الرئيسية / نثر / الطيف فنجالٌ – سمير ايوب

الطيف فنجالٌ – سمير ايوب

كتب د سمير ايوب
الطيف فنجالٌ شقيقٌ ، لِفناجيل الهَيْف والضَّيفِ والكَيْف والسَّيْف .
بوحُ قلبٍ مُتبَصِّرٍ في المرأةِ وفلسفةِ القهوة – 12

جَلَسَتْ قُبالَتي على صخرةٍ في جبالِ الرَّبَضْ ، في الشمال من االاردن ، مُطِلَّةٌ على قِبابِ الاقصى وبيت لحم ، في فلسطين المحتلة . ولِمَنْ لا يدري ، جِبالُ الرَّبَضِ في الجَمالِ شقيقةٌ لجبال طرابلس في لبنان ، ولجبالِ إدلب في شمال سوريا ، ولجبالِ أربيل في شمالِ العراق ، ولجبال أطلس في شمال افريقيا ، الممتدة كحبل السُرَّةِ بين الجزائر والمغرب ، وفي قلبِ كل تلكَ الشَّمالاتِ ، شمالُ فلسطينَ في الناقورةِ والجليل .
جَلَسَتْ وأوْقَدَت ناراً ، أعْلَتْها دَلَّةَ قهوةٍ نُحاسيةٍ مُفعمَةٍ بِقهوةٍ عربيةٍ يَمانِيَّةٍ . وإحْتَضَنَتْ فِنجالَها ألمُنْتَظِرِ هَمْسَ الغليانْ ، وأجْلَسَتْهُ بِتُؤَدَةٍ في حِضْنِها . ونَظَرَتْ في عَيْني . وثَقَبَتِ الصمتَ قائلةً ، وهي تُحَرِّكُ الجَمْرَ تحتَ دَلَّةِ القهوة ، وفِطْرَةُ الحَياءِ تَعلو جَبينَها : أعْرِفُ الكثيرَ عن قبائلِ القهوة . وإن صَدَقْتُكَ القَوْلَ أكثر ، أُضيفُ لتلكَ المعرِفَةِ شيئاً مِنَ الجَهْلِ عن بعضِ عشائرها .
نَظَرْتُ إلى أنوارِ الاقصى في الافق القريبِ البَعيدْ ، وأشْهَرْتُ في وجهها سُؤالي مُسْتَنكِراً : كيف أيها العَنود ؟
قالت مُتَهَدِّجَةٌ : أعرِفُ الكثيرَ عن فناجيلِ الهَيْفِ ، والضَّيْفِ ، والكَيْفِ ، وفِنْجالُ السَّيفِ أيضاً . فهل نَسيتُ أحداً مِنهم ؟ هل مِنْ إخوةٍ لَهُم غائبونَ او مُغَيَّبونَ او مَنْسيون ؟
قلت : نعم ، ما ذَكَرْتِ هم من بَرَرَةِ عشائرِ القهوة . ولكن يا فتاتي لهم أخٌ خامس ، مسكوتٌ عنه ، شقيقٌ او غيرَ شقيقٍ ، لستُ أدري . هو فِنْجالُ ألطَّيْفْ . طَيْفُ الشريكِ وخَيالِه .
الاطياف ، كَجُندِ الله مُجَنَّدةٌ . حُضورُها أخَّاذٌ . تتكاثرُ ولا تعرف الأِعياء . لها ازقةٌ تُشبهُ ازقةَ السلطِ في بَلقاءَ الاردن ، وأزقة نابلس وصفد في فلسطين المحتلة ، وازقة الحميدية في دمشق ، او ازقةَ الموسكي في القاهرة ، وازقة ابي غريب في بغداد .
آلافُ الأزقة ، تَسْتَثْمِرين في نواصيها وفي معارجها مَشاعِرُك . وفي كل زِقاقٍ منها ، تَهْطِلُ عليك ذِكْرَياتٌ كزخاتِ المطر ،أو كرذاذِ الندى او كَنَدْفِ الثلج . فلا تتمني مُغادَرَتَها او التَّحَرُّرَ منها . ولا تدرين وانتِ مُلقِيَةٌ السَّمعَ ساعتها ، مِن أين وإلى اين مَعَه . فَهُوَ الشريك فيما تعلمين من مشاعرك ، وفيما لا تعلمين منها بعد . فما بين هذه وتلك ، سُلَّمٌ موسيقِيٌّ لا مُتَناهٍ من الانغام ، التي لا يُدْرِكُها إلا مُنْصِتٌ عَتيقٌ ، أوعازفٌ سِمِّيع . فبعضُ الاطيافِ يا أنتِ ، وجعٌ أو خَيالٌ أو رَجْعُ وَجَعْ . يَسْتَحِقُّ المُعاناة . فهو زمانُنا ألمُمْتَدِّ والمُرْتَدِّ في حدائقِ أوجاعِنا المُبْتَسِمَةُ ، والتي قد تَأذَنُ لنا يوماً ما ، بفرحٍ قادم .
ناولَتْني فِنجاليَ الُممْتَلِئ حتى الشِفَّةِ بقهوةٍ تَتقافَزُ الى خياشيمي وشَفَتاي ، وقاطعتني وحُمْرَةُ الخجلِ تكسو وجْهها : أعلمُ أن بعضَ الأطيافِ تَرْحَلْ . وأن للرحيلِ سُنَنٌ موجِعَةٌ . وكُلُّ طُرِقِهِ موجعةٌ . تتعددُ أسبابُه ووسائِلُه ومُناسباته . ولكن قُلْ لي ، أيَرْحَلُ ألأعَزُّ مِنْهُم ؟
قُلتُ مُشفقاً وأنا أدري ما تُخْفي : لا أظُنُّ ، وليس حَتْماً . وإن كُنتُ أدري أن بعضَ الأطيافِ دائماً على رحيل . ولكنْ ، حَذارِ فالرحيلُ ذو ذوقٍ رفيع . يُحْسٍنُ إلأنتقاءَ احياناً . فبعضُ الراحلينَ بالتأكيدِ شهداءٌ ،وبعضهم أدعياءٌ ، وبعضٌهم مجرمون او سُفهاء .
سألَتْ ودمعةٌ مُجَلْجِلَةٌ كالرعدِ ، هَبَطَت مُباشَرةً في فنجالها الساخن : بِماذا تَنصح ؟
قلتُ موجوعاً بِحُزنٍ كسيرٍ : لا تسألي راحلاً عن موعد رحيله . بل إنْتَظِريهِ أيُّها المُبْتَلاة . لا تلومي أحداً رَحَلْ . ولا تُشْغِلي البالَ كثيرًا بِعتابٍ . فالعتابُ إنْ قَلَّ أو كَثُرَ يُصْدِؤ القلب . ويجعل منه ، في اي فصل من فصول العمر كنت ، مُجرد عضلةٍ رائعةٍ ، لا وطنا أروعُ للمُتْعَبين .
إتَّكِئي كثيراً على فِنجالك . وقولي يا رب .واثبُتي مع روحك ، بالدعاء لنفسك وله . واجعلي الاملَ وصبرَ المُبَشرينَ ، ثالِثَ إثنينٍ : قلبك وقلبه .
فبعض الراحلينَ يا صديقتي كالطيور ، يعودون للشُّرُفاتِ وللأعشاشِ المهجورةِ ، بعيداً عن نعيقِ الغُربانِ وزعيقِ الحَدّايات .
وإعلَمي ، أن حمل الارواح لايكتمل ، إلا في ارحامٍ مُحْتَلَّةٍ بالمشاعرِ والقلقِ والشكِ والحيرة . حَمْلُها وَوِحامُها وفِصالُها مُستدامٌ ومُتَجَدِّدٌ . لا تُعاتِبي ، ولا تَدَعي مشاعرَكِ تقسو عليك . ولا تُحاولي أن تبرئي مِنها .
د سمير ايوب
الاردن – 28/10/2014

شاهد أيضاً

تطبيق تحدي المعرفة حمله مجانًا

        يحوي التطبيق على 12 تصنيفا الأدب العربي اللغة العربية التاريخ صدر …

أم على قلوب أقفالها – محمد فتحي المقداد

  مع بداية انطلاق حياتي العمليّة في العام ١٩٨١، انقطعتُ عن الدراسة في الصفّ الحادي …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: