الرئيسية / قصص / عن الحب وبراءة الأطفال والسجون – كمال أبو حنيش
كمال أبو حنيش
كمال أبو حنيش

عن الحب وبراءة الأطفال والسجون – كمال أبو حنيش

 

يختزن عالم الأسر آلاف الحكايات الطافحة بالمعاني الإنسانية والوجدانية النابضة بآمالها وأفراحها رغم بساطتها وأوجاعها، حتى وإن تشابهت في كثير من الأحيان غير أنها تنطوي على فسيفسائية ألوان الوجع الفلسطيني وتختصر الحكاية الفلسطينية في رحلتها الطويلة والشاقة نحو الحرية والانعتاق، حتى وإن بدت عادية ومألوفة فإنها تظل تنضج بتفاصيلها الاستثنائية التي تميزها عن باقي الحكايات الإنسانية.

في ظهيرة أحد الأيام كنت أستلقي فوق برشي حين أرسل لي أحد الأصدقاء من إحدى الغرف المجاورة أنه يحتاج بعض العبارات والأشعار التي تصلح للحب والغزل، فابتسمت لهذا الطلب، فأنا لا أملك إلا الاستجابة لما يعيشه هذا الصديق الطيب والخجول والمبتسم على الدوام، كما أنني كنت على تماس بسيط مع حكايته التي تعكس وجهاً من وجه المعاناة الفلسطيني، فصديقي هو واحد من بين ثلاثة أشقاء يقبعون في الأسر منذ سنوات طويلة، اثنين منهم يمضيان حكماً بالمؤبد أما هو فقد حُكم عليه بالسجن مدة 24 عاماً أمضى منها 15 عاماً ويتبقى منها 9 أعوام، وثلاثتهم ليسوا متزوجين، بينما تمضي أمهم في زياراتها لأبنائها حيث يقبع كل واحد منهم في سجن مختلف. ومنذ عامين لامست رغبة هذا الصديق الجامح في إنجاب طفل أسوة بغيره من الأسرى الذين نجحوا في تهريب النطف وإنجاب الأطفال، وقد زادت هذه الرغبة في الفترة الأخيرة حتى أصبحت هاجساً تنغص عليه حياته.
لقد كان هاجسه الخوف من أن يدركه الزمن مع أخوته وتحرم العائلة من الأبناء، وقد أخبرني أنه يرغب في إدخال الفرحة إلى قلب والدته ولا يريد أن يتركها وحدها في البيت، ولهذا أخذ يلح عليها أن تبحث له عن فتاة للزواج تقبل مبدأ الإنجاب من خلال الزراعة، لكن والدته رغم هذا الإلحاح لم تلبِ هذه الرغبة، إلا أنها ترددت كثيراً أمام إلحاحاته وبعد أن ضاق ذرعاً بهواجسه من إمكانية انقطاع نسله قالت له ساخرة ببرود الأمهات وصوتهن الدافئ” يعني يا ابني انت خايف على نسل صلاح الدين من الانقراض” انفجرت ضاحكاً وهو يروي لي جواب والدته الساخر أمام إلحاحه، لكن صديقي لم يستسلم ولم ينجح في إخفائه برغبته في إنجاب طفل وظل يتوق لهذه الرغبة، ولم يقطع الأمل في البحث عن فتاة تقبل الزواج منه على قاعدة الإنجاب من خلال زراعة النطفة.
وعندما أرسل لي كي أمده ببعض العبارات والأشعار توقعت أنه قد توفق بعلاقة ستؤدي به إلى الزواج، فسارعت بكتابة له بعض العبارات على عجل، وعند العصر لمحته في ساحات السجن، فابتسم بخجل واقترب مني وصافحني، وبدوري أخذت بمداعبته والمباركة له، ولكن عيناه كانتا تخفيان حزناً عميقاً وأن صدره يضيق على سرٍ يريد أن يبوح به، ولمست رغبة لديه أن ينفذ ما يعتمر في صدره، وقال لي ” أود التحدث إليك” وذهب وأحضر كوبين من القهوة وجلسنا معاً في زاوية الساحة، وقال لي ” أن حكايته ليست جديدة وأنه على علاقة مع صبية منذ عشرين عاماً وأنهما لا يزالان يتعاهدان على الحب والانتظار مهما كلف الثمن، تعارفا ونشأت علاقة بينهما كما تنشأ العلاقات وقبل أن تتوج هذا العلاقة بالزواج اندلعت شرارة الانتفاضة الثانية وغدى صديقي أحد نشطائها ولم يلبث أن دخل السجن، وها هو يكمل 15 عاماً في الأسر، أما الفتاة فقد تجمد الزمن لديها وظلت تنتظر رافضة الزواج ممن تقدموا لها، ونذرت نفسها لحبيبها، وراهنت ذاتها للحب بكل ما أوتيت من وفاء وصبر. وتمضي السنوات والعاشقان ينتظران أمل يخلصهما من عذاب الحرمان، تأكلهما نيران الأرق والزفرات الحارة ويطحنان تحت رحى قسوة الزمن ولوعة الغياب، وفي هذه الحالة سيكتسي الحب معنىً أكثر إثارة وتجريداً وهو يفقد بعده الحسي المباشر، ويمضي العمر وهما الآن على مشارف الأربعين.
حاول صديقي في السنوات الأخيرة إقناعها بالزواج منه والإنجاب كما هي عادة الأسرى من خلال زراعة النطفة، إلا أنها رفضت بعناد الاستجابة لعرضه وفضلت أن تهب له نفسها انتظاراً على مذبح الحب المقدس، ولأن صديقي يعيش هاجس الزمن الذي يلح عليه برغبة الانجاب، ألح عليها مراراً أن تقبل العرض وهي بدورها تشبثت بموقفها الرافض للفكرة، وتسبب ذلك بخلافات عكرت صفو العلاقات الإنسانية الدافئة بينهما وحدثت القطيعة بينهما، ورفضت الفتاة الرد على هواتفه، وأخذ يتجرع الأسى، وطوال ثمانية أشهر ظل يحاول مصالحتها واسترضائها إلى أن تصالحا مؤخراً، ولكن دون حسم لمستقبل العلاقة التي ظل يخيم عليها هاجس الإنجاب، قالت له ” أنها مستعدة أن تنتظره حتى النهاية، وأنها ترهن ذلك للزمن” بعد أن أصغيت لحكاية صديقي قلت له معاتباً” لماذا تصر على مسألة الإنجاب؟ ألا يكفيك أنها ظلت وفية لك؟ لماذا لا تقدر هذه التضحية من جانبها، وفي الوقت الذي تصر أنت على تحقيق رغبة الأبوة فإن هذه الفتاة مستعدة للتضحية برغبة الأمومة، وهي أقسى حالات التضحية لدى المرأة وبهذا فإن هذه الفتاة تمثل موقفاً أكثر نضجاً من موقفك” قلت له أيضاً ” إن أشد ما يؤلم المرأة العاشقة هو نكران الجميل مقابل الوفاء، فهي ليست مجرد وعاء لإنتاج الأطفال بل هي إنسانة ولها كينونة وعليك أن تقدر مشاعرها، إنها تعيش حالة حب صافية، وتشاطرك الألم والمعاناة، وترفض ابتذال هذه العلاقة من خلال تحويلها إلى مجرد وعاء لإنجاب الأطفال، ألا يكفي أنها رفضت الزواج وضحت بالأمومة من أجلك، فلو كانت تبحث عن الأمومة لكانت تزوجت من غيرك”.
رد عليّ صديقي أنه يعشقها ويهيم حباً بها ولن يتزوج غيرها ولن يتصور حياته بدونها، لكنه يخشى الزمن، فقد تبقى له تسعة سنوات وفي هذه الحالة فإنه إن تحرر بعد هذه المدة فإنهما سيحرمان من إمكانية الإنجاب، ولهذا أراد أن يسابق الزمن ولم يقصد إهانتها أو عدم احترام مشاعرها.
سنجد من هذه الحكايات المتشابهة الشاهدة على وفاء المرأة الفلسطينية وأصالتها ونقائها، فنحن نشهد أساطير مجسدة يمتزج فيها الواقع بالخيال، وهي شاهدة على نبل المشاعر الإنسانية، وهنا يكتسي الحب معنىً عميقاً وهو يواجه هذا القدر المستحيل، وشاهدة على رحلة معاناة وعذاب شعبنا في طريق الحرية والخلاص، ففي الأسر يفقد الأسير إحساسه بالزمن ويشعر بالاغتراب ولا يغادره القلق والهواجس، ولا يتلامس زمن الأسر مع الزمن الطبيعي إلا عبر الزيارة، في هذه الحالة فإن الحب يصبح حدثاً استثنائياً يخترق جدران الأسر، ويصبح عابراً للزمن، وعندها يتعانق الزمنان زمن الأسر مع الزمن الطبيعي.
في الأسر يمتلك إحساس أنك خارج الزمن وهنا تنبثق الرغبات الإنسانية الكامنة بالرغبة الجامحة بالأبوة؛ فالأسير الفلسطيني يختلف عن أي أسير في العالم لأنه محروم من حقوقه الإنسانية بالكامل، ويخضع لظروف قاسية لا يخضع لها أي سجين آخر، فحكم المؤبد ليس محدداً بسنوات، وليس للأسير الفلسطيني أي حق من الحقوق أو التحرر بعد قضاء ثلثي المدة، ولا يتاح له الالتقاء بزوجته وأطفاله، وممنوع عليه استخدام الهاتف، وهنا يصبح فصل الأسير الفلسطيني عن الزمن الطبيعي فصلاً شبه مطلق؛ فالاحتلال يرى بالأسرى فئات معادية وتشكّل رأس حربة صراع مع الاحتلال، وبالتالي فإنه من خلال إجراءاته المدروسة بعناية يسعى لقتل الأمل لديهم وسحق إنسانيتهم وامتهان كرامتهم، وبهذا تستيقظ الهواجس الموجودة لدى الأسير الفلسطيني، وتصبح الحاجة لإنجاب الأطفال ضرورة ملحة، ففي السنوات الأخيرة اجتهد البعض لابتكار وسيلة لتهريب النفط والإنجاب من خلال الزراعة كجزءٍ من ثقافةِ المقاومةِ وتحدي المحتل وإجراءاته القاسية، وبهذه الطريقة وجُد إلى العالم عشرات الأطفال في السنوات الأخيرة.
وفي هذا الإطار يتعين علينا لفت الانتباه وضرورة تسليط الضوء على معاناة المرأة وبطولاتها، وهي تتحدى العادات والتقاليد وينجحن في تحقيق غاية الأمومة من خلال ظاهرة أقرب إلى المعجزات، وعدم الاكتفاء بتسليط الضوء على معاناة الأسير وإنجابه للأطفال، بحيث يجب تجاهل المرأة. بهذا المعنى فإن المرأة لا تختلف عن الأسير، بل تكتنفها ظروفاً أكثر صعوبة وهي تتحدى الواقع وتعيش وجع الانتظار.
وثمة قضية أخرى إنسانية وعاطفية ترتبط بقسوة الأسر ومعاناتها إنها مسألة الطفولة والبراءة التي يفتقدها عالم الأسر؛ فالأسرى الذين يمضون سنوات طويلة في الأسر لا يشاهدون الطفولة إلا من خلال التلفاز أو الصور أو من خلف زجاج الزيارات، ويتاح في بعض الأحيان إدخال الأطفال عند آبائهم بضعة دقائق في قاعة الزيارة؛ فالحاجة إلى الطفولة والبراءة حاجة إنسانية وتثير إحساساً مكثفاً لدى الأسير، ويرى ويلامس براءة الأطفال عن قرب.
وقد تصادفت زيارتي الأخيرة لوالدتي في السابع من آذار عشية يوم المرأة العالمي بينما أنا منهمكاً في الحديث مع والدتي عبر الهاتف من خلف الزجاج وإذ بطفلين أخوين ولد وبنت في عمر الزهور يدخلان قاعة الزيارة برفقة السجانات ويقتربان من والدهما الجالس قربي، كان حدثاً نادراً أن ترى طفلاً قربي. لم أقاوم براءة الطفولة، وأشرت للطفلة بأن تقترب مني، تركت السماعة جانباً بينما تقترب الطفلة نحوي بخجل الأطفال وبراءتهم وعفويتهم، وصافحتها وقبلتها ثم عانقتها، ولامست الطفولة وشممت عبيرها. كانت الطفلة ابنة الأربعة أعوام جميلة الوجه والعينين وناعمة كالحرير، لفح صدري هذا العبير، وعندها أحسست لحظتها بمعنى الحرمان.
أن تقبّل طفلاً في زمن الأسر كأن تهديك الحياة حلماً جميلاً وسط الكابوس، كأن تمنحك السماء غيثاً بعد سنوات من الجفاف، كأن تستيقظ فجأة سعادة في أعماقك.
سألت الطفلة عن اسمها، هتفت بهمس يشبه هديل الحمام ” داليا” كانت تمزج بين حرف الدال وحرف التاء، فكان اسمها يخرج من فمها الصغير ” تاليا”، وقد كنت أرغب أن تظل معي لوقت أطول بيديها الناعمتين الصغيرتين وبصوتها الذي يشبه تغريد الحساسين، وتعابيرها السوسنية أيقظت فيّ إحساساً راقداً منذ سنوات حسبته منطفأً بفعل سنوات الأسر الطويلة.
عادت الطفلة لوالدها فالتقطت السماعة وعدت أحادث والدتي، التي شهدت ما جرى أمامها، ومن خلف الزجاج رأيتها تهز رأسها بحزن، كانت على وشك البكاء، ثم ما لبثت أن تحدثت بغضب الأمهات “الله لو انك تزوجت كان ابنك في التوجيهي” أجل كانت نفحة سعادة نشرته الطفلة البريئة في قاعة الاسمنت الحديد والزجاج، تركت القاعة تشع بالفرح والسعادة، ولمعت بومضة إنسانية أضاءت دهاليز الأسر المظلمة.
لا يعترف بنا الاحتلال كبشر ولا بجدارتنا بالحب والزواج والإنجاب، ويحتقر عواطفنا الإنسانية فتنبح أركان الدولة الاحتلالية متشدقة بالأخلاق الإنسانية والاحتفاء بكل المناسبات والأعياد العالمية، وعشية يوم المرأة بينما كانت زوجات الأسرى وأمهاتهم وأطفالهم في قاعة الزيارة، كانت السجانات يقمن بدور الحراسة والمراقبة، سترافق السجانات الأطفال لجلبهم إلى آبائهم إلى قاعة الزيارة، دون أية مشاعر تساورهن حول عاطفة الأمومة دون مشاعر تضامنية مع المرأة الفلسطينية، التي لا ترى ابنها أو زوجها إلا من خلف الزجاج، ماذا فعلت ” إسرائيل” بتلك النساء؟ أية تشوهات تركتها هذه الدولة في نسائها وهي تحولّهن إلى مجرد آلات خالية من المشاعر الإنسانية، فهؤلاء السجانين والسجانات يأتون من الطبقات الفقيرة، بعد أن قذف بهم المجتمع الصهيوني إلى الهامش لا يجدون مهنة سوى هذه المهنة الحقيرة التي تجردهم من إنسانيتهم، حيث يجري تصميمهم كالآلات بعد تلقيهم لدورات يتعلموا من خلالها أن يكونوا كالتماثيل الجليدية.
قال لي أحد السجانين ذات يوم ” أنه مجرد برغي في آلة كبيرة” وهو تعبير بليغ ينطوي على احتجاجه على واقعه المظل بعد أن شوهت التربية الصهيونية إنسانيته، فتغدو الكراهية مفرد أصيل في المجتمع الصهيوني، فإن أردت أن تكون صهيونياً جيداً عليك أن تتجرد من إنسانيتك، هكذا كان يفعل النازيون، كانت التربية النازية تعتبر الانفعالات العاطفية والإنسانية تنطوي على ضعف ولا تليق بالجندي النازي الخالي من أية معانٍ أو قيمٍ إنسانيةٍ أو أخلاقيةٍ. ولأن الضحية تقلد السجان هكذا صُمم المجتمع الصهيوني وهكذا صممت مصلحة السجون سجانيها، ممنوع الانفعال أمام الطفولة، ممنوع إبداء التعاطف، وعليك التجرد من أية مشاعر.
هكذا استلبت وعيه ودمرت أرواحه وشوهت إنسانيته، وأحيت دولة الاحتلال يوم المرأة العالمي وهي تمتهن كرامة النساء الفلسطينيات واليهوديات على حدٍ سواء، لقد شوهت المرأة اليهودية بعد أن أفرغتها من إنسانيتها، وتباهت هذه الدولة قبل أيام بالمرأة المقاتلة في الجيش وبأول امرأة تقود دائرة حربية، تتحدث هذه الدولة في جميع المناسبات العالمية بيوم المرأة وبيوم الطفل وبيوم البيئة وبيوم الشجرة وبيوم العمال، ولا توجد دولة على وجه الأرض تحتقر الانسان والبيئة مثلما عليه الحال في ” إسرائيل” وهو ما يعبّر عن حالة الانحطاط والانفصام في الشخصية لدى المجتمع والدولة على حد سواء.
وفي الوقت الذي يتحوّل فيه النص إلى مكان تنمو فيه المشاعر النبيلة وينعم فيه الأسرى بالحب والحرية وبراءة الطفولة، فإن دولة الاحتلال مستغرقة في فاشيتها، ويستعصي عليها تربية مجتمعها على القيم الإنسانية، بعد أن شوهت إنسانيته وطمست عواطفه وحولتهم إلى كائنات هلامية معطوبة، ومجرد براغي في آلاتها الجهنمية، ولن تلبث أن تتساقط البثور الأخلاقية الرقيقة التي تتمسح بها ولا يتبقى منها إلا حقيقتها الفاشية فقدر الحب والبراءة والحرية أن تنتصر دائماً على الكراهية والاستبداد، ولن يلبث أن يولد الوقت الجميل، وتشرق شمس الحرية على شعبنا، ولن يكون مصير دولة الاحتلال سوى التفكك والاندحار.

.الاسير الفلسطيني كميل أبو حنيش

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: