الرئيسية / فنون / الخيـــــــــــــــل في الفن التشكيلي جمالية ورمزية لحسن ملواني*

الخيـــــــــــــــل في الفن التشكيلي جمالية ورمزية لحسن ملواني*

 

(1)

الخيل في القرآن الكريم و الحديث الشريف

    لقد لقي الخيل اهتماما ورعاية عند الإنسان بصفة عامة ،وعند العرب بصفة خاصة ، وقد زاد من ذلك تحبيذ الإسلام لتربيتها والعناية بها ، فهي جميلة ومفيدة في السفر، في الحراسة، في الحرب وفي المقاومة والصيد…

وفي القرآن وردت الخيل بأسماء كثيرة ، فهي العاديات والموريات والصافنات والجياد. و ورد في الحديث النبوي الشريف ما يفيد وجوب العناية بها واحترامها …ولعل هذا التكريم وهذا الاهتمام الفائق للخيول آتٍ من كونها وسيلة تمَّت بها فتوحات إسلامية كثيرة، علاوة على جمالها مقارنة بغيرها من الحيوانات. وليس من المبالغة الإشارة إلى كون الأمة العربية الإسلامية  أبرز أمة أوْلت الخيل اهتماما كبيرا.

(2)

الخيل في الشعر العربي

والشعر العربي حافل زاخر بوصف الخيل والإشارة إلى أهميتها ،فهاهو امرؤ القيس يصفها وصفا جميلا يحمل حركيتها ونشاطها وهي تعدو بصاحبها ، يقول:

مِكَـرّ مِفَـرّ مُقْبِـلٍ مُدْبِـرٍمَعـاً               كَجُلْمُوْدِ صَخْرٍ حَطَّهُ السّيْلُ مِنْ عَـل
كَمَيْتٍ يَزِلّ اللَّبْدُ عَنْ حَـالِ مَتْنِـهِ            كَمَـا زَلَّـتِ الصَّفْـوَاءُ بِالمُتَنَـزَل
وهذا عنترة المعروف ببطولته وشجاعته يصفها وصفا جميلا ويفتخر بها قائلا :
يَـدعونَ عنتَر وَالرِمـاحُ كَأَنَّها   أَشطـانُ بِئـرٍ في لَبـانِ الأَدهَمِ
ما زِلتُ أَرميهِم بِثُغـرَة نَحـرِهِ   وَلَبـانِـهِ حَتّى تَسَربَـلَ بِالـدَمِ
فَاِزوَرَّ مِن وَقـعِ القَنـا بِلَبانِـهِ    وَشَكا إِلَيَّ بِعَبرَةٍ وَتَـحَمـحُـمِ
لَو كانَ يَدري مالمُحاورَة اشتَكى   وَ لَكانَ لَو عَلِمَ الكَـلامَ مُكَلِّمي

ويقول عنها المتنبي واصفا علاقته بها :

أراقبُ فيه الشمس أيان تغرب       وعيني إلى أذني أغر كأنه

 من الليل باق بين عينيه كوكب      له فضلة عن جسمه في إهابه

تجيء على صدر رحيب وتذهب     شققت به الظلماء أدنى عنانه

 فيطغى وأرخيه مرارا ً فيلعب      وأصرع أي الوحش قفـّيته به

وبعيدا عن الشعر نجد الخيل في السينما كمحرك للأحداث لارتباط البطل ومعاكسيه به خاصة في أفلام رعاة البقر ، كما استعمل في مشاهد مسرحية تجسيدا للبطولة في أبعادها المتعددة.

(3)
الخيل في التشكيل

    وإذا كان للخيل مكانة وحضور بارز في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والشعر فإن التشكيل بدروه حَفَل بهذا الكائن الجميل الذي أبدع ومازال يبدع به التشكيليون كل حسب نظرته وتجربته وكفاءته وتقنياته وخاماته.

بل إن من الفنانين من جعل الخيل مفردة وموضوعا للوحاته على امتداد تجربته الإبداعية، يرسمها ويقدمها في كل عمل تقديما جديدا مما يوحي بكون الخيل بجسمها  ومظهرها مصدر  إيحاء وإلهام للمبدعين كَمَا الحمام والغزلان والطيور.

والقارئ لتاريخ الفن سيقف على العناية والاهتمام الذي لاقته الخيل عبر لوحات مبدعين ينتمون إلى مختلف البلدان العالمية وفي مختلف العصور.

ولأن الخيل كائن بهي لجملة من الصفات التي تميزها عن غيرها فقد ظلت موسرة وساحرة للمبدعين في مجال التشكيل وغيره ، فالخيل جميل الوجه والعينين والأذنين ، ظهره وصدره أملسان، علاوة على قوائمه وشعره الطويل الكثيف المتدلى على عنقه العريض. إلى جانب حركاته المتزنة ، فهو كائن ذكي يستطيع أن يرقص على إيقاعات مختلفة.

ولأن الخيول حيوية المنظر حتى في سكونها، فقد باتت مفردة تشكيلية قابلة للتجريب الإبداعي ،وإبراز عمق أفكارٍ ورؤى متعددة ، فقد رُمز بها إلى النّور والشّمس، وإلى القوة والجمال والحب والوداعة و البطولة … وبذلك تربعت الخيول بمظهرها الجميل والرامز على لوحات مبدعين ومبدعات في كل بقاع العالم وعبر  كل العصور .. فهي في لوحات ساكنة متأملة تنتظر الخلاص والانعتاق ، وهي في لوحات تستعرض بهاءها في هدوء ، وهي في أخرى تبرز قوتها وهي تقاوم التضاريس الوعرة تتوق الوصول إلى القمم ، وهي في أخرى تتسابق من أجل إبراز جدارتها في مجال السرعة ،وهي في لوحات أخرى تتكامل جماليا مع بيئة مفعمة بالزهور والورود والمياه العذبة…

وفي كلِّ تجدها تعبر بعمق عن لحظات خاصة تجعل المشاهد مستمالا إليها…

إنها الخيل بوابة مفتوحة تجاه أخيلتنا التي لا حدود لها مما يجعلها مفردة فريدة و ممتعة بمظهرها وحمولتها الرمزية والجمالية.

 

 

 

* كاتب من المغرب

تصويت

ادعمنا بتعليق

%d مدونون معجبون بهذه: