الرئيسية / قصص / لستُ إلا نسيما! – سَفّانة إراوي
سَفّانة إراوي
سَفّانة إراوي

لستُ إلا نسيما! – سَفّانة إراوي

أما النسيم فقد كان متحسرا مرتبكا، أعرف ذلك من اضطراب تأين ذراته، إذ لا تكاد تعرف إليكتروناته العازفة لسيمفونياته الرقيقة موطئ قدم لها في ذرة حتى تمل منها وتجزع، ثم تهرب منها إلى أخرى خائفة مذعورة..


حنوت عليه حنو ملكة السحاب على جزيئات الماء المتبخرة، وهي ترقب وقوعها في شراك البرودة وإعلان موعد تكتلها وتكاثفها لتمتزج في تركيبة بديعة لن يطول شأنها بدورها، فتلك سنة الله التي فطر عليها الكون، ألا يستمر شيء على حال واحدة، فسرعان ما يطاله التبديل والتحويل.. لكنني ما اعتدت النسيم منهزما ولا ألفيته متشائما، فكيف أستسيغ الركون أمام مصابه وهو الذي ما بخل علي يوما بفيحه وألقه؟


كان علي أن أسمع ككل مرة يعلن فيها كبرياءه وتعنته عبارته تلك المستوحاة من عالم الترفع المجنون الذي يدور في فلكه “ثم إني لست إلا نسيما”، لا زلت لا أفهم كنه الأمر ولبه، أولا يعلم بأن ذلك إقرار منه للتهمة التي توقعه في شراك المسؤولية التي يتهرب منها؟..
لا بأس، فقد مضيت وأنا في أعلى درجات تفاؤلي، لا ألوي على شيء إلا أن أحمله على الصدح بما في قرارة نفسه، وأربت على طيفه لتتآلف ذراته وتنسجم مع المنطق الذي وجد لأجله: أن يكون نسيما، نسيما.. وكفى!

 

قلت: “أما والله فإنني ما رأيت في وظيفتك يوما يا صديق، إلا حملا تنوء به أولو العصبة من الحب والصفاء، جاثم هنا تزرع بذرا، مستوحش في الظلمة تؤنس مهموما، وحيد ليس لك إلا أمل تجرعه الثكالى من حولك ومن أثقلتهم أهوال هذا العالم المحزون.. فالحق أنها وظيفة لا يستطيعها إنسي ولا جني، لكن القادر القاهر سبحانه قد بوأك مقامها لتمر على الحدقات بعبيرك، فيكون ما يكون من انتشاء النفوس بسحرك وحكمتك.. لكن، ما هذا الذي نأى بك عن البوح وجعلك في مصاف هؤلاء المتشائمين في تراخيهم وتضعضع نفوسهم؟
كان غارقا في سكونه وألمه، لكنه ما فتئ أن هز رأسه ببطء وقسماته توحي وكأنه يعالج مغصا في أحشائه، حاول أن يستعد بفريق الأوركسترا لإطلاق صيحة جديدة تخلدها الذاكرة، فما أسعفته نفسه إلا للنبس بكليمات خفيفات على اللسان، ثقيلات في ميزان ثورة العلم والقيم وكل ما يمت لعلاقة الإنسان بالكون، فيهمس:
أي صديقتي، نعم، لست إلا نسيما! وليس عليك أن تراوغي بعد اليوم في عبارة كذي، لأنها باتت قاب قوسين من تفسير حقيقة وجودي الذي يؤرق البشر!
الأرض على حافة الهاوية، إن ملكوت الخالق في عالمكم هذا يستعد بأجمعه لانتفاضة تعصف بوجودكم، بعد أن عصفتم بوجوده فأسلمتم أموركم لأبله العظماء وأقربهم للحمق منهم إلى العلم، هؤلاء الذين لم يتركوا شيئا يمضي كما قدر له، وجعلوا من موارد الأرض الدافئة، أسلحة بريئة ضد العالم بأسره، بل المجرة بأكملها!
هل تظنين أن باستطاعتي أن أكون نسيما لا كسائر النسائم فأرنو للتأقلم مع هذه الجرائم التي يرتكبها في حق بيئتنا؟

نعم، لطالما كانت وظيفتي أن أقتحم عالمكم الذي يتعلق بكم وفقط ببلسم الحب والأمل، فكيف وقد أصبحْتُ ضحية تلك الاقتصادوية التقنوية البغيضة بدوري، وقد مسني من الضر ما اضطربت له ذراتي، وما عادت تعرف الوجهة التي تشكل بها المزيج الذي تعرفين، إلا من حيث طريق المشقة كما تشهدين!

آخ يا عزيزتي، صدقيني.. لست إلا نسيما!”

سَفّانة إراوي

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: