر يتعلق بجوع قد امضّ هذا الحيوان المسكين، ذهبت لثلاجة صغير في مكتب السكرتارية نضع انا والموظفين بعض الطعام البسيط به، نظرت فوجدت بيضا مسلوقا، اخذت بيضة منها وقشرتها، ثم اتجهت لشباك مكتبي، وكان الغراب ما يزال في مكانه فتحت الباب فطار وضعت البيضة واغلقت الشباك، وسرعان ما جاء الغراب مسرعا واخذها ذاهبا الى عشه لاطعام فراخه، كما عرفنا قيما بعد. قال مرافقي ابو صلاح ضاحكا: سيدنا منافس جديد على طعامنا؟ قلت له: خير الله كثير، وهذا رزقه ثم انت عربي يا ابو صلاح فهل يعقل ان يطرق بابك جائع فلا تطعمه؟ قال لي وامام الموظفين متلاطفا: سيدنا ها رجعنه لكلام الفلسفة والدراويش انت وين والناس وين؟! سكت ولم اعلق، ولكن المشكلة ان هذا الغراب اخذ يمر علينا يوميا ويقوم بالحركات ذاتها حتى يأخذ نصيبه من الطعام قطعة لحم او خبز او بيضة او حبة بطاطة …الخ. ولم تكن هذه ذروية القصة، بل طلب مني مجموعة من المؤمنين موعدا لزيارتي وكان عددهم بحدود تسعة اشخاص، وهم بصورة عامة مع كونهم موظفين وضباط الا انهم يمثلون طيبة العراقيين لا سيما اهل جنوب العراق، واعتقادهم بكرامات السادة، ومعرفتهم باتسابي للسيادة، اقول ذلك لارجع مرة ثانية لحكاية الغراب، فبينما هم جالسون يتحدثون معي واذا بصاحبنا الغراب يطرق الشباك وهو واثق بان امره مجاب، لم التفت له لانشغالي بهؤلاء الاصحاب. ازداد نقره لزجاج الشباك، لفت ذلك نظر الزوار، وقالوا: سيدنا، راح الغراب يكسر الزجاج!! هذا امر عجيب فلم نر غرابا يطرق الشبابيك والابواب، ولماذا يتقصد غرفتك يا سيد، وقال احدهم ولعله كبيرهم والله امركم عجيب انتم السادة ملكتم قلوب الناس بل ملكتم حتى قلوب الحيوانات، قلت لهم: سترون الان الجواب، وذهبت للثلاجة واخرجت منها حبة بطاطس او بيض لا اتذكر الان، وقشرتها  ثم ذهبت الى الشباك ففتحته ووضعتها بالموضع المعتاد، وما ان ابتعدت حتى حط الغراب واخذ الرزق المقسوم ثم طار. صاح احدهم وهو ضابط مرور برتبة نقيب، سيد والله هذا شيئ يخوف، وهل هذا الغراب حيوان ام جني بصورة غراب؟ وكان العجب يرتسم على الوجوه,,, تبسمت وقلت: انما هو حيوان مسكين دلته الصدفة الى مكان يحصل منه على طعام، ووجد منا الرحمة والامان وتلبية حاجته فاخذ يزورنا بانتظام وهذا كل ما في الكلام… لم يرقهم الجواب ونظر بعضهم لبعض ليظهر انه صدّق تعليلي، وعيونهم تدل على عدم التصديق لانهم كانوا يعتقدون ان ذلك من الكرامات!!! ولما خرجوا انحنى كبيرهم على يدي ليقبلها، وهو يقول داخلين بجاه وعرض جدكم محمد!!! وهذه قصة اخرى مع الحيوانات نقلتها بكل امانة وصدق تبين علاقتي بالحيوانات.

 أنت فنّان تشكيلي.ولكنّك تحتفظ بهذه الموهبة بعيداً عن الأنظار او المشاركات في المعارض، ما سبب ذلك؟

 هذا طبع مسيطر علي بشكل كبير فالى فترة قريبة جدا انظم الشعر واحتفظ به لنفسي وارسم اللوحات واحتفظ بها في زوايا بيتي واكتب الكتب واخفيها في اراشيفي واقوم بالكثير من الاعمال واكتمها. لا اعرف لحد الان هل سبب ذلك، تربية مخطوءة في فهم معنى نكران الذات والابتعاد عن حب الظهور؟ هل هو بقايا تربية حزبية تؤكد على التكتم واخفاء الشخصية؟ هل هو بقايا موروث تاريخي في التكتم وعدم الاعلان لحفظ الحياة وتجنب ان يرمى الانسان بالسهام من قبل الاعداء؟ هل هو من مؤثرات الجدات في عدم كشف الموجود خوفا من الحسد؟ هو كل ذلك مجتمعا؟ ام ان سبب ذلك هو الشعور بتفاهة هذه الدنيا وان النتاج الادبي والفني والتشكيلي هو مجرد تنفيس عن ضغط داخلي وبمجرد ان يخرج من الداخل لا يوجد دافع لنشره واطلاع الاخر عليه؟ ام هو شعور ان كل شيئ ما هو الا زائل فلم الاهتمام بالزوائل؟ على اي حال الى فترة قريبة لم اكن اقبل نشر شيئا من شعري ولكن تحت ضغط الاحبة ولومهم بدأت بالنشر وصدر لي ديوان كبير من الشعر “القيثارة الحزينة” وديوان كبير اخر “ترانيم البحر الازرق” قيد النشر. ولي تحت يدي اكثر من مائة لوحة تشكيلية واعمال تشكيلية معمارية اخرى وهي جاهزة لتكون مادة فنية لاكثر من معرض، وسأنشرها بكتاب واحد تحت عنوان “خواطر تشكيلية”.

 نلحظ في إبداعك الحزن الخفيّ.ما سبب ذلك؟

 نعم هذا صحيح وهو نابع من حزن قديم لا اعرف اسبابه. عندما كنت طفلا صغيرا كان بيتنا مثوا وموئلا للكثيرين من الاقارب من النجف والحلة وكربلاء والبصرة، وكانوا ينزلون عندنا اذا زاروا بغداد وكان الكثير من اقاربنا في هذه المدينة يزورونا، كنت افرح كثيرا لهذه الزيارات ولكن حزني كان كبيرا عندما تنتهي زيارتهم ويرجعوا لمدنهم فكنت من صغر سني اشعر بمرارة الفراق ولذيذ الاجتماع. وكان عمري اربعة عشر عاما عندما قلت لامي: لماذا يا امي اشعر بالحزن وانقباض القلب عندما اسمع بعض انواع الموسيقى ووقت الغروب؟ اجابتني فورا: لانك ستتغرب في حياتك يا ابني! وقد صدقت نبوتها. انا اعتقد ان الموت والفراق والنهاية تجعلني احس بحزن عميق عميق. عندما اسمع ام كلثوم بعض الاحيان اهرب من الصوت والموسيقى مع جملهما الطاغي، ولا او اصل الاستماع، لاني اشعر بالاختناق لان صوتها يذكرني بالحنين لماض سحيق ولمستقبل مجهول ونهاية غامضة!! هل ان قضية تموز وفاطمة الحسين وزيبنب ومآسي بلادي وتدميرها المتكرر على يد البدو الاعراب والمغول والغزاة تجري ألامها مع دمائي!!! ثم هل يوجد عراقي اصيل واحد لا يظهر عليه الحزن في كل مناحي احاسيسه حتى لو اراد ان يخفيها، ولكن هذا الحزن العراقي المقدس هو صانع الحضارة الانسانية! فمنه كانت الاديان والملاحم والشعر والادب والعلم والحساب والهندسة وعلم الفلك والنجارة والحدادة والبناء والزراعة والكتابة. ومن احزانه كان ابراهيم ومنه كانت الهجرة برسالة التوحيد وسينطلق من احزانه الفجر المنتظر للبشرية المعذبة. حزني ايتها الاديبة تفسره شلالات الدم في بلدي وتفسره كثرة اسماء الشهداء والمطاردين في سلسلة اجدادي.

 يسميك أصدقاؤك المقربون بالأمير؟ ماذا يلقي هذا اللقب من واجبات والتزامات على عاتقك؟

 هؤلاء الاصدقاء يعكسون طيبتهم واخلاصهم ومحبتهم وظنهم الحسن بي، ولكنني لا اعتبر نفسي اكثر من فقير مشرد يبحث عن سر في هذه الحياة لم يصل للان الى حل رموزه. كذلك اني لا اعتقد بوجود امير حقيقي بل كل الناس هم ضعفاء وفقراء. وعن اي امير نتحدث وان الله خلَق الإنسان هلوعاً، وخلقه ضعيفاً، وخلقه عجولاً، وهذه ثلاث نقاطٍ في أصل خلق الإنسان، نقاط ضعفٍ في أصل خلقه. ولكن محبة البعض لانسان تجعلهم يضفون عليه اوصافا قد لا يستحقها ولكنها المحبة والاحترام والاخلاص الذي يعيشه البعض فيابون الا ان يكرموا احبتهم بالقاب كبيرة. ان ترابيتي وعبوديتي وضعفي ونقصي احب الي من نعوت مثل الامير لا سيما وقد اقترن اسم الامير والامارة بظلم عباد الله وسرقتهم والاعتداء عليهم. ولكن الغرور قد يدفعهم ان يروا انفسهم اكبر من حجومهم الحقيقية. ولكن مثل هذه الالقاب تجعل المروء خجلا من نفسه امام اصدقائه هؤلاء ان لا يكون دائما بمستوى حسن ظنهم به، فتدفعه لمواصلة السعي في تربية وتطوير نفسه اكثر واكثر.

 من هو:

O شريك دربك: زوجتي وام ابنائي العلوية انعام الحكيم الرضوية

O حزن قلبك: الاغتراب والفراق

O سعادة عينيك: الجمال والتناسق

O صديقك الصدوق: الانسان المخلص في حبه ونصحه ومن يصون غيبة اخيه.

O حلمك الذي لم يتحقّق: دولة انسانية ومجتمعا متعايشا مسالما وعدالة اجتماعية. وانا اردد دائما مع نفسي ما روي عن امامنا المهدي بن الحسن العسكري: (اللهمُ اِنا نَرْغَبُ اليكَ في دولةٍ كريمةٍ تُعِزُّ بها الاسلامَ واَهلَه، وتُذِلً بِها النِفاقَ واَهله، وتَجْعَلُنا فيها من الدُعاةِ إلى طاعَتِك، والقادَةِ إلى سَبيِلِك، وترزُقُنا بها كرامةَ الدنيا والاخرة).

 لمن تقول ما يلي؟

O أحبّك: زوجتي وابنائي.

O رحلتَ مبكّراً: بنتي كوثر الشابة الصيدلانية التقية التي رحلت بعد اكمال درجة الماجستير في الصيدلة وكانت تتجه لاكمال الدكتوراه فاختطفها الموت مني وهي في ريعان الشباب وليتني كنت البديل عنها.

أشتاق إليك: من رحل من اخوة الطريق وكلما طال بي العمر اراني افقد منهم اكثر واكثر.

O ابتعد عني: السياسي المنافق الظالم السارق لقوت الشعب وهم كثر في العراق والعالم العربي وكل العالم.

O أحتاج فرصة أخرى: لمن يحكم علي ظلما او شتمني دون ان يعرفني، ولم يختلط معي فاريد منه فرصة لاعرفه بنفسي.

O حدث هذا بالخطأ: للخائن الذي وثقت به في يوم من الايام.

O كم جميل لو التقينا من جديد: الدكتورة الفاضلة سناء الشعلان.

O سامحتك: لكل من اساء بحقي من دون قصد.

O لا أتذكرك: للمغرور الفارغ من المحتوى والمتعالي على عباد الله فهو حشرة تافهة في نظري ولا يساوي عندي قلامة ظفر.

O اقترب مني: للعالم المتواضع الممتلئ بنور الله او المتعلم الجاد الذي يحب الاستاذ الذي يأخذ بيده والانسان الكادح الجاد الصادق.

O سأرحل معك: العراق الحبيب.

O أتذكرك دون انقطاع: ذنبي ونقصي وقلة حيلتي وكيف سأقابل ربي؟ وأردد عدة مرات في كل يوم في سجودي: قبح الذنب من عبدك فليحسن العفو والتجاوز من عندك. واللهم اني أسالك الرّاحة عند الموت والعفو عند الحساب.

O نادم على ما فعلت: لمن قصرت بحقه.

O ما أعظمك!: اقولها لكثيرين من رجال والنساء ولكن اجابة لسؤالك اقول: من الاقدمين علي بن ابي طالب ومن مشاهير القرن العشرين غاندي.

O ما أشدّ غرابتك؟: ذي المزاج المتقلب مع الاهواء.