الرئيسية / قصة شاعرة / الزمن النفسي في القصة الشاعرة – د. حسين مناور – الأردن
د. حسين مناور
د. حسين مناور

الزمن النفسي في القصة الشاعرة – د. حسين مناور – الأردن

 

القصّةُ الشاعِرة موْلودٌ مُعاصِرٌ، إذ ليس مِن الإنصاف أن نتناولَهُ بعيدًا عن كَظيْظِ عصرِه، وثَجيْجِ مُحيْطِه. ومِن البِرِّ أن نلتَقِطَه مِن غَيابَةِ الزِّحام ، ونضَعَه في مكانهِ اللّائق. فهو ابنٌ شَرْعيّ لِهذهِ الحَضارة المَعدنيّة الإلكترونيّة الجامِحة التي زَلْزَلت حاضِرَنا بِغزيرِ المُسْتَجدّات؛ سريعِها وهائلِها. دَلَحَ الزّمنُ واشْتجَر، وتناسلت ظروفٌ داخليّة وخارِجيّة عاصِفة ، امتدّت إلى النّواحي كُلِّها، مِن فكريّة وثقافيّة وسياسيّة واقتصاديّة وتقنيّة بين تَلاقٍ وتَصادُم. وعلى وجه اليقين، إنّها لا تجري في فراغ ، فمسْرحُها الإنسان بِحِسّه ونفْسِه ، فَتَشَكّلت تَضاريسُه النّفْسيّة والذهنيّة مِن جديد، ولربّما غدت لَحاظاتُه سِنينا، أو سُنُونُه خرجت مِن مَسارِها. طالت مسافاتُه، وقلّت حِيلُه، وجَفّ وُجْدانُه وروحُه، وتَراكَمت أزَماتُه، وشَحّت مَوارِدُه ، وكأنّه لايستطيعُ مُواجهةَ هذا الحاضِر بِذاكَ الماضي الذي حمَلَهُ ولم يَقْرأْهُ ، وظلّ أسيراً للأَيْقونات الكَليْلة عن المُواجَهة.

في هذا الواقعِ المَأزوم ، يَلوحُ شَغَفُ الاحتياج إلى سَوْرَةِ المَخاض، ومَعْصيةِ الإبداع ، فإمّا أن يكون خارجَ الزّمن، أو يرتقي لِمواجهتِه ، ويُقلّبُ وجهَه في المَذْخور التّراثيّ، وجَوابيْهِ الأبجديّة ؛ لِيلْتَمِسَ ما يُسْعِفُه مِن وسائل التّخَطّي وتقنيّاتِه ، المِحْجَم الذي يُغني عن الصِّواع، “السّندويشة” التي تُغْني عن مَرْكومِ الزّاد ، وورقة العُمْلة التي تُغني عن وفيْر الامْتِلاك. فما ضَرَّهُ لو عادَ إلى تُراثِهِ العَرِم؟ مُجانِباً الاسْتنساخ ، وموتَوَخِّيا كيمياء التركيب والتّهجين والتّشكيل، لِيُنتِجَ مُبتكرًا جديدا، مِن القديم بعد تحديثه دون أن يَمْسَخَ أو يُشَوّه. فالإبداعُ لايأتي مِن العدم أو الفراغ.

ما الذي يَكْرُثُنا لو استَنْبَتْنا في تُربتِنا مُنْتَجاً وطَنيّاً؟ لهُ مُقْتَضاهُ مِن خَوابيْنا العربيّة العَتيقة ، تغْزيراً وإضافة ، وإسْهاماً إنسانيّاً في المشهد العالمي، وإرْفادًا ثَقافيّاً للنّهر الحضاريّ.

ليس بمقدورنا أن نُصَعِّرَ وُجوهَنا عَمّا يجري حَوْلَنا، أو نُنكِرَ هبوبَ الحَداثة ودَورَها في حُقول الفنّ والإبداع العالميين. فنحنُ جُزءٌ لايتجزّأ مِن العالَم ، وفي عصْر التّواصل الذي سيطر سيطرة غير محدودة على المسافات، فانْمَحَت الحدودُ، كما لايُمكنُنا أن نُغْفِلَ إنْجازاتِهم البائِنة في تطوير الوسيلة وتَنْويعِها، في سائر الحقول الإنسانيّة والإبداعيّة بِعامّة، باحثين عن زمنٍ مَفْقودٍ حيناً، أو مُراوغٍ حيناً، أو ابْتغاء زمنٍ آخر مُبْتَكَر. ولا ثَرَبَ أن يكونَ المُنتَجُ سَليلاً لِلْفائت أو مُنقطِعاً عنه.

هكذا هاجَت الحداثةُ وماجَت ، وتعالت أصواتُها بِمَجْهورِ القول وصَريحه ، مؤكِّدين أنّ الإبداعَ لا يكونُ على مَثَلٍ مُسْبَق ، مُنكِرين سُلْطةَ الأدب الرّفيع والمعْصوم ، حطّموا القَديم، وكسروا الحدود ، وانصرفوا من الشّبيه إلى المُخْتلِف ، حتّى مفهوم الأصالة انتهكوه، ونَظروا بعين القَلق إلى الموروث، وخَلَصُوا إلى أنّ الإجماعَ آفةُ الحريّة

وتجامَحَت خُطاهم، وأثْخَنوا فيما سُمّيَ ما بعد الحَداثة. رَجَموا الحداثةَ نَفْسَها، ورَشَقُوها بِوابِل التّساؤلات، وشكّكوا بكلِّ مُهَيْمِن، مُشْهِرينَ رفضَهم للنّظريّات المُطْلَقة.

على أنّ بعضَ الأصواتِ نَزَعت لِلإيلاف بينَ القديم والحديث؛ إذ نادى (هيجل) بِعلاقة جديدة بالعصور القديمة، ولم يفتْهُم التّغاضي عن حدود الأجناس الأدبيّة . في كلّ الأحوال لهم منهجُهم ولنا منهجُنا، على أنّه لايُعيبنا أن نأخذَ ما يتّفِقُ مع هويتِنا وظروفِنا، أو نتركَ ما يُغايرُها. وإنصافاً فإنّ القصّة الشّاعرة ليست في العَراء ولا هي المولود اللّقيط ، فهنا تختارُ مكانَها، وعبَثا أن نُناكِرَها ونُطلِقَ عليها النّار.

وفي تُراثِنا العربيّ شَواهد شتّى على الوقوف بِوجه الإبداع، حتّى إذا بانَ مَبْسَمُهُ سلقُوهُ بألْسِنةٍ حِداد ، ولنا بأبي تمّام خيرُ مِثال، إذ انتبَذَ شِعْباً فنيّاً لم يجْتَرئْ عليه أحدٌ، ملأ البِقاعَ والأصْقاع، ثم غدا سيّدَ التّجديد، ومِن قبْلِهِ النّواسيّ، والأمثلة كثيرة ازْدهرَ بهم الأدبُ العربيّ .

ونَدْلِفُ أكثر إلى هذا الوليد العربيّ “القصّة الشاعِرة” الذي انتزعَ مكانَه، واحْتَفَرَ مَسيْلَهُ، رُغمَ مُحاولات التّجْفيل والتّثْبيط , فَهل كانت وِلادتُه شرْعيّة وذات جِيْناتٍ عربيّة؟ وهل قال ما سَكتَت عنه الأجناسُ الأُخرى؟ ألم يَقُلْ بِنَحيْلِ بنيتهِ ماقالتْهُ سِمانُ الأجْناس؟ وأخيرًا ألم يُحَقّقْ لذّةَ الانسِحابِ مِن المأنوسِ بعد عجزه عن الوصول إلى المرجوّ؟

ويُمكنُنا أن نُجيْبَ عن هذه الأسئلة، وما تُفَرّخُه من تَساؤلاتٍ شتّى.

لم تَعُدْ القصّة الشاعرة لَبِنَةَ العود ناعِمةَ الأظافر، فَقَد اشْتَدَّ فَتْلُها, وبانت ملامحُها، وتبَوّأت مكانَها في العاصِفة،سواءٌ عليه بِموضعِها أو مَرْجُوِّها أومَرْفوعِها؛ بالرّغم من بنيتِها الهَضيْمة، ولُغتِها الشّديدة الدّقة، ورُموزِها الكثيفة الآهِلة بالأحمالِ التّراثيّة والثقافيّة والفكريّة، المُتَوهّجة بالدِّلالاتِ والإشاراتِ والعَلامات، كما أنّها تَنطوي على مَوفور الإحالات، ومَدْموجِ الزّمن، إلى جانبِ مُكَوّناتِها المِجْهَريّة ، عَيْن الاقتصاد الإبداعيّ.

نحنُ بين يدي مخلوقٍ ابْتكاريّ، يُثيرُ الأشياءَ ولا يَقوُلُها، مُكْتَنِزٍ بالموروث الأسطوريّ والتّاريخيّ، ويُفَعّل الحواسَّ الشّتيتة عَبْرَ التّراسُل ؛ أليست اللّحظة النّفْسيّة تُعادِلُ السّنينَ حيناً؟ أليسَ النّزْعُ التّشكيليّ يَنْسِلُ الأبعادَ ويُضاعِفُ التّأويلَ؟ ألا يؤلِّفُ بين السّرْد والشِّعر؟

لا نُشاقِقُ الحقيقةَ حينَ نقولُ إنّ القصّة الشّاعرة ذات قُدرة على اختزان الكثير بالقَليل؛ انسِجاماً مع ضَروراتِ العَصر. وفي السِّياق يُقالُ الكثيرُ! فعَلاماتُها التّرقيميّة تَنوبُ عن ملامِح الكاتب ، بإشاراتِه ، باستحْسانِه باسْتِهْجانه، كذلك الأمر في فَراغاتِها التي تَخْتزِلُ المسافات والمساحات.

إلى جانبٍ آخر من جوانبِها الجوهريّة، إلى القارئ ، مَهْوى الاهتِمام، فهي ترفعُه من مَهابط التّلقّي إلى مَراتب الإنتاج، وتُمارِسُ عليهِ مايُشْبِهُ التَّعْطيش، تدفعُه لِلْبحْثِ والتّنقيب ، وتُحَرّضُه على قَبْضِ المحذوف، واسْتكشاف المطْموس.

وبعد، هل يتوارى تراثُنا خَجَلاً إن مَنَحْنا هذا المخلوق مكانَه المُناسِب؟ ونعتقُه من معايير التّحنيط ، أيتَنَقّصُه أن يكونَ من أبوين، القَصّ والشِّعر؟ على نحْوٍ لا يُغايرُ السُّنَن البشَريّة ، التي تُؤكّدُ أنّ المولودَ لا يكونُ استِنْساخاً لوالديه ، وما ضَرّنا أن ينطَرِدَ هذا المَسار البيولوجيّ في القصّة الشاعرة؟ تغيبُ القَسَمات القديمة ويتشكّلُ جِيلٌ جديد ، بَعيدا عن سُلْطةِ القوالِب الموروثة، في ملامِح شكليّة وبنيويّة، لا تَشْغبُ على الأجناس الأدبيّة الأُخرى، بَل تُظاهِرُها وتَرْفِدُها، فلا غضاضة باستقلاله ، إذ قِيلَ أنّ تَوالُدَ الأجناس الأدبيّة ظاهرة صحيّة، بِوصْفِها جزءاً من تَداعِيات التّطوّر.

هذا المولود ، بِمغْناطيسيّة اسْتِهلاله، ودهْشَةِ خاتِمَتِه، وغَزارةِ تَناصِّه، وإرضائه لِحاسّةِ البصَر، قد يسْتوعِبُ الفُنونَ جميعاً. أليسَ من حقّهِ أن ينهض على قَدَميه، وينعتِقَ من التّذويب في الأجناس الأخرى؟

ولنا في تاريخِنا الكلاميّ خَيْرُ مُغْتَرَفٍ، فالعَلاقةُ بين القَصِّ والشِّعر عندَ العَرَب مَعْروفةٌ ولا مِراء فيها، فالمُعَلّقاتُ الشِّعريّة دليلٌ أبْلَج على إيلاجِ السّرْدِ بالشّعر، وفي هذا المُتّجه نذكرُ المُغامرات النّسَويّة في شِعر عمر بن أبي ربيعة، وكذلك البحتريّ، والكثيرَ من الأشباه والنّظائر الغنيّة عن الذِّكر. وفي هذا الصّدَد يُذكرُ الفارابي وابن سينا وابن رشد، وما تَردّدَ على ألْسِنتِهم حَوْلَ القول الشِّعريّ في النّثْرِ بِعامّة، ومن كمال القول أن نُشيرَ إلى تجْربة صلاح عبد الصّبور ونجيب محفوظ.

وفي الختام .. ألا تَشْفعُ للقصّة الشّاعِرة مُقَوّماتُها، المُشار إليها ، لِتَشُقّ طريقَها، وتكونَ حجراً في هذه المداميك؟ ثمّ لماذا نَسُككُّ مسامعَنا عن أصواتِ الجيل الجديد المُعاصِر الذي انخطفَ إلى نصوص القصة الشّاعرة ؟ ألم يقولوا أنّ الخاص هو بذور العام ؟

 

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: