الرئيسية / قصص / الرصيف الخائن – بقلم الأديبة : فاكية صباحي
فاكية صباحي

الرصيف الخائن – بقلم الأديبة : فاكية صباحي

 

توارت الشمس ..وانتصب قوس الظلام يطعن بسهامه بقايا بياض على أرصفةٍ مرهقةٍ لم يعد يغريها صفاء البياض.. بقدر ما كان يغريها همس الدجى الجائع لوقع الخطى الهاربة من مُدية الأ قدار وهي تستجدي بقايا وطن.. وأي وطن على رصيف خائن يحترف تقبيل  الأحذية صباحا ..كما يحترف تقبيل الوجوه السافرة  آخر الليل ..

صمْت المكان كان يبيح لي التنصّت على جراحات غيري .. تلك التي قد ألبسها يوما.. والحذر الشديد كان يكتم  أنفاسي في غمرة الخوف من الآتي .. ومواربة الطرقات التي قد تبتلعني عنوةً..

 كنت أحاول  أن ألبس البياض حذاءً عساه يحظى بقبلة مهربة من رصيف خائن .. لكن وشاية المكان بالمكان  ألبستني التهمة علنا، رغم كوني ما اقترفت ذنبا سوى الحلم على ناصية شارع كنت  أظن  أنه لي ..!!

وهأنذا  أجَردُ من هويتي لا لشيء..  إلا لأنني لبست جلبابا  أبيض اللون، كحذائي المصادر مع بقية أشيائي.. وحملت معولا على كتفي  لأن البياض صار جريمة يعاقب عليها قانون الغاب .. وحمْل المعاول رجولة يجب اغتيالها علنا ..قبل أن تغتالني سرا..

يجب  أن  أمشي خلف ظلي دائما ..! وإن حدث وسبقت ظلييومالسوف تبتلعني هاوية الظلام..تماما كما يبتلع مثلث الموت البواخر والسفن دون سابق إنذار..

فكم صار مُرّا مذاق هذه الحقيقة وهو يتوسط حلقي أفقيا بحيث لا  أستطيع لفظهُ.. كما لا أستطيع ابتلاعه لأن الجرح واحد ..والألم واحد في كلتا الحالتين ..! ولا حيلة لي أمام تقلّص رقعة البياض رويدا.. رويدا ..بعدما صارت قطرة في بحر .. فهل صار ثوبي الأبيض قضية غائرة يصعب خوض غمارها؟؟

أم أن نزيف معولي على كتفي هو الذي أظهر قدرة البياض على كشف ماهية  الأشياء  …؟

لأبدو مجردا إلا من وضوح فضحني بقارعة الطريق ..!

فكم هي موجعة صفعة المباغتة، عندما تخونك حتّى الشوارع والمدن..  وتجد نفسك تصارع الفراغ لينفرد بالغلبة في كل الحالات .. ويجعلك تنزوي مطأطأ الرأ س تخاف أن تلبس البياض إلا بعد الموت ..! عندما تفك الروح  الأغلال ..وتترك الجسد كزهرة نرد تتقاذفها الأيدي العابثة ..

فهل حينها سيكتم الترب سرّي، ولن يشي بلون آخر متاع لي؟

أم  أن أول من سينبش قبري هو كفي ومعولي..؟؟

 

تصويت

ادعمنا بتعليق

%d مدونون معجبون بهذه: