الرئيسية / دروب الإبداع / صرخة مطر – منال أحمد

صرخة مطر – منال أحمد

تجلسُ بضجر في الصفِ الأخير من القاعة الدراسية ، تتأملُ ذاكَ المنهمك في الحديث والشرح ، يلوح بأصابعهِ الملطخة بالطباشير يميناً ويساراً كمايسترو في اوركسترا سمفونية ، يتنقل من اللوح الى صفحات الكتاب الى وجوه الطلبة.
تتابعُ المشهد كَمن يتابع فيلماً صامتاً,
ثم يشير باصبعهِ لطالبة جميلة، أنيقة حدَّ التكلف تجلسُ في احدِ المقاعدِ الامامية,
تنهضُ من مكانها لتنثر حروفها على اللوح
تمسكُ الطبشور باطراف اصابعها كمن يمسك كيس قمامة !
تخطُ كلماتها بابتذال “من دون حرية ليس لدينا اسماء – ميلتون اكوردا”
تعود ادراجها وتجلس في المقعد بعد ان تعقدَّ حاجبيها بسبب ذراتِ الطبشور المتناثرة على اصابعها,
تخرج عبوة المعقم تزيل اثارها باستعجال
تتأملها من بعيد بملل :
“لو كنتُ مكانها لأبقيتُ الطبشور ، ما الداعي في ازالته ؛ ههه وسواس قهري ! ”
تعود بنظرها الى عبارة اكوردا التي خطتها على اللوح
“حرية!” ماذا تعني ؟
تتمايل امامها مقولة مستغانمي الشهيرة
“الحرية أن تكونى حرة فى اختيار قيودك التى قد تكون أقسى من قيود الاخرين عليك”
هذه هي الحرية اذن ..

كسجينٍ يسمعُ خبرَ العفوِ العام للتو ، تُطلق ابتسامتها الواسعة “وأخيرا انتهت المحاضرة ” ماذا ينقصها الان ؟! لا شيء سوى موسيقى زيد ديراني
تخرج سماعتها من حقيبتها الجديدة وتختار سمفونية الامل ,
تخرج من مبنى الجامعة مبتسمة منتشية ، تتراقص خطواتها يمنةً ويسرة -او ربما هذا ما كانت تتمناه-
تصلُ الى المقهى بالموعد المعتاد ,
يستقبلها النادل بابتسامة مرحبة,
موكا فرابتشينو لو سمحت ..
تجلسُ بمحاذاة النافذة ، هذا المكان الذي طُبِعت تفاصيله في ذاكرتها ,
رواية النهايات لعبد الرحمن منيف ..
هي رحلتها هذا المساء ..
صفحة صفحتين ثلاث ..
والساعات تمضي..
غارقة هي بين السطور ..
تك تك زائر اخر يطرق بخفة زجاج النافذة
انه المطر ، يسقط قطرة قطرة ,
تتأمل انسيابه بهدوء على الزجاج ، تتنفسُ بعمق وكأنها ابتلعت كل اوكسجين الكون
تكتم صوت السمفونية وتكتفي بموسيقى المطر
هذه هي السعادة اذن ، مطر ؛ لا شيء سوى المطر !
تعيد الرواية الى حقيبتها تنطلق مسرعة الى خارج المقهى ، ربما تحولت حينها الى الشبح كاسبر
-شخصيتها المفضلة منذ الطفولة-
ربما حقا استطاعت ان تخترق الجدران والنوافذ ..
تمشي بهدوء تارةً وبجنون تارةً اخرى ..
كل شيء يدعوها لتبتسم ، لتصرخ ، لترقص لتغني ..

شارع ضيق يَخلو من البشر يُفضي الى قمة مرتفعة,
لا مانع من بعض الجنون في هذا المكان
تتراقص مع موسيقى المطر ..
تدور وتقفز تتمايل كراقصة باليه محترفة !
رغم قباحة صوتها تغني
*Ne me quitte pas*
تتذكر انها لا تُجيد الفرنسية فتضحك بشغف ,
تُكمل رحلتها مع الماجدية:
“بالقلب خليني ع اديك غفيني يا حبيب الروح بالروح خبيني”
غصة تتسلل بين حروفها..
ودمعة هاربة تحاول الفرار من القضبان ..
تتجاهلها وتركض الى قمة الجبل ..
تُواري دمعاتها بالضحك وكلما ارتفعت وتيرته كلما تزاحمت دموعها خلف الجفون !
تجتاحها رغبة عارمة بالصراخ ..
تصعد السلم درجة وتستقلُ غيمة مغادرة ..
وحيدة تماماً ، لا احد سِواها في السماء
تصرخ وتصرخ ليعجّ الكون بصراخها
تسقط فجأة مجثية على ركبتيها وتبكي بكاء الفاقدين ، بكاء التائهين ، اولئك الباحثين عن اللاشيء !!
لكن الصراخ ما زال يعلو ويعلو..
ما زال صداه يتردد ..
ترفع رأسها وتحدق بما حولها ..
ترى غيوماً كثيرة يستقلها آخرون ..
يصرخون بكل ما أوتوا من ألم..
صرخة ترد على اخرى ..
ياا الله كم يحتاج هذا العالم للصراخ !

شاهد أيضاً

تطبيق تحدي المعرفة حمله مجانًا

        يحوي التطبيق على 12 تصنيفا الأدب العربي اللغة العربية التاريخ صدر …

أم على قلوب أقفالها – محمد فتحي المقداد

  مع بداية انطلاق حياتي العمليّة في العام ١٩٨١، انقطعتُ عن الدراسة في الصفّ الحادي …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: