الرئيسية / دراسات / المكون الوجودي في قصيدة -داروها لحروف وحصلت فيها المعاني
خالد الصلعي

المكون الوجودي في قصيدة -داروها لحروف وحصلت فيها المعاني

خالد الصلعي

 المكون الوجودي في قصيدة -داروها لحروف وحصلت فيها المعاني – للشاعر عزيز محمد بنسعد

ما معنى أن تكتب فنيا باللغة الدارجة ، او ما يصطلح عليه -اللغة العامية- ، وهو ما يندرج تحت مكون القصيدة الزجلية ؟ . فهل الدافع هو المغايرة من أجل المغايرة ؟ أم أن للأمر ارتباطا وثيقا بلغة المتداول واليومي ؟ . وهل يمكن أن نعتبر ذلك صراعا بين مكونين لغويين يتعايشان في مجتمع ما ، كما يمنهج لذلك كثير من المتطفلين والعدميين ؟ .
لغة القصيدة الزجلية لغة ذات ارتباط عضوي بتربة المخيال المغربي ، فهي نطفته الأولى التي يترعرع عليها منذ النشأة الأولى . مع استثناءات بسيطة تؤكد قاعدة شيوع العامية بين مواطني المجتمع المغربي.
ولكي أعرج مباشرة الى صلب الموضوع ، خوفا من الضياع في ردهات الأسئلة المعرفية ، يجب الانحياز مسبقا الى الجهات التي تنتصر للتداول الزجلي باعتباره قيمة فنية وجمالية . وليس للجهات التي تتصارع دونكيشوتيا ضد اللغة العربية الفصحى باعتبارها لغة الوافد أو المستعمر كما يتداول الكثير من المهووسين بحروب داحس والغبراء .
عندما اقترح علي الأستاذ عبد المالك أبوتراب قراءة قصيدة الشاعر الزجلي عزيز محمد بنسعيد ، ترددت كثيرا في الاستجابة لطلبه رغم حسن ظني بذوقه الفني ورؤيته الجمالية ، ووظيفته التشريفية كجسر متين بين فناني ومبدعي العالم العربي . لكنني وأنا أقرأ القصيدة ، ثم أستمع اليها ، تلاشى التردد واختفى التلكؤ وفرضت القصيدة بجماليتها العالية نفسها علي ، أو بلغة أدبية على ذوقي الفني .
غير أن الحيرة استبدت بي وأنا ابحث عن الخيط الرفيع الذي يسم ويلحم القصيدة ، فهي تتوفر على جميع السمات الفنية والجمالية ، وتختص بتركيب لغوي بديع وراقي ، وتتفرد بصياغة محكمة ورفيعة . وهذا يتوفر في كثير من القصائد الزجلية المغربية ، ولا يمكن اثقال الدراسات السابقة بدراسة لاحقة تقتفي نفس ما خطته ونسجته الدراسات الأولى . فكان لزاما البحث عن سمة تبصم قصيدة الشاعر عزيز محمد بنسعد ، وتمنحها أفقها المغاير ومساحتها المفارقة . وهو ما أسعفتنيه القصيدة نفسها من خلال اعادة قراءتها والاستماع اليها . فهي ممهورة بدفق وجودي يعتبر كمكون مهيمن على باقي المكونات الأسلوبية والتعبيرية ، ألا وهو مكون القلق الوجودي ، الذي يعتبر فنيا أهم عنصر دافع على الابداع . سواء من حيث أسئلته اللاحمة بين الأبعاد الزمنية الأربعة كما انتبه اليها محمود درويش شعريا باضافة بعد البرهة والآنية ، أو من حيث السؤال عن ماهية الأنا وآفاقها من خلال وجود لاينفك يبعثر كل رهاناتها –الأنا- وترتيباتها لحقلها الوجودي ، ليتموضع الشاعر في شرنقة الحلول المستعصية على الحل . وتتكرر تجربة سيزيف العبثية في صراع بين قمة يرتاح اليها الانسان وبين سفح يدفعه الى عناء الصعود الى قمة الهناءة والدعة .
وتأتي قصيدة “داروها لحروف وحصلو فيها لمعاني ” للزجال المغربي المقتدر ، عزيز محمد بنسعد كمثال عز نظيره في التعبير عن هموم الانسان المغربي بلغة زجلية راقية ، تستلهم وتستثمر بمهارة عالية فنية اللغة المغربية الدارجة وعلو كعب شعريتها وهي تعمل على توظيف الانزياح باعتباره انحرافا عن لغة المألوف صياغة أو دلالة . مما يضعنا في مجال اللغة الشعرية أمام سؤال فنيتها وجماليتها ، دون اغفال المسحة الاجتماعية والانسانية عامة . وهو ما يرفع من قيمة الشعرية باعتبارها توليفة سحرية بين الجمال اللغوي والهم الانساني ، او باعتبارها ملمحا تصعيديا في لعبة الكتابة الابداعية .
فالجمع بين الانساني والجمالي ، معادلة صعبة ، خاصة والصراع لم يفتأ يتوقف بين مدرسة الواقعية الفجة ، وبين مدرسة التجريب المبتذل . ويكون الرهان الأصعب هو محاولة القرن بين المدرستين والانتباه الفني ؛ اذا جاز التعبير ، لعقد وحدة عضوية بين الواقعي والفني أو الجمالي .
وقد استطاع الشاعر عزيز بنسعد أن يزاوج بين المكونين الأساسيين اللذين تنهض عليهما قصيدته التي بين ايدينا . وان كنت اخترت الدخول الى القصيدة وقراءتها من باب القلق أو السؤال الوجودي ، فان حقل الاشتغال باعتباره حقلا فنيا وجماليا يفرض علي التنصيص على البعد الجمالي بين طيات الكتابة .
ان الوقوف على ظاهرة التشكيل الأسلوبي والبلاغي للقصيدة يضيئ لنا الجانب الفكري والفلسفي لهذه القصيدة ، وهو المتجلي في الرؤية الوجودية للشاعر ، والتي من خلالها يعانق الشاعر ملمحه الانساني كفرد يفترش قلق الحياة ويعانق هموم الانسان المغربي في لحظة زمنية نتقاسم معه كثيرا من مآزقها ومشاكلها . لكنه يقدم لنا هذه الصور الشعرية بلغة ترتاد حقول الجمالية والابداعية وتمتح من عبق الغافيات في داخل النفس البشرية حسب تعبير الناقد العربي الكبير يوسف اليوسف .
الانسان عامة محكوم عليه بالتفاعل والتماهي مع شروط وجوده ، والشاعر أو الفنان هو الوحيد القادر على النفاذ الى أعماق هذه الشروط . ولعل شاعرنا القدير واحد من أولئك الذين أسسوا تجربتهم الشعرية في مجال الشعر الزجلي المغربي ، على نوع من الحس الفني الراقي مؤلفا بفنية عاليا بين ضرورة الحفاظ على شرط الشعرية داخل نسق القصيدة الكلي ، وبين أبعاد الشرط الموضوعي للقصيدة . ولنقرأ له شذريته الأولى كي لايكون كلامنا مجرد عبث لغوي أو مجاملة أدبية وفنية :
رواحي يا جراحي رواحي
ماهمك بكايا و نواحي
زايدة يا بنت الهم و تقصاحي
لا سعد لا فرح بقى ف لواحي
الشاعر يدعو جراحه لتشهد بنفسها الحالة التي يعيشها ويمر بها وكأنها شخص عاقل ، بكاء ونواح وهم ، بل هي تزداد في عنادها ويزداد تصلبها ، نا فيا في النهاية أي نأمة فرح أو سعادة في حياته . وقد كانت للفظة “لواحي ” ، الوقع الدلالي الكثيف للاشارة الى الأيام ، باعتبارها مذكرات تؤرخ لحياة الشاعر .
من خلال هذا الشرح البسيط يتبدى هذا الصراع المرير الذي يكابده الشاعر مع ديمومة الجراح ، ومع القلق النفسي الذي تحفره في حشاشته الباطنية . ومن خلال قراءة الشذرة فنيا ، تجذب القارئ انسيابية الكلمات ، وشفافيتها رغم ثقل الدلالة ، وسوداوية المعنى . وقد اختار للشذرة حرف روي متحرك وهو حرف الحاء ، وما يوحي به هذا الحرف من تداعيات الحنو والهدوء والطمأنينة . الأمر الذي يدفعني الى التأكيد أن للشاعر قاعا فلسفيا أو أرضية فلسفية عميقة في الحياة . وهو يتعامل مع موضوعة القلق الوجودي كموضوعة طبيعية . لكن هذا الملمح الطبيعي لن يغيبنا عن وجعه الراسخ في أعماق نفسه . فالفن لغته تقترب من لغة الوجع . وكلما هضم الاسنان مأزقه فنيا ، الا وخرج لنا بفن عظيم .
غير أن هذه الجراح التي يؤنسنها الشاعر ويضفي عليها مسحة انسانية ، ويتمثلها موضوعا قائم الذات يمكن محاورته وسؤاله ، لابد وأن تطرح علينا اشكال المبعث والمنشأ ، فلكل جرح أداة ، ولكل جرح فاعل . والشاعر لايجعل الأمر في طيات الغيب والافتراض . انه يضع القارئ أمام أسباب هذه الجراح في هذه الشذرة :
نكتب هاد الضيم
بريشة طاحت
من ريشات جناحي
انه الضيم اذن ، والضيم هو الجور والظلم والاعتداء والعدوان ، هو ابن عائلة ضخمة من السواد والحلكة والعدمية ، ولإن استطاع الشاعر بحركة تصعيدية متسامية ،كما هو دأب الفن والأدب ، أن يعي جذور ومنشأ جراحه ، فان حركية وعيه وأسبقيته تتبدى جليا في اختياره بدء شذرة بجملة فعلية تحيل الى الذات ، ” نكتب ” انه ضمير الأنا المتعالي عن كل أشكال ومحاولات اضعاف الانسان المثقف . ولا بد من التنبيه أن لفظة التعالي هنا لا تشير الى مذهب فلسفي معين بقدر ما تلتصق بتلك الطاقة الروحية التي بواسطتها يتجاوز الانسان ، وخاصة الفنان محنه ومآزقه . فالوجودية كفلسفة تلتصق بكينونة الانسان ، تعتبر بعدا ثقافيا لايقربه الا قلة قليلة من المهووسين بمساءلة كل نأمة وكل جزء من حياتهم ووجودهم . ولهذا ارتبط الأدب الوجودي بالكلمة الحرة ، وبالشعر الحر ، ليس بصيغته التصنيفية والنوعية الفرعية ؛ بل باعتباره شعرا يصدر عن وعي حر وطليق ، وعن رؤية مشبعة بقلق الوجود الانساني والذاتي .
وهنا يتمظهر شكل من أجمل أشكال التحدي عند أي أديب وجودي ، وهو كتابة معاناته بنوع من المسؤولية الذاتية والتاريخية ، انها وردة الاهانة أو وبر الشوك كما عبرت عنه احدى عناوين رواياتي .
وقد راهن الشاعر عزيز محمد بنسعد على استعراض رؤيته وموقفه للوجود من خلال فن الشعر الزجلي ، بلغة مؤثرة وشفافة ، ترنو الى معانقة الأنا والأنت ، فالأنا لاتعيش في عزلة عن الآخرين ، وحين تشتد العاصفة وتشيع الكوارث فانها تحصد الجميع ، ولافرق بين العاصفة المجازية والعاصفة الحقيقية ، والكوارث الاستعارية والكوارث الواقعية ، فللمجتمع كوارث تفوق في تدميرها مفعول الكوارث الطبيعية . يقول شاعرنا القدير مخاطبا ال “أنت ” : وهي ما يمكن في علم النفس اعتبارها انشطارا لذات الشاعر نفسه :
انا كمحة
و انت حتى انت
من سعد الرحى
من جهة البر
لا طريق تدي
و من جهة البحر
لا طريق تجيب
و كبرت فينا الله يجيب.
كلنا حبة قمح وسط رحى تطحننا ولا مخرج ، لامن جهة البر ولا من جهة البحر . مكبلون نحن بدعوى “الله يحيب ” ، مرهونون بالغيب ، بالاشيئ ، بالعدم . انها ثقافة التواكل التي تحاربها الفلسفة الوجودية باعتبارها فلسفة نقد الواقع واستشراف المستقبل . والانسان في المجتمع الراهن كالسفنية التي تغرق الجميع في بحر لاماء فيه . فالمعنى يكتسب انزياحه عن طريق استشراف المعنى العام للشذرية أو للقصيدة . فالشاعر لم يركن الى ذاته والتوحد فيها درجة النرجسية المقيتة ، بل هو ينزل الى قاع المجتمع ، كما يقول :
وايلي بويا مداح انا
في صفة براح
مدو حبال المعنى
و دليوني في الدواية
نهبط لقاع الناس
ونشوف منبع بكايا.
لكن هذا النزول يتم عبر حركة صُوَرية غاية في الجمالية والتصوير الفني ، انه يطلب أن يلقوه في المدواة كي يصل الى حقيقة بكائه التي أنتجتها جراحه . هنا تتبدى قمة امتلاك الأدوات الفنية من اختيار دقيق للكلمات ، ولحروف هذه الكلمات وبالضبط لجرسها الموسيقي وبعدها الايحائي . انه التركيب السحري بين الفن وبين الحياة ، بين الموقف وبين التعبير عن هذا الموقف . وكما يقول سارتر فان الصمت نفسه موقف . لكن شاعرنا اختار البوح والعبارة ، ومشاركة الناس همومهم ، والبحث عن منبع هذه الهموم والجراح .
نحن اذن أمام نص مركز وبؤري ، يستدرجنا خلال شذراته ومقاطعه الشاعر من نقطة الذات الى فسحة البلاد عبر واسطة المجتمع . وهو نص يغري بالانصات العميق كقراءة استبطانية لدلالاته الغنية ولأفقه الجمالي الواسع .
ومن خلال تتبعنا لبنائية النص نجد الشاعر يوظف مجموعة من التقنيات الفنية الحداثية كاللعب على الالتزام بالقافية في شذرة ، واهمالها في شذرة أخرى ، كتكسير لنمطية الايقاع المتكرر ، وكتعبير عن حالة القلق التي لاتركن الى حالة نفسية بذاتها ، وكتجلي واضح عن تنوع الرؤية الفنية وغناها ، وهي تلتصق بنبض الحياة المتناقض والمختلف والمتنوع .
ان النص يدل على كاتبه ، واذا كان هذا النص بالذات تعبيرا وجوديا عبر استشراف مستقبل ممكن بنفي الحاضر والماضي المثخنين بالجراح ، فان لغته الفنية التي أمامنا تلزمنا بقراءته قراءة معمقة لاستبطان درره ونفائسه فنيا ووجوديا ،فالفلسة نفسها ؛ لم تسترد عافيتها ومصداقيتها الا حينما اقترب فلاسفة “الوجود ” أمثال : هايدجر ، نيتشه ، كيركغورد ، ميرلوبونتي ، ياسبرز ،بجرأة من حدود اللغة الشعرية حسب ما ينقله الدتور برهان شاوي .
ولن أجد خير ختام لهذه القراءة من هاذين المقطعين الأخيرين :
كانت هادي
شوكة في مدادي تتقب الصمت
وانا ما قريت
ما قريت الورقة علاش بصمت.
يمكن داروها الحروف
و حصلت فيها المعاني
حتى معنى ما خطاتو حروف الزين
عا نوض و كتب معنى
على جبهة البلاد
فين بدات … وفين تسالي..؟
حدها الذات
بحال الشمعة كدات
حدها الفتيلة وتسالي .

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في المجموعة القصصية (شيء عابر ) للكاتبة سمر الزعبي

بقلم: احمد محمود دحبور في احدى رسائل جبران إشارة الى أن القصة القصيرة هي : …

رواية 36 ساعة في خان شيخون

قراءة على رواية (36ساعة في خان شيخون – للروائي محمد عبد الستّار طكو)

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد رواية (36 ساعة في خان شيخون) وثيقة معتبرة، سلّطت …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: