الرئيسية / دراسات / قراءة في قصيدة للشاعر عبداللطيف رعري – أحمد وليد

قراءة في قصيدة للشاعر عبداللطيف رعري – أحمد وليد

للنهر مجراه…
للدمع مجراه..

ولتقاسيم الوجوه عناوين تسكنها
ولبحة الحناجر غصة نداولها
وللذكرى حرقتان..
واحدة للاستئناس بغدر العيون
وأخرى لطيّ صفحات زيف الأماني
هنا حلمي شظفة فوق عتبة النسيان
تستقيل الخواء على مراكب الهجران
وتقبّل طلقات الأفق بالأنين
هناك أساطيل للبوح وكسر الأقلام
تجازف بشلل الـأمواج اعطاب الدهر
وتداري بكاء الجزر محتشمة
لا هنا ..ولا هناك …
تستهويني أحلامي ولا دلال
لا هنا بل لا هناك مرسى يحتوي
زورقي حتى يهدأ البحر
غيرك أيتها الأبراج الواقفة لشموخ
أطياف السماء
منتصبة في وجة الجليد الأحمر
متربصة بسوط الجلاد ليجعل الضربة
ماءا زلال ويدك ترسم الشارة
انت تاريخ الأسلاف يستفيق على نار
لمّا عيون البوم تتلون ماءا
انت أنشودة لحنها ميال كما تميلين
انت مسودة أوجاعنا تطفو فوق هدرهم
تشكلك خيوط الشمس ببقايا القمر
أنت كنز انطوت عليه خنازير المستنقعات
وأمهلنها حينا للتراجع …
أنت يا أبراج بلادي لطهرك قداسة.
ثلاثية العشق تنتهي تحت قدميك
وقدسية هالتك الأولى سممتها
أيادي الغدر يثقلها
وأجراس الفولاذ بعبئها
لكن نوافذك المترعة صمّت صخبها بالإقفال
نامي الآن فطيور تسكنك تقتات من رنينها
وطنين عزلتك يقتلع جذوع الأنهار الصائمة
عن ألكلام..
نامي فصحوك على الفاجعة
يغري السلمون بالبقاء
ويؤثث لأطيافك مستقرا خلف الشمس
أنا حجرة صلبة تجعل ميلك محالا..
انا قطرة دمع تغسل عنك العار
انا نفحة عطر تغمر نبضك
بشهوة تغار من النار…
لن نحفر قبورا في أثقابك كما
فعل ألغزاة
ولن نتبول على وجهتك المطلة عل الشمس
وأنت تتلمسين آخر ومضة بعد الأصيل
خدي من الأيادي رايات للنصر
خدي من ظلالنا حلما سيكتمل
خدي من دمنا نسمة غرورك المستحب
خدي من أحلامنا طابورا أولا للارتقاء
فسفرك طويل
خدي الأظافر بالتمام والكمال
لوشم أفواه المدافع بالهزيمة
واخلعي عنك ثوب الخنوع
فالعراء يواتي تربتك
كما الحمق يواتي خلقتك
والقبور في حصاك رياضا للجثث
التي تحاشت الخنافس أكلها
شرف بهاك واقفة تعدّي الويلات
أحن عليّ أراك رسما باكيا ذليل.
أنا عكازتي في يمناي
أهش بها على أحقادي ..
ولي فيها مدّخرا لأعطابي
ومهيجا لما خفي من أطماعي
فتهليل صبحك غادر يقتسم
الندامة مع الليل.
انا لمّا شكلت منايا بلهيب النار
صار لي في غفلتي جمرتان
وصار لرؤاي عين لا تبصر
ولهواي تنهيدة تأبى الإفراغ
انت ايتها الأبراج
تهيئين ستائر الخلود لابتساماتنا
وتمررين نجواك سلاما لعقمنا
فتلد العاقر حلما في البياض
وتنبعث عصفورتي مرتين من الرماد
وتزهر شجرة الخير كالمعتاد
انا كسوت ظهرك بلحن السنابل حين مالت
وراقصت بعيوني صفاء طلعتك
مكبلا لمّا هلّت..
وانتظرت بزوغ فجرك محمولا في راحتي
وهدهدت احتراقي بثمالتي..
وسرت إليك أبغي ألاعيب طفولتي
أرقص كما شاء الرقص
أعدو كما تعدو أيامي
وأسهر على حفيف الأشجار
وأحي كما يحلو للحياة أن تحيى
وأموت فيك كما انت تموتين واقفة
وربما يأخدني الأبد الى مزهرية
وأزرع لمعان أظافري في عين الشمس
واحترق لوحدي
وربما لهفتي راحلة تمازح الريح
لتصطاد ذيل قوس قزح
وأهديك حظ البداية
وأحظى بمؤخرتي لأعدّ لكِ العناية .
عبداللطيف رعري
قدسية الأبراج

للنهر مجراه و للدمع مجراه و لتقاسيم الوجوه عناوين تسكنها و لك أيها الشاعر نبعُ و نهرُ و مجرى تنهل منه كلما أحسست بالظمأ فتشبع عطشك بحروف تهطل علينا زخات باردة تبحث عن مجراها داخل نفوسنا و قلوبنا  و أذهاننا لتسكنها …
فالشعر ليس سوى كلمات و الكلمات في حد ذاتها
لا تتغير و لا تتبدل لها قالب واحد لكن لن تصبح شعرا إلا عندما يمسكها من يتقن فنها فيخرج منها ما يريد التعبير عنه فموهبة الشاعر هي ما يجعل الكلمة تنطق سحرا و جمالا و تعطي دلالات و مفاهيم مختلفة و متنوعة مغايرة للتي كانت مألوفة و مستهلكة ، وحده الشاعر من يخرجها من القالب التي وضعت فيه ، يطلقها و يحررها من قيد المعنى المتعارف عليه إلى آخر أكثر إيحاء و تعبيرا لتصبح بالنهاية شعرا ، و الشعر في كنهه مساءلة قلقة للوجود ، وإضاءة قصد تبديد العتمة فيه ما يجعل من الأمكنة منفذا يتولد عنه الكائن الشعري و يبرز فعاليته و قدرته في التحليق بنا بعيدا بحثا عن الإنسان ، عن حقيقته ، عن مشاعره و دواخله ، يغوص بنا داخل الذات ليسبر كنهَها و يظهر ما خفي منها و هذا ما يحدث بالضبط مع شاعرنا عبداللطيف 
رعري Abdelatif Raari
إنه نسج إبداعي يخرج عن المألوف وهو تجربة متميزة نتعرف من خلالها على مدى طبيعة الوعي الشعري الإدراكي لدى الشاعر و وعيه التام بالتوتر النفسي لذي يعيشه ما يسهل عليه مأمورية نقله لنا لنعيشه معه مُحمّلاً برمزية إبداعية بناها على مشاهد تصويرية مستوحات من وقفته التأملية أمام الأبراج الشامخة المنتصبة في وجه الظلم و الظلام يحدثها و يكلمها منطلقا من زمان و مكان مطلق مستحدثا العلاقة الوطيدة التي تربط بينها و بين الذات الشاعرة و بين العالم الذي يتشكل تحت وطأة الغدر و سياط الجلاد … وفق رؤية تجعل من الذات أساس العبور فهو ينطلق من أحاسيسه و مشاعره المزدحمة بالحزن ( دمع ، غصة ، حرقة ، بحة ، أنين .. ) و اليأس ( زيف الأماني ، عتبة النسيان ، مراكب الهجران ، كسر الأقلام ، شلل الأمواج ، أعطاب الدهر … ) إلى استحضار الآخر ( الأبراج ) فهي ليست سوى حجر لكنها رمز الثقة و الوفاء و الشموخ ، هي التاريخ ، تاريخ الأسلاف ( يعني به المجد الضائع ) و أيضا هي انبثاق الأوجاع لأنها تذكره بخيباتهم ، غدرهم و خيانتهم و هزيمتهم أيضا ، هي الوطن بكل ما يحمل الإسم من قداسة …

يعبر الشاعر عن مشاعره بصور منتزعة من الحياة العادية المألوفة *المرأة العاقر * أو من الطبيعة * البوم * و * العصفورة *   التي تلد حلما أبيضا مع العلم أن العاقر لا تلد والحلم لن يتحقق أبدا ، إلا أن هذه الصور في النص تأتي بشكل جزئي غير مهيمن ، كما أنه إلتجأ إلى أسلوب التناص مع القران الكريم  ،  و التناص يعني استدعاء دواله و مدلولاته ، و التفاعل معها ، و إعادة تحويلها في نص معطى ، حتى تغدو جزءا من مكوناته و شبكته  الدلالية و النحوية ، فتكتمل حينئذ الدلالة بين النصين فيغدوان نصا واحدا .
يأتي التناص مع القران الكريم في  هذه الأبيات :
أنا عكازتي في يمناي
أهش بها على أحقادي..
و لي فيها مدّخرا لأعطابي
و مهيجا لما خفي من أطماعي
التي ( أي الأبيات ) تستنفر ذاكرة القارئ و تعود بها إلى آفاق النص القرآني عامة ، و إلى القِصة خاصة ، و بشكل أخص إلى قصة سيدنا موسى عندما كلمه الله سبحانه و تعالى و الكل يعلم قصة سيدنا موسى  عندما سأله  الله سبحانه و تعالى :  ( و  مَاتِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى.قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىغَنَمِي وَ لِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى ) سورة طه الآية ( 17 و 18 )

  هذا التناص يستحضر الحدث الكامن في ذاكرة القارئ حيث ترك له الشاعر مهمة  استكمال الفكرة  التي أرادها ( أي الشاعر ) من هذا التناص ،  فهناك  فجوات دلالية و تركيبية  توجد في ذاكرة القارىء بديهيا…  و هذه الأبيات حين تستدعي ذلك فإن تمة تشابه في المعايير الكلامية  و منها 

 معيار *الكم *

Quality /

   بمعنى أنك إذا ما سألت مخاطبك أو من توجه إليه الكلام فأجابك بكلام كثير يذكر فيه أكثر مما طلبت منه أي أنه في الإجابة لم يقتصر على السؤال بل طور و زاد و أعطى معلومات كثيرة  فهذا يعني أن له معنى ضمنيا ، و بما ان السؤال كان عن العصا فلماذا لم تكن الإجابة “عصا” و لماذا  ذكر سيدنا موسى و لي فيها مآرب أخرى ؟ ” كل هذا يدل على إحساس الأمان الذي إستشعره سيدنا موسى و هو يتحدث إلى رب العالمين ، فإسترسل في الكلام و زاد فيه  لكي تطول المحادثة مع خالقه ، لكنه ما لبث أن اختصر خشية أن يكون ذلك قلة ذوق منه في حضرة رب العالمين .

فهناك ألفة و إطمئنان في الحديثين ، فسيدنا موسى إستأنس  بالكلام مع ربه ، كذلك إستأنس شاعرنا بكلامه مع الأبراج التي تمثل الوطن بكل مفاهيمه أهمها الإنتماء و الحب … لكن سيدنا موسى يتحدث عن العصا و أهميتها عنده بدفىء و نعومة عندما يقول : * أهش بها على غنمي*  نلمس نبرة الحنان فبينه و بين أغنامه حب و هو يهشها خوفا عليها من أن تضيع و تضل عن باقي القطيع أما شاعرنا عندما يهش على أحقاده و له فيها مدخرا لأعطابه و مهيجا لأطماعه هنا يوجد اختلاف في اتخاد العصا كوسيلة ،  موسى يستعملها بحب لكن شاعرنا يستعملها بعنف و كأننا نراه يلوح بها و بقوة يمينا و شمالا ، نحس نبرة الحقد و الغضب و عدم التساهل أو التسامح … 

القصيدة مليئة بالأحلام البيضاء أحلام الذات ، و الحلم لم ينتج عن الشاعر إلا بإحساسه بالظلم و الهوان و الفراع أيضا  * هنا حلمي شظفة فوق عتبة النسيان ــ تستقيل الخواء على مراكب الهجران ــ و تقبّل طلقات الأفق بالأنين * تستهويني أحلامي و لا دلال * ، فعندما نحب الوطن بصدق و نراه  يسقط  و يُدمّر أمامنا حجرا حجرا و نرى حلمنا في بناءه ينهار نحس بعجزنا و عدم قدرتنا على النهوض به أمام كل المشاكل التي يتخبط فيها الوطن و بالتالي نتخبط فيها نحن كمواطنين ما يجعلنا نسقط في هوة الهوان و الفراغ المدقع لا نعرف ماذا نفعل و أين نلتجىء و هذا ما دفع الشاعر لتكليم الأحجار لأنه يئس من التحدث للبشر فإلتجأ للأبراج …  

القصيدة تعبر عن واقع  محاولة إيجاد البديل في واقع آخر تمناه الشاعر و راوده في هيئة حلم  غير متحقق في الغالب ، إن لم يكن مستحيلا ، لأن الحلم النابع من الرماد يظل هباء و لا شيء *  وتنبعث عصفورتي مرتين من الرماد * 

 أحلام وأفكار من الصعوبة تحقيقها  على الواقع  ، فالنص لم يذكر ماهية الأحلام و لم يحدد نوعها ،  فالشاعر ترك للقارىء مهمة استنباط المغزى لمعرفة الحلم ، هذا الأخير ( أي القارئ ) يلمحها من خلال  مشاعر الغضب و اللوم و الألم التي جاءت في النص …

والشاعر و هو يغوص بنا داخل هذه النفس المعذبة اليائسة و المترفة بالجراح يعرج بنا إلى تخوم الفاجعة التي لا يود لهذه الأبراج أن تستيقظ عليها إ يطلب منها أن تنام و تغرق في النوم لأنها بعدما كانت * أي الأبراج * رمزا للقوة و الشموخ و العنفوان أصبحت فارغة و مهجورة و مسكنا للطيور … هنا تحمل القصيدة تشكيلا من المفاهيم يرتبط بالسياق الدلالي و يتفاعل و الذات الشاعرة انطلاقا من مفهوم الرمز الذي وظفه الشاعر لإظهار أوجه متعددة للقهر و السقوط في هوة اللوم فهو يلوم نفسه و يلوم الآخر على التاريخ المجيد الذي لم يبق منه سوى ذكرى تؤلم كل من يسترجعها على ما فرطوا فيه و على الأوضاع الحالية التي يعيشونها الآن بسبب الإهمال (لا هنا بل لا هناك ) يقصد بها حالة التوتر السياسي و الإقتصادي و الإجتماعي التي تعاني منها كل المجتمعات العربية زيادة على الثورات التي لم تثمر و الظلم السائد في جميع الأقطار …  ليسطر لنا كلمات يمتزج فيها التوتر و الألم و الذكرى و الأمل الضائع كل ذلك في قالب شعري متشابك نفسيا و تاريخيا ما ساهم في إبراز فاعلية القصيدة و في إستثمار اللغة كوسيلة أو متنفس شعري مختزلة داخل رقعتها المرموزة إضاءات تحمل البعد الدلالي التاريخي و النفسي و الجمالي للقصيدة ، فالتعبير عند الشاعر مرتبط بقدرته على الإيحاء و التأثيت لصور شعرية إستعارية تعبر بنا الألم في قارب يجتاز نهر الحسرة و التأوه إلى شاطىء الإدراك الجمالي الذاتي عبر استحضار سمة الخيال داخل بنية كلامية تكاد تكون عادية لغويا لكنها كبيرة و شاسعة على مستوى المعنى و الدلالة ، كل ذلك داخل بنية صوتية تركيبية تنصهر فيها الذات الشاعرة و الكائنات الشعرية و علاقتها مع التاريخ و مع الآخر في قالب فوضوي يوحي بتأجج المشاعر و إزدحامها . هكذا استطاع الشاعر أن يُخرج القصيدة من المألوف إلى تجليات بصرية عميقة تشد القارىء و تبدد الغامض و المجهول في نفس الشاعر بل و تلقي الضوء على المراد و المرغوب فيه ( الحلم الضائع = وطن ) فالشاعر قد وجد وسيلته و هي الشعر لينسج فضاء القصيدة من عوامل الطبيعة المختلفة و المتمثلة في النهر و الحجر و الريح و الشمس و الفجر … فهذه العناصر الطبيعية ساعدته ليتخطى المكان و الزمن

إلى المتخيل الشعري المطلق ليخلق عالما خاصا به يستنطق فيه الصمت و يكلم فيه الجمادات بأسلوب أقرب إلى التلقائية و العفوية معبرا عن الذات عن الحلم …
القصيدة نتاج إبداعي تتداخل فيه الإرادة الإدراكية الواعية للذات الشاعرة و الطاقة التخيلية للشاعر عبر الإنفتاح على الذاكرة و التاريخ عبر رؤية تعبيرية صادقة عن الذات و عن الحلم و الآخر و قدرة فائقة على لغدو و الرواح بكل تلقائية داخل جسد القصيدة دون زمن و بلا مكان .
راق لنا ما سطرت … 
تحياتي و احترامي .

شاهد أيضاً

أحمد عبد الرحمن جنيدو

القُدْسُ تَحْتَ القِيْدِ – أحمد عبدالرحمن جنيدو

قصيدة من ديواني الجديد(إنّها حقّاً) القُـدْسُ تَـحْـتَ القِـيْـدِ نَامَتْ تَـرْسِـفُ. دَمُـهَـا النَّـقِـيُّ مِنَ النَّخاسـَةِ يُـرْشَـفُ. …

قِصَّةٌ قَصِيرةٌ مجنونةُ حَيِّنَا – هند العميد

مجنونةُ حَيِّنَا كانتْ أكثرَ العاقلين حكمةً ورشدًا ، هكذا كانتْ تراها أحرفُ القصيدةِ ، وصورةُ …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: