الرئيسية / دراسات / التأملات الأنثوية الشاردة في مجموعة ماجدة العتوم القصصية( تأخرت جداً)
عماد الضمور

التأملات الأنثوية الشاردة في مجموعة ماجدة العتوم القصصية( تأخرت جداً)

عماد الضمور
عماد الضمور

. د. عماد الضمور/ أكاديمي أردني

. تعكس المجموعة القصصية الثانية للكاتبة الأردنية ماجدة العتوم (تأخرت جداً) بوحاً أنثويّاً واضحاً، لا يمكن إنكاره، أوتجاهل دلالاته، فهي مسكونة بعالم الأنثى، وكاشفة لهمومها، متجاوزة لغة الصمت إلى تلقائية السرد، وحميمية الحوار الوجداني بطبيعته الآسرة، وخصوبته العاطفية. تنبع تأملات ماجدة العتوم الأنثوية من مصادر متعددة، فهي ” شديدة الارتباط بما حولها، وليست ميولها العاطفية، وكثافتها الوجدانية إلا انعكاساً، وامتداداً لجملة تأثيرات المحيط العام فيها، بل لم تقتصر على قصص النساء وحدهن ، ولم تقتصر على عالم العواطف وحدها، وإنما اتّسع عالم القصة ليشمل مناخات متنوعة فردية، وجماعية، وإنسانية، تبدو فيها المرأة كاتبة، ومكتوباً عنها”(

1). يُضاف إلى هذه المصادر الحُلم، بوصفه منبع الأنوثة الصافي، وحالته الخاصة بعيداً عن أيدي العابثين، فهو عالم المرأة الواسع، وفضائها الرحب، الذي تفعل فيه ما تريد، وتتمنى فيه ما تشاء. تطرح ماجدة العتوم في مجموعتها القصصية بوحاً أنثويّاً في ظل سيطرة عالم ذكوري، مما جعلها تفرض أسلوبها، غير أبهة بقيود الواقع، ومحدداته السالبة للحرية، إذ نلمس طرحاً جريئاً للجنس، وما يحيط حوارته من تحفظ مألوف، وكأنّها تريد أن تبتعد عن الصمت الساكن في أعماقها؛ لتقترب من المسكوت عنه في عالم المرأة، العابق بالأسرار، فنجدها تصف لحظة انصراف الزوج، بعدما قضى شهوته: ” أراقبه… رجلاً سعيداً بإنجازه العظيم، برجولته التي ثبتت، بمتعته التي تحققت، أحملق في نظرات عينيه المنتصرة، أقسم أنّه كذلك، فهل انتصر علي، أم على نفسه أم على عالم بأكمله؟ وسرعان ما يتحول كلامه المؤجل إلى كلام مؤجج، يسألني وأنا ألفلف هزيمتي جيداً تحت الغطاء:” هل من فطور؟” أضع نصف وجهي تحت الغطاء خشية أن تفلت مني صرخة أو دمعة، وأُهمهم:” لا ، أنا متعبة”

(2). إنّها أسئلة قلقة، ومقلقة في الوقت نفسه، تبحث في كنه هذا اللقاء الفطري، وتبعاته العاطفية، وكأنّه هاجس الأنثى على الدوام، أهو حبّ، أم خديعة؟، لذلك فإن طرح ماجدة العتوم لهذه القضية لم يكن من أجل الإثارة، أو لفت الأنظار، بل جاء تعبيراً عن مأساة الأنثى، وشغفها في البحث عن الحبّ الذي تسمو من خلاله، محققة وجودها، فكانت لغتها الممزوجة بالحرية، والنازفة بالآلام، حيث تبوح بطبيعة العلاقة بين الزوجين:” هما اثنان، يلتقيان في الاستراحة، بين سفرين.. يراجعان دروس الغياب، ويتحاسبان بكلّ أمانة.. وينام كلّ منهما في الاتجاه عكس الآخر، فإذا فزت شهوة مفاجئة بينهما.. ينشب حبّ حار في التو، واللحظة. ويتعانقان، ويتصارعان، ويمضيان إلى آخر الفسحة؛ ليغتسلا صامتين… في هذه اللحظة ينطفئ الحبّ الشيطاني الذي نشب فجأة، ثم يموتان.. كلّ في الاتجاه عكس الآخر”

(3). ومن ناحية أخرى، جاء توظيف الكاتبة للجنس توظيفاً فنياً، يخدم السرد ، ويُفصح عن طبيعة الأحداث، وتبعاتها النفسية، مما يجعل المتلقي يضع يديه على محاور الإحالة السردية المتحققة في النص بفعل ثقل الأنا الساردة، ومحاولتها استعادة توازنها، كما في مقدمة قصتها( تأخرت جداً):” اشتهيتك حقاً، وأغلب الظن أنني اشتهيتُ فيك استحالتك .. غمزتني بطرف عينك، ورسمت ابتسامة خبيثة على شفتيك، لم أستطع مقاومة ندائك السري، تبعتك.. سرت خلف شبحك، أتبع رائحة عطرك التي عبأت روحي، وفاضت عني.. ظلك الطويل كان يغطي مساحة كبيرة من الممر.. كانت أطراف أصابعي تطأ نهاية ظلك .. ماأطولك! مأحلى أن تجد المرأة رجلاً طويلاً يحبها! هكذا تفكر الفتيات دائماً، وفي تلك اللحظات فكرت مثلهن.. ما أطول الممر أيضاً!”

(4). إنّ رغبة القاصة في الإمساك بتأملاتها الشاردة دون قيد، جعل النص الإبداعي يبوح بكثير من الرغبات، وسمح بحدوث انفلات وجداني، أبرز السرد فاعليته، وكشف عن ماضٍ يبدو منقطعاً عن حاضر المتكلم، ” فهذا التواتر الكثيف للأفعال، والتراكيب الموضوعة في صيغة الغائب، والتي تدل على الحاضر، يخلق تطابقا أوليّاً بين حاضر الغائب المسرود عنه، والمشار إليه بصيغ الغائب، وبين حاضر السارد “

(5). ولعلّ الرغبة في إبراز طبيعة المسرود حاضرة في قصص ماجدة العتوم، فهي ذات طبيعة تصريحية، ذلك “أن المرأة تعيش نفيّاً وجودياً، وحين تعبر عن وجودها المنفي من خلال الرموز، والكتابة، تنتج كتابة جذرية. والمعلوم أن كتابة النفي، والإقصاء، والخطر، والسجن، هي من أشد الكتابات عنفاً، حين يصبح الكلام غير ذي جدوى بالنسبة للمرأة ـ أو حتى بالنسبة للرجل ـ أو حين يغيب التواصل بواسطة الكلام، تغدو الكتابة مجالاً ينطبع فيه الغياب، وطريقة لمساءلة جذرية للرغبة”

(6). وهذا ما سعت القاصة إلى تجسيده، إذ تستثير مشاعر المتلقي بذاكرة حيّة، وزمن مكثف، ينشط لتصوير واقع يحكمه التشتت، والاختلاف، فنجدها تقول:” ومن شأني أن أراقب رجلاً ينسل من فراشي إلى حمام دافئ، يحلق ذقنه، ثم يلبس، ويتعطر، فيبدو بكامل أناقته، بينما أكون بكامل انهزامي، لا أعرف سبباً لذلك، لكنني أحسّ فراشي بارداً كأن أحداً لم يشاركني فيه، وكأنني قضيت تلك الليلة وحدي، وأن صوت ذلك الطفل الباكي الذي جعلني لا أنام طوال الليل، لم يكن سوى صوت طفلة سكنتني، طفلة انُتهكت حقوقها، واغتصبت طفولتها، فصار كلما مسني رجل، تستيقظ تبكي حتى يخرج مني تماماً، وبذلك تحرمني متعة اللقاء الكوني، وتُشعرني أن فشلها لم يكن شأني”

(7). إن سعي الكاتبة لترسيخ الهوية الأنثوية في ظل واقع ثقافي ذكوري واضح في المجموعة القصصية، فكان البوح المباشر بكلّ جراءة لقضايا تسعى معظم المبدعات إلى إبرازها، والدفاع عن واقعها المأزوم. وهي بهذا النسق السردي، تقوم ” بوظيفة المحفّز على الحوار الداخلي، أو المونولوج الباطني، إنّها تذكر المرأة بحقيقتها، وبشاعة واقعها”

(8). وهذا يُدخل المتلقي في متاهات الأنوثة الحميمة، ومكابداتها الجميلة، فتصبح الكلمات معها ذاكرة مستباحة، تنهال عذوبة، وتُفصح عن مسكوت عنه لا يمكن تجاهله، فكان بوحها الشجي:” يمرّ في خاطري كيف أتصرف إن وقفتُ قبالتك؟ ماذا أفعل إن التقت عيناي بعينيك؟ أخشى أنني سأهرب، لا، ليس معقولاً أن أهرب بعد تعب المطاردة؟ ولا أزال أركض لاهثة خلفك.. ما أبعدك عن ظلك! أجزم أن امرأة خلفي.. تجري وراءك، فهناك طقطقة حذاء أنثوي جداً أسمعها ورائي، تحاذيني تماماً، ثم هاهي تتقدمني، وتسبقني إليك.. ما بي؟”

(9). إنّ تأملات الكاتبة الشاردة يمكن التقاطها في المجموعة القصصيّة، فهي تأملات تحتلّ فعلاً عاطفيّاً، لا يخلو من إعمال الذهن، يولّد فينا موجات أنثوية، تشعّ بجرأة البوح، ودفق الاحساس. ولعلّ شغف القاصة بسرد أحلامها أخرج النص من عزلته اللغوية، وجعله تحت وطأة حدة الأنوثة اللهبة، التي أضفت على التراكيب اللغوية أناقة، وجمالاً، كما في حديثها على لسان بطلها عن الفتاة التي يحلم بها كلّ رجل:” مرّة أخرى لست ممن يبحثون عن الكمال، أبحث عن فتاة تجيد وضع الزهور في زهرية بشكل يتناسق مع الحظة التي نعيشها، فتاة تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، فتاة لا تنبش الماضي حواليّ، بل تؤسس لغد يزيدني تمسكاً بها، ولهفة عليها، أريدها أن تحبني كما أنا، فإن فعلت لن أتوانى عن أكون الرجل الذي في مخيلتها، فلكلّ امرأة فارس أحلام أيضاً، ربما أتى ثم سرعان ما رحل، وربما لم يأتِ بعد، فما المانع أن أشبههه دون أن أكونهّ! لأنني سأظل في النهاية هكذا كما أنا…”

(10). في عالم الأنوثة، تصبح الأحلام لا متناهية، وترتقي المرأة إلى الصورة ” التي تتطابق مع ما تريده هي أن تكون، أو أن تمتلك”

(11). وإذا كانت المرأة في الحياة كما هي في الفن مثالاً للطبيعة الإنسانية، وصورة حساسة، فإنّ مرموزات اللغة، والرسوم المختلفة استمدت من الأنوثة تصيباً وافراً، لتشكّل ثقافة معرفية، كلما امتلكها المتلقي ازداد قرباً من النص. في معجم ماجدة العتوم اللغوي، توحي الكلمات بكثافة تعبيرية واضحة، تتطور معها المعاني إلى صرح جسدي لا يقبل إلا الاستسلام لعالم الأنثى، بعدما انتقلت الكاتبة بالأحداث من واقعها الملموس إلى فيض تأملي، يصيغ وجدان يتجه إلى جوهر الروح، ويستعيد أحلاماً نازفة، قريبة المسافة من زمن متخيل. وهذا ما جعل الحلم مصدراً لتأملاتها الشاردة، فهو ناضب بالعطاء، يسمو بالأنوثة، كما في قصة ( هو رجل لا يلفه الضباب)، إذ يشغل الحلم جانباً مهماً من الحوار الذي تُقيمه الكاتبة مع الآخر:” ـ أين كنت؟ وماذا كنت تفعل في الحلم؟ ـ كنت أهييء أدوات الحلم الجديد، فأضع الورد، وأعدّ القهوة، وأرتب الكلام الرقيق لفتاة الحلم الرقيقة… المختلفة. ولمّا تأتِ بعد المرأة المختلفة، هو وحده المختلف، يرى أوضح من رؤيا الصباح، لكنه أبداً لا يتحقق؛ لأن امرأة لم تفهم سره، ولم تُحط بروحه، فظل حلماً يراود الكون عن إمكانية تحققه، ويبقى إنّه موجود في مكان ما، إلا إنّ امرأته لم توجد بعد”

(12). وترى ماجدة العتوم العالم من خلال طفولتها التي تمدها بنصيب وافر من التأملات، وتجعلها أكثر تعايشاً مع الواقع، ورغبة في اكتناه أسراره، بل تضفي عليه باستلهامها للطفولة ألوانه الأولية، التي تطغى على كلّ الألوان، إذ تنبعث الطفولة فيضاً ساحراً، وألقاً دائماً” ومن قلب العتمة، تنبعث الحكايا، وهكذا كان أمرنا، عندما كنّا صغاراً ثلاثة، نجلس حول خالتنا الصغيرة، التي لن تعد صغيرة، كبرت، وصارت قصة تشبه قصصها التي كانت ترويها لنا، عندما ينطفئ الفانوس، وتوزع علينا حبات القضامة التي اشترتها خصيصاً لهذه السهرة، وتحرص أن توزع الحبات بالتساوي بيننا، ويحدث أحياناً أن يسبقنا أخي الذي يتوسط بيني وبين أختي الكبرى، ويأخذ حبة زيادة، فنضحك.. ونطالب بحبة حتى نتساوى معه، ثم تبدأ الخالة الطيبة بسرد الحكايا عن الغولة الشريرة التي تظهر في الليل، وتخطف الأطفال من أحضان أمهاتهم”

(13). لقد أمدّت تأملات ماجدة العتوم حدود الواقع، ونقلته إلى اللاواقع، إذ تحمل حقائق على نحو مضاعف في الحاضر، وقيمه، مما جعل انتماء القاصة إلى عالم الأنوثة، والجمال بطبيعته الأولى أعمق أثراً في النفس، وأعاد الذاكرة إلى حُلميتها، وقدرتها على تشكيل واقع جديد.

الهوامش:

1ـ ماجدة العتوم: تأخرت جداً، تقديم د. محمد عبيدالله، ط1، دار أزمنة للنشر والتوزيع، عمان، 2009م، ص 9

2 ـ المصدر نفسه، ص 19.

3 ـ المصدر نفسه، ص 56.

4 ـ المصدر نفسه، ص39.

5 ـ مريم فرنسيس: في النص ودلالته( محاور الإحالة الكلامية)، ط1، منشورات وزارة الثقافة السورية، دمشق، 1998م، ص162.

6 ـ حفناوي بعلي: مسارات النقد ومدارات ما بعد الحداثة، ط1، منشورات أمانة عمّان الكبرى، 2007م، ص ص164 ـ 165.

7 ـ ماجدة العتوم: تأخرت جداً، ص 18.

8 ـ محمد عبيدالله وآخرون: القصة في الأردن( أوراق ملتقيات عمّان الإبداعية)، ط1، بحث بعنوان ” جماليات القصة القصيرة في الأردن ( جيل التسعينيات) ، منشورات اللجنة الوطنية لإعلان عمّان عاصمة للثقافة العربية 2002م، ص162.

9 ـ ماجدة العتوم: تأخرت جداً، ص 40.

10 ـ المصدر نفسه، ص 27.

11 ـ حفناوي بعلي: مسارات النقد ومدارات ما بعد الحداثة،ص 165.

12 ـ ماجدة العتوم: تأخرت جداً، ص25.

13 ـ المصدر نفسه، ص22.

شاهد أيضاً

أحمد عبد الرحمن جنيدو

القُدْسُ تَحْتَ القِيْدِ – أحمد عبدالرحمن جنيدو

قصيدة من ديواني الجديد(إنّها حقّاً) القُـدْسُ تَـحْـتَ القِـيْـدِ نَامَتْ تَـرْسِـفُ. دَمُـهَـا النَّـقِـيُّ مِنَ النَّخاسـَةِ يُـرْشَـفُ. …

قِصَّةٌ قَصِيرةٌ مجنونةُ حَيِّنَا – هند العميد

مجنونةُ حَيِّنَا كانتْ أكثرَ العاقلين حكمةً ورشدًا ، هكذا كانتْ تراها أحرفُ القصيدةِ ، وصورةُ …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: