الرئيسية / قصص / قصة قصيرة: عيد الأمّهات.. – رشدي بن صالح سعداوي

قصة قصيرة: عيد الأمّهات.. – رشدي بن صالح سعداوي

قرب عيد الأمّهات، إنّها السّنة الثانية التي تمرّ دون أمّي. صدقا أنا لم أكن أتوقّف عنده كثيرا من قبل فقد كان وجودها عيد يوميّ. بل كان عيد كلّ لحظة و ثانية. غير أنّه منذ غابت، غياب الحاضرين، أصبحت هذه التّفاصيل تعني لي كثيرا. ما زال أسبوعان على آخر يوم أحد من شهر ماي، ما أتّفق على أنّه يوم عيد الأمّهات. ليلتها اشتقت لها كمن يشتاق لضمّة صدر حنون بعد أن قست عليه ضلوع السّنين بأعوامها الخمسين. صبح ذلك اليوم قصدت السّوق كعادتي كلّ يوم أحد. لم أسلك الطّريق المؤدّية مباشرة للسّوق ولكن توجّهت عبر الطّريق الرّئيسي للمقهى لتناول قهوتي الصباحيّة علّها تقوّيني على خوض معترك السّوق بضوضائه وغباره و وقع مصاريفه. و أنا في منتصف الطّريق، و على بعد ثلاثة أمتار منّي لمحت امرأة عجوزا قاربت عمر التسعين جالسة أمام دكان يرتفع تقريبا بنصف متر على الرّصيف. كان الدّكّان لا يزال مغلقا، و كانت المرأة العجوز مرتاحة في جلستها بفستانها الأخضر القطنيّ و غطاء رأسها الأبيض. و أنا أمرّ أمامها ألقيت عليها نظرة خاطفة وقلت:
-صباح الخير.
أشارت لي بيدها اليمنى، في حين بقيت يسراها مشدودة إلى جنبها كأنّها تمسك بشيء لتخفيه فهمت من إشارتها أنها تناديني فاقتربت. طأطأت رأسي وتبعه جزء جسمي العلوي لأكون في مستوى أذناها وقلت:
-صباح الخير.
هذه المرّة سمعتني وأجابت بصوت خافت:
-صباح الخير.
و تناولت يدي، و قبّلتها. فقمت بدوري بتقبيل يدها، ثمّ قالت:
-ابن من أنت؟
أجبتها ذاكرا لها اسم أبي وأمّي فأعادت اسميهما عل طرف لسانها لمرتين أو ثلاث كآنها تستذكر. أخيرا لقد تذكّرتهما. أما أبي فقد سلّمت بوفاته و أمّا أمّي فسألتني عن أحوالها. أجبتها:
-لقد توفّاها الأجل من سنتين.
تعجّبت للخبر هي تجهل ذلك ثمّ سلّمت بالأمر و شرعت في الحديث عنها بأدقّ تفاصيلها، لبسها، تصرّفاتها، صداقتها لأختها… أنعشتني بما قالت وبعثت في دفئا لا يوصف. ثمّ قالت متحدّثة عن نفسها و كأنّها تعاتب الزّمن الذي ذهب بها بعيدا في العمر:
-ساقي مكسورة.
حينها جلب انتباهي العكّاز الممدّد بجانبها. ثمّ أضافت بصوت حزين.
-أنا مقيمة في منزل ابني.
مشيرة برأسها إلى باب في الزّقاق على يمينها. و أردفت بصوت موغل في الوجع يكاد يغيب بها في غياهب النّسيان:
-لم يعد يزرني أحد.
ثمّ سألتني و هي تطلق يدها المشدودة إلى بطنها:
-إلى أين أنت ذاهب؟
قلت:
-للسّوق.
قالت وهي تفتح يدها ليتكشّف ما تخفيه:
-أرجوك أن تشتري لي موزا و برتقال. أنا لم أعد قادرة على الأكل، فقط بعض الغلال. تعوّدت أن أكلّف الجار بأن يشتري لي ما أطلبه غير أنّي هذا الصّباح لم أره.
قلت:
-بكلّ سرور انتظريني و سآتيك بما تشتهين.
مدّت الكيس البلاستيكي الشّفّاف الذي كان في يدها. ألقيت عليه نظرة خاطفة فبدت فيه ستة دينارات. أمسكت بيدها وصررت عليها بما فيها قائلا:
-اتركيهم لقضاء حوائجك و أنا سأهتم بالباقي.
أصرّت عليّ لآخذهم ولكنّي أقنعتها بالاحتفاظ بهم بابتسامة و متعلّلا بوجوب إسراعي بالذّهاب لأعود لها بسرعة. غادرتها طالبا منها أن تنتظرني. أسرعت الخطى و لكنّ صورتها لم تغادرني. كان أحلى صباح عشته في حياتي ببراءتها الملائكيّة وبياض شفّاف في وجهها يكشف بياض روح و حلاوة بطعم عسل الجنّة. مضيت في طريقي و دعواتها تتبعني وتزين صباحي.
مررت بالمقهى، شربت قهوتي بسرعة و اتجهت نحو السّوق. أسرعت في اقتناء حوائجي حتّى أنّي لم أهتمّ إن كنت اشتريت كلّ ما كان مطلوبا منّي أم نسيت بعض الأشياء. ثمّ اقتنيت لها ما اشتهته من غلال و عدت أدراجي أحثّ الخطى كي لا أتأخّر عليها.
وصلت المكان الذي تركتها فيه فلم أجدها فتوجّهت من توّي إلى الباب الذي أشارت له على أنّه منزل ابنها. طرقته و كرّرت طرقي مرارا ولكن لا مجيب. توجّهت إلى الباب المقابل و طرقته أيضا لم يفتح لي أحد. فتوجّهت للباب الثالث و طرقت، هذه المرّة فتح لي شابّ ثلاثينيّ. حيّيته وسألته عن المرأة العجوز فأجابني أن لا أحد في بيت ابنها سواها و أنّها أكيد لم تسمع الطّرق. حينها طلبت منه أن يتسلّم منّي الكيس الذي بيدي و يسلّمه إيّاها عندما يتسنّى له ذلك، و لكنّه أبى ذلك متعلّلا بأنّها ثرثارة لا تكفّ عن الحديث وهو لا يملك وقتا لها. و انصرف. آلمني موقفه و التفتّ إلى باب المرأة العجوز و كلّي حيرة. و لكن اشتدّي أزمة تنفرجي فتح الباب و للّه الحمد. أطلّت بوجهها المضيء فأنارت روحي و قلبي. توجّهت نحوها حيّيتها و سلمتها الأمانة و قبّلتها من جبينها و انصرفت و دعواتها تسبقني لتطير بي إلى عوالم أمّي الحبيبة.
سبقتكم احتفالي بعيد الأمّهات بأسبوعين و كانت سعادتي لا توصف.. عسى أمّي تكون أسعد عند ربّها..

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: