الرئيسية / دراسات / شهادة في حق الراحل عبد الله ودان

شهادة في حق الراحل عبد الله ودان

للناقد والباحث الأستاذ مصطفى لمباشري

 

حين كلفني الإخوان بالاتحاد المغربي للزجل, بل شرفوني بتقديم شهادة في حق الراحل عبد الله ودان انتابني إحساس غريب أحدث رجة في نفسيتي حد العجز عن الكتابة عن قامة زجلية استثنائية, في زمنها, ومثقف عضوي وهب زهرة عمره لهذا الوطن ولناسه المغبونين بمختلف شرائحهم الاجتماعية, وفي ذات الآن تملكني شعور بالحنين إلى تلك المرحلة الزاهية ثقافيا وسياسيا حيث تشبعنا, نحن المترعين بالأمل, بمناخها وارتوينا من رحيقها الذي لا زال رجع صداه يتردد إلى يومنا هذا ولو بشكل محدود في بعض أرجاء الوطن. وبعد شد وجذب قررت في نهاية المطاف المساهمة بهذه الكلمة البسيطة علها تسعف في لملمة بعض شتات الذاكرة وتسمح بفتح كوة يمكن الإطلال من خللها على ما ترسب عن الراحل عبد الله ودان لدي ولدى كل المشدودين إلى شخصه إبداعيا سيما من لا تربطهم به أية علاقة اجتماعية وأنا أحدهم. ولا أظن بأنني سأزايد على الكثيرين من أصدقائه الحميمين مما تفوهوا به في حقه, كل ما هنالك سأحاول تسجيل بعض الارتسامات العالقة بالذاكرة مذ غدا اسم عبد الله ودان يتردد عبر أرجاء الوطن كزجال بفضل الدور الذي لعبه الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في ترويج أشرطتة المسجلة إن بكلية الآداب أو المدرسة المحمدية للمهندسين. بفضل زجله تمكن عبد الله من التسرب إلى معظم بيوت المغاربة عبر الأشرطة المسجلة التي كان يتهافت عليها التلاميذ والطلاب والعمال والموظفون, ناس التعليم بالأساس, نظرا لما اتسمت به أزجاله من سلاسة وقدرة على اجتراح تيمات تشكل هاجس معظم ناس المجتمع في ظل الأوضاع السائدة في المرحلة تلك الموسومة بسنوات الرصاص. المثير في تجربة عبد الله جرأته المجسدة في اشتغاله الفني الذي عرف بالبساطة المرهفة والمباشرة الرقيقة الهادفة إلى تعرية النظام وأجهزته القمعية من أوراقهم التوتية, وفضح خلفية آلياته المؤسساتية المتهافتة على المناصب المدرة, والكشف عن الاستغلال البشع الممارس على المسحوقين من طرف آكلي لحوم البشر. هذه الجرأة لم تنبت في فراغ ماحق, بل هي وليدة مناخ احتقاني شكل التلاميذ ” نقابتهم بالأساس ” والطلبة ” ممثلين في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ” دعامة أساس لإفراز مثل هكذا تجليات شكلت شوكة في حلق النظام ولو إلى حين وأقضت مضجعه بالرغم من استقوائه. ولنا في أدبيات المرحلة إياها, أزجال عبد الله ودان ضمنها, وما أفرزته من نضالات في قطاع التعليم بالخصوص والقطاع العمالي, قبل بلقنته, شاهد إثبات على ذلك. وحين يتمثل المرء مسار هذا الزجال, صاحب المواقف الأصيلة واللغة الواضحة الأخاذة, الذي فارقنا على مضد ” هو الغائب الذي لا يحضر وأنا المشتاق الذي لا ينسى ” وفق مقول الراحل محمود درويش, تستوقفه مجموعة تساؤلات حول هويته السياسية نظرا لما كانت الساحة الطلابية على الخصوص تزخر به من تشنجات وتباينات على المستوى الإيديولوجي بين مجموعة فرقاء. ويبدو للملاحظ, لا سيما بعد حظر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب, وعسكرة المدرسة المحمدية للمهندسين, أن عبد الله رقم صعب على الاحتضان وغير مهيئ لا ذاتيا ولا موضوعيا للتقوقع داخل مدار أية جهة كانت هو العصي على الانتماء إلا للبسطاء من ناس المجتمع المغبونين والمقموعين والمسحوقين الباحثين عن لقمة الخبز الحلال وكأني به قد تمثل مقولة بابلو نيرودا المأثورة: ” إليكم جميعا أنتمي وبكم أعترف ولكم أغني “. وأخيرا, هل كان عبد الله ودان من خلل أزجاله يصرخ, كما ادعى بعض مجايليه, أم أنه كان يشتغل وفق تصور تبناه, إلى جانب مجموعة من رفاقه, منذ انخراطه في خضم تجربته الإبداعية والنضالية المحدودة بالجامعة لكنه, كغيره من المناضلين, أصيب بخيبة أمل ؟ ذاك ما يمكن استنتاجه بالتحديد, بحيث بعد إنهاء دراسته الجامعية بالمغرب انعكف على نفسه, هو الصامت أصلا, بعد أن تبين له انسداد الأفق طيلة تواجده بمدينته الأم, فانبرى للاشتغال على المسرح مع ثلة من التلاميذ إلى جانب انكبابه على بحثه الجامعي المتميز إلى أن هاجر إلى فرنسا قصد إتمام دراسته الجامعية العليا. وبعد مدة زمنية محدودة لم يشفع لعبد الله انكبابه على رسالته الجامعية التي لم تتح له فرصة مناقشتها, كما لم يشف غليل المتربصين بمساره توقفه عن قراءة أزجاله الأخاذة نظرا للظروف القاهرة المسيجة لمعظم فضاءات القراءة آنذاك باستثناء بعض دور الشباب التي لم يكن الراحل يرتادها لاعتباراته الخاصة, بل يبدو أنه كان يتحسس عيون الرقيب المخزني تترصد خطاه منذ انخراطه في النضال الطلابي داخل أرض الوطن أو نشاطه الفعال داخل الحركة العمالية في بلاد الغربة. لهذا الاعتبار الشاذ قرر عبد الله ودان الانعكاف على ذاته بعيدا عن الصخب الذي طال المرحلة تلك متجرعا مرارة التوجس والوحدة والفاقة والتنكر والجحود خصوصا في بلاد المهجر إلى أن طوى رحلته الأخيرة ورحل بشكل فجائي لم يستسغه لا أقرباؤه ولا رفاقه نظرا لهول الفاجعة. ولا غرو إن امتد أثر الصدمة إياها فتفجر إبداعا راقيا يليق بمقام هذا الإنسان الذي فارقنا على مضد لكن خارج إطار النحيب والندب والتحسر. ولنا في مقطع من قصيدة الزجال المائز إدريس بن العطار المنظومة حديثا خصيصا للمناسبة التي نحن بصددها نموذجا دالا على مكانة الراحل الإبداعية والنضالية, وعلى صدق إحساسه ونبل مشاعره وبعد رؤياه إذ يقول:
كان عبد الله
عارف وحاس
بالصادقين
الا نطقوا
والعاشقين
وما عشقوا
والحالفين
الا صدقوا
كان عارف
سريرة الليل
وسيرة لفجر
وسرار البير
وسيرة لبحر
كان عارف
قصة لغدر
وكان حاس
بالعرڭ الدساس.

شاهد أيضاً

أحمد عبد الرحمن جنيدو

القُدْسُ تَحْتَ القِيْدِ – أحمد عبدالرحمن جنيدو

قصيدة من ديواني الجديد(إنّها حقّاً) القُـدْسُ تَـحْـتَ القِـيْـدِ نَامَتْ تَـرْسِـفُ. دَمُـهَـا النَّـقِـيُّ مِنَ النَّخاسـَةِ يُـرْشَـفُ. …

قِصَّةٌ قَصِيرةٌ مجنونةُ حَيِّنَا – هند العميد

مجنونةُ حَيِّنَا كانتْ أكثرَ العاقلين حكمةً ورشدًا ، هكذا كانتْ تراها أحرفُ القصيدةِ ، وصورةُ …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: