الرئيسية / دراسات / قراءة في قصيدة خالد علي عجيل- بقلم أحمد وليد

قراءة في قصيدة خالد علي عجيل- بقلم أحمد وليد

 أخذت تشخشخ بحبات الودع 

قالت :هناك سر !!
تعا و لا تكابر
توقفت خطواتى
تقصدنى.. هل نضج السر على وجهى
هممت أن أتجه نحوها ..
حدقت فى ودعاتها
فى يديها المتنمره
وانصرفت !
نعم هناك سر
ولكن ..ياضاربة الودع
هل مر من أمامك يوماً
أحدٌ بلا سر
…………………………. خالد

 

تتخذ القصيدة من العلاقة بين الشاعر و ( ضاربة الودع ) محورا أساسيا لتصوير إشكالية التناقض و الإختلاف في الإعتقاد و التفكير ، و التعايش أيضا فظاهرة ” ضاربة الودع
” ليست بالشيء الغريب على الشاعر فهي نوعية أونموذج متعارف عليه في المجتمع
المصري خاصة و المجتمع العربي عامة و قد نجدها أيضا في المجتمع الغربي ، تعايش
جسّدَهُ الشاعر من خلال وقوفه أمام ضاربة الودع ” توقفت خطواتي ” لكن بتضارب
أفكار و مبادىء فضاربة الودع تعتقد بمعرفتها للغيب و قراءة المستقبل “قراءة
الطالع ” دون معرفتنا أو جزمنا بأنها تؤمن بهذا الإعتقاد أو هو فقط مهنة
تمتهنها و إن كانت ضربا من ضروب النصب و الإحتيال ، و على النقيض نجد الشاعر
يكذبها داخل نفسه دون أن يُظهر لها ذلك أو يؤدي شعورها بكلمة و يظهر ذلك جليا في هذه الأبيات
حدقت فى
ودعاتها 
فى يديها المتنمره 
وانصرفت !
وقوف يقتضي التأمل و التساؤل ( هل نضح السر على وجهي ) يؤسس لبناء فني و طرح إشكاليةالقصيدة ما يدفعنا لتشريحها تشريحا نظريا لرصد البناء الذهني التراكمي لها . 
و الشاعر كإنسان و في حالته الشرودية مثقل بألغاز لا يستطيع فك شفراتها ، لا يملك من أمره شيئا ، مؤمن بالقضاء و القدر يعرف طريقه لكنه لا يعلم مصيره ، فهو حالة للإنسان العادي الذي يعيش حياته واثقا
أن مصيره بيد الله و إن أثقلته الهموم و أعيته الدنيا .. على النقيض في الطرف الآخر نجد ضاربة الودع تحاول تحطيم كل اعتقاد داخل نفسه ما يجعله يتردد في الذهاب إليها و سماعها .. لكن تردده لا يدوم طويلا ، ينصرف عنها متسائلا بينه و بين نفسه
نعم هناك سر 
ولكن ..ياضاربة الودع 
هل مر من أمامك يوماً 
أحدٌ بلا سر
فنجد الشاعر
هنا بعد أن كان لا يملك من أمره شيئا يعي لكلام مخاطبته ، فهو مستمع و متلق في آن واحد يرهف سمعه لما تأمره به ( ضاربة الودع ) بلسان الأمر ” تعا و لا تكابر ” و في هذا رمز لإرادةالشاعر المسلوبة مقابل الإرادة القوية التي يتظاهر بها الطرف المقابل ( ضاربةالودع )، إذ يعتبر غياب ضمير المتكلم في الأبيات الثلاثة الأولى غياب الشاعر عن وعيه و تغييبا لذاته و طغيان ضمير الأمر تجسيد للمرارة و الحرقة التي يتجرعها الشاعر و لا يظهرها بين سطوره بل يتركنا نتحسسها من خلال الجو العام المسيطر على القصيدة ( تصوير درامي ) و هذا التصوير الدرامي للمشهد المُلتقط من القصيدة يؤكد على أن الشاعر يملأه الخوف بسبب مواقف موجعة حدثت له بماضيه مازالت تتزاحم داخله و لا يقبلها في حاضره ما يجعله يتخوف من المستقبل ،  بعد ذلك يستيقظ الشاعر من غفوته يحدق في الودع و أيدي ضاربته المتنمرة و أتى بهذا الوصف لإظهار الطرف الآخر بصفته المتوحشة و الأذى الذي تسببه للمجتمع ينظر إليها هذه المرةواعيا بنفسه منسلخا من ضعفه ،مستعيدا ذاته و كيانه لينصرف عنها و عن شرها و كأنه يخبرها عنه ، عن حاضره واعيا بمستقبله مستقرئا إياه من خلال معطيات الحاضر بين يديه و أيضا مؤمنا بقدره الذي بين يدي ربه . دون أن ننسى كلمة ” السر ” فهي لغز القصيدة التي بنى عليها الشاعر فكرته الأساسية ، فجاءت مطلقة تعبر عن سر كل الأشياء الموجودة و سر كل الأشياء المقروءة و غير المقروءة و ربما كانت سر الإنسان نفسه أو سر الوجود .

و قد إستحضر الشاعر شخصية “ضاربة الودع” لأنه يرغب و بشدة في إستقراء مستقبله و معرفة ما تخبئه له الأيام و أيضا كشف الغموض الذي يحمله له القدر ، فجاء بمشهد “ضاربة الودع” ليعبر ضمنيا عما يتأجج داخله من إستفسارات تخص المستقبل فهو لم يصرح عن رغبته في معرفة الآتي بطريقة صريحة و مباشرة بل بطريقة غير مباشرة ، فهو يظل إنساناً قبل أن يكون شاعرا تتحكم فيه متغيرات و دلالات الوعي عنده فيخرج من العقل المفكر الواعي إلى التفكير اللاواعي ، فالإنسان و إن تميز بخاصية الوعي لا يعني أنه ذاتا واعية كلية فهو محكوم من قبل فاعلية لا واعية تتمثل في دوافع غريزية و في أفعال غير واعية و من هنا يمكننا تحديد خاصية اللاوعي عند كل إنسان .. و لنفترض أن هذا الحدث الذي أخبر عنه الشاعر وقع معه بالفعل على أرض الواقع و لم يكن إسهاباً في الخيال إلا أنه أثر فيه لدرجة جعلته يكتب عنه شعرا و هذا لا ينفي رغبة الشاعر الملحة في معرفة المستقبل …

 تميزت القصيدة بالبناء الدرامي فجاءت متكاملة تقوم على التعبير بالشخوص الواضحة ( الشاعر و ضاربة الودع ) و بالحدث و الصراع ــ صراع مع النفس و مع الآخر ــ  كما أنها تنقسم  إلى مقطعين الأول يمثل مرحلة السكون و الغفوة و الثاني اليقظة و الرجوع لليقين مع نوع من الثورة و التمرد على المعتقد الخرافي لضاربة الودع و لكل من يعتقد بهذه الأشياء ، لينهي الشاعر قصيدته بالإجابة على سؤال مع طرح سؤال آخر يتضمن الإستفهام و الإستغراب و النفي  و ينصرف بالأخير مستحضرا ذاته عائدا لعالمه الواقعي  .
و هكذا تكتمل الصورة التي رسمها الشاعر بناء على المشهد السينمائي الذي علق بذهن القارىء ، و قد جاءت الجملة الشعرية بسيطة و غير معقدة ، دافقة منسابة لا تصنع فيها ، بليغة و عفوية تمثل أحاسيس و انفعالات الشاعر خالد علي عجيل . 
رائع ما سطرت شاعرنا لك مني كل التقدير و الإحترام .

شاهد أيضاً

تطبيق تحدي المعرفة حمله مجانًا

        يحوي التطبيق على 12 تصنيفا الأدب العربي اللغة العربية التاريخ صدر …

أم على قلوب أقفالها – محمد فتحي المقداد

  مع بداية انطلاق حياتي العمليّة في العام ١٩٨١، انقطعتُ عن الدراسة في الصفّ الحادي …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: