الرئيسية / قصص / سنابل من حقول الذاكرة – السنبلة الأولى – أميمة يوسف

سنابل من حقول الذاكرة – السنبلة الأولى – أميمة يوسف

 

 

من مخيمات الشتات كانت البدايات .. حيث الأسقف المنخفضة والنوافذ الباردة التي لا تنمو على شرفاتها أزهار ، حيث السواد عباءة تلف الأحلام والأمنيات  كما تلف عجوز فقدت كل شيء، والبياض عزيز لا تبصره الأعين إلا في بطاقة تحملها معك حيث وليت وجهك شطر بصيص أمل لتذكرك دوما بأنك لاجئ .. لاجئ قد لا يتسع حلمه لأكثر من مسكن آمن ، ورغيف خبز ، وبطانية دافئة في ليالي الشتاء .

 

هناك حيث الوطن البعيد القريب يلوح ويختفي كبارق نجم في السماء ، تفتّحت عيناي لأبصر من حولي الأشياء قاتمة بلون الحياد ، لم أكن لأدرك وأنا أدرج بخطواتي المتعثرة الأولى أن أبواب الحياة كلها موصدة ، وأن دربي المسافر لن يكون يوما إلا على سكك الانتظار ، فلا بوصلة ترشدنا الطريق .. وليس ثمة طريق !

 

أميمة يوسف
أميمة يوسف

في البيت المتواضع الصغير نشأت طفلة مدللة ، لم تسبر عيناها رغم اتساعهما حقيقة الأشياء ، حول فراشي الدافئ تحوم فراشات .. عيون أمي تروي الحكايات ، وساعد أبي يحيل كل شيء بسيط من حولنا أداة حياة ، ومن قلب جدتي النابض بالقدس تذوقت حب الوطن عذبا آسرا لذيذًا ..

 

 

ما زلت أرفل بذكريات الطفولة كعروس تزهو بثوبها الأبيض الجميل ..

ناصعة طفولتي كبياض قلب أمي ..

ثرية رغم بساطة الحال كالعزيمة في ساعد أبي ..

شجية كأحاديث جدتي ..

خضراء كقلب الربيع رغم تعاقب الفصول دون أن نلتقي الربيع ..

مرارة وحلاوة ..

حلاوة ومرارة ..

فيض من الشوق ، ومزيد من الانتظار ..

آآآه ما أقسى أن تنتظر مستقبلاً لم ترسم ملامحه بعد.

أوراق متساقطة من شجرة العمر ، وصدور أرهقتها الزفرات ..

حلم عودة ما ينفك يداعب أرواحا ما استساغت اللجوء يوما ، ولا ارتضت الخيمة مسكنا ..

رائحة برتقالة حزينة تفوح في وطن حزين ، آن له منذ زمن أن يفتح ذراعيه مرحبا بأبنائه العائدين ..

أنشودة ثورية ما تزال أنغامها أصداء تبعث النشوة في رميم الروح ..

وأحلام طفولة وردية غافية على كتف ليل لا يزول بغيمة مسافرة تحط رحالها في القدس .

 

أمانٍ يستحيل تحقيقها .. وأمنيات معلقة بالريح بغد لا يضرب موعدًا للقاء .. كل ذلك يزيد إرثي الطفولي الحزين ..

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: