الرئيسية / دراسات / البعد الجمالي في ديوان إدريس زايدي (وجع النخيل) محمد داني

البعد الجمالي في ديوان إدريس زايدي (وجع النخيل) محمد داني

البعد الجمالي في ديوان إدريس زايدي(وجع النخيل)

لقد تجاوزت القصيدة الحداثية القيم الجمالية التقليدية،وابتدعت أخرى مواكبة لمتغيرات العصر وثقافته،فأصبح التعبير بالصورة وتوظيف القناع والرمز والسرد،والقصة والحكاية الشعبية،والتعدد اللغوي،والحوارية…أدوات جمالية جديدة تسم القصيدة الحداثية.وأصبحت القصيدة”تمثل مختلف الدلالات والإيحاءات والإشارات،وصب ذلك كله داخل الحادثة المعاصرة عن طريق التشابك والتداخل الذي يخلق التشكيل اللغوي والتركيب البنائي،وبهذا التشكيل يتخلق البناء اللغوي للقصيدة الجديدة” .
ونجد الشاعر إدريس زايدي في ديوانه الجديد(وجع النخيل)يوظف الموروث الصوفي،أو التراث الصوفي كمصدر ثري،للتعبير عن قضاياه الإنسانية،والمجتمعية.كما اتجذ هذا الموروث الصوفي أداة لنقل المشاعر المصاحبة للموقف وتحديد أبعاده النفسية .
يا بعض النور
أرح شطحاتي
بين سمائي والأرض
شجرات تكبر في الظل
وعلى صدر الكلمات تموت
فيسقط لون
ينتشر القزح الأبهى
لا أمسكه
وأنا بين المدين علامة
أعرج للمنتهى
قبسا يهدي
نحو الله
إنه يستعين بالنداء لإبلاغ طلبه ورجائه إلى النور.فقد تعلق شطحه بين السماء والأرض،وأصبح منزلة بين المنزلتين.وفي انتظار ذلك كانت الكلمات مقبرة،أو مكانا لموت كل الشجرات التي أعتقها الظل.وعند موت كل شجرة يسقط اللون الذي هو نوع من الخلاص،نوع من الفرحة العارمة التي تحول فيها اللون إلى قوس قزح.إنها لحظة ولادة جديدة..لحظة انفتاح من المفرد إلى المتعدد.
وتتجلى استفادة الشاعر إدريس زايدي من التراث الصوفي، في الإسقاطات التي وقعها بين كلمات قصائده المعبرة عن قضايا ومواقف وكلمات التراث الصوفي..وهذا يجعلنا عند التلقي أمام جو من الرجاء والتوسل والمناشدة والطلب والحزن،تعكسه لغة القصيدة..
هل يكفي أن أسترجع سيدة الإشراق
تذكرني ان الكلمات نقوش
تعرفني حين اعتنق الساقي مشكاة العشق
وجلَّى نورا في غسق الأنفاق
فيمكن أن يكون الاستفهام الافتتاح المحفز للمتلقي على مشاركة الشاعر هذا العشق الإشراقي،ليصبح العشق منادمة كأس أبدية،يشع منها الضوء والسكون واليقظة.
يا بعض النور
أرح شطحاتي
بين سمائي والأرض
فتدلل بين رؤاي
وبين الساقية الأوراق
تنادمني كأسا
لا يشربها حرف الأمداء
فأبقي للساقي أمر الجمرات
وخمر سكون الشوق كما أنبئت
وللتراث المستخدم تأثيره على لغة القصيدة حين استخدم الشاعر إدريس زايدي كلمات تراثية مثل:(دم كذب- تآمروا جميعا- باعوا دمي- قد القميص في الجب- يكتال كيل بعير- داهمني الموت في جوف الملح…)..فاستخدام الشاعر إدريس زايدي ل(دم كذب- قد القميص- الجب- تآمروا جميعا) ،تبين لنا محنة يوسف عليه السلام،والحقيقة التي أمره والده سيدنا يعقوب عليه السلام إخفاءها عن إخوته.وكيف استغل الإخوة طيبة أبيهم،واتبعوا حسدهم وهواهم،وتخلصوا من يوسف بالتآمر عليه ورميه في الجب.
كما أن كلمة(قد القميص) ترتبط بالمحنة الثانية التي عاناها يوسف عليه السلام،وهو في حمى امرأة العزيز،إنها محنة العشق،الذي دفع بهذه المرأة ذات النفوذ أن تراوده عن نفسه،لكنه استعصم..
كما ان الجملة القرآنية(يكتال كيل بعير) كتناص قرآني ،تبين تبعات الحلم الفرعوني،والتمكن الذي مكنه الله ليوسف وأصبح مسؤولا عن المؤونة وخزائن مصر..كما ان (الحوت) يذكرنا بمحنة سيدنا يونس وقصته مع اصحاب السفينة ، ومع الحوت..وهذه التناصات كلها التي وظفها بفنية إدريس زايدي في قصيدته تبين دلالة يتغياها الشاعر وهي ان الدنيا لا تخلو من يوسف وإخوته،ولا تخلو-أيضا- من إغراء وسوء..
– التراث التاريخي:
وظف إدريس زايدي بعض الأحداث التاريخية،واستحضر بعض شخصياتها التي لها دلالتها وإيحائيتها وتأويلاتها.ففي قصيدة (مساءات عربي)،نجد استحضارا لشخصية مغربية بربرية،هي شخصية (طارق بن زياد)…
وهذا الذي تقدم للبحر خطوتين وصاح
في وجه الرياح
يا رياحْ….
لا فرق بين الأرض والماء
الأرض عدو
والماء عدو
طارق يعبر أحزاني بالإحراق
ويمضي بلا سفن
بألوية الشهداء
ففي هذا المقطع الشعري نجد استحضارا للتاريخ من خلال شخصية تاريخية هي طارق بن زياد.ومن خلاله نستحضر المجد العربي ومساهمة المغاربة فيه.ونقف إلى كيفية دخول العرب إلى أوربا وفتح الأندلس.
ومن خلال هذا الحدث التاريخي نقف إلى المقارنة بين الامس واليوم.بين الزمن الماضي والزمن الحاضر.ففي الماضي كان تجاوز الصخرة لاكتشاف أوربا ونشر الإسلام فيها ،وبناء حضارة عربية إسلامية اندلسية،حتميا..فكان زمن القوة والحضارة.اليوم أو الحاضر العكس..الآية أصبحت مقلوبة..وما نشاهده اليوم من تفسخ،وانحلال،وضعف،وتخلف،يجعلنا نبكي الماضي..وما نراه اليوم كذلك من محاولات لشباب مندحر،مهزوم نفسيا واجتماعيا،يحاول الهجرة السرية للوصول إلى الإلدورادو الأوربي الذي يحلم به،يجعلنا نتمنى لو عاد هذا الماضي الجميل..
هذا أوان الشدائد أيتها الصخرة..
فاكتبي ما تشائين
لوجه تكلم في
كمثل الشراع يقص حكاية هول
على صهوة ابن زياد
ورائي بحر…
أمامي جوْر…
فأين أقيم إذا عبرت؟
ففي هذا المقطع الشعري نقف إلى الحدث التاريخي،يوم فتح الاندلس،حيث حرق السفن وخطب في الجند خطبته الشهيرة.فلم يبق أمام الجند إلا الفتح أو الشهادة.لكن اليوم مئات المهاجرين السريين يرمون بحياتهم في البحر للوصول إلى العدوة الاخرى بحثا عن فرصة حياة أفضل وأحسن.لكن السؤال الذي وظفه الشاعر(فأين أقيم إذا عبرت؟)يحمل كل معاناة الدنيا،ويختصر المحنة التي تنتظر هذا المهاجر السري..(أين أقيم إذا عبرت؟)،لأنه لم يكن يتوقع ما ينتظره على الضفة الأخرى،من مطاردة واعتقال،وعنصرية إن كتب له النجاح في الوصول إلى الضفة الأخرى.
ومن الشخصيات التاريخية التي وظفها الشاعر في شعره،شخصية شهرزاد،في قوله:
أتملى صاحبي النائم
انتظر بدايات حلمي الساهم
كلما صاغت شهرزاد تفاصيل الحلْم
يحمله الصبح على عري الندى
وعندما نسمع شهرزاد نستحضر الليالي،وحكايات ألف ليلة وليلة،وقصتها مع شهريار،الملك الجائر،والسفاح الذي قرر انتقاما لشرفه الزواج كل ليلة بفتاة وقتلها في الصباح..
لكن الوجه الأسود من استحضار هذا الاسم هو استلذاذ العربي للحكاية والسمر،وإهمال البحث والمثابرة،والعمل،والإغراق في النوم والحلم والجنس،والمتع…
– التراث الأسطوري:
وظف شعراء الحداثة الأسطورة في شعرهم،وضمنوه شخصيات أسطورية،وعملوا على استحضار مضمونها ودلالتها الأسطورية..وجعلوها من مكونات تجربتهم الشعرية،”واستخدام الأسطورة في الشعر الحديث هو استخدام لرمز يخضع لمقاييس محددة شأنه في هذا شأن سائر الوسائل الفنية الأخرى التي استخدمتها القصيدة مثل الصور،أو الرموز غير الأسطورية أو التضمينات بأسلوبها الحديث” .
وإدريس زايدي كشاعر مغربي،هو شاهد على عصره،ومعبر عن قضايا وطنه،وهمومه.وهو يخلق علاقة دائمة بين الحاضر والماضي عن طريق استلهام مواقفه الإنسانية والروحية.ولذا نجده يستحضر شخصية آخيل وبرسيس…
أراقص طيرا سجينا
يزقزق في قفص من حجر
وأنا احتسي نشوتي في الصورْ
دعاني الحبور
أتيت بصيحة آخيل حرا
فراودت برسيس سرا
ومن كحلها طفت في مدني
أرتدي ظلها في الجناح فطرت
في هذا المقطع الشعري،نجد استحضارا لشخصيتين أسطوريتين من شخصية الإليادة لهوميروس،وهما: آخيل وبرسيس..وهذا يجعلنا نستحضر حرب طروادة والتي كان لآخيل دور كبير فيها..ونعرف من خلال هذه الشخصية الإسبرطية،اليونانية نقطة ضعفه،والمتمثلة في كعبه الذي لم يغمر في مياه نهر سيتكس.فقد كانت أمه تمسك بكعبه وهي تغمره في هذه المياه عندما كان رضيعا،ليكون من الخالدين.وكان هذا الكعب سبب وفاته عندما رماه باريس بسهم اخترق وتر قدمه.
والشخصية الثانية هي:برسيس،ابنة ملك طروادة،التي اعتقلها رجال آخيل ،وقدموها له،فأحبها وأحبته.ومن خلال الشخصيتين نتعرف إلى سقوط طروادة بعد صمودها عشر سنوات،وحيلة الحصان الذي كان سببا في خرابها ودمارها..
وقد وظف الشاعر هاتين الشخصيتين الأسطوريتين ليعبر عن حالته النفسية،وما يتمتع به من بهجة نفس،وشعور بالانطلاق والحرية،تشبه الشعور الذي كان يشعر بهآ خيل من حرية وقوة،وإرادة،وحسن تصرف،وحرية في اتخاذ القرار.
– التراث الشعبي:
الادب الشعبي او الفولكلور يرادف عند بعض العلماء المعرفة الدارجة،وهي حصيلة ما تراكم من الخبرات والمعارف والممارسات عبر الأجيال.مما يعد من قبيل الثقافة الشعبية التقليدية.وهي تختلف عن المعرفة العلمية.وهكذا يمكن ان يقال:إن علم الفولكلور هو ذلك الفرع من فروع المعرفة الإنسانية الذي يهتم بجمع وتصنيف ودراسة المواد الفولكلورية بمنهج علمي لتفسير حياة الشعوب وثقافتها عبر العصور .
وقد وظف إدريس زايدي شخصية تراثية من ألف ليلة وليلة،وهي شخصية شهرزاد..التي تقبل الزواج من شهريار لتكون خلاصا لبنات جنسها من بطش شهريار،وجنونية قراره..فبدأت لياليها الرائعة التي حالت بين الملك وبين التهور والبطش بالنساء.
وشهرزاد في ألف ليلة وليلة،هي ابنة الوزير التي قبلت التحدي،في ان تعيش كجارية في قصر شهريار،تنتظر الموت بين كل ليلة وأخرى.ولكنها في الوقت نفسه كانت ذكية،وحكيمة،لأنها عرفت كيف تروض شهريار،وتكبح جماحه…
وشهرزاد تمثل أمرين نقيضين..الامة المغلوبة على أمرها،والمقهورة،والمتربص بها وتمثل الخوف أيضا،والإصرار والتحدي والمقاومة .
وقد اعتمد الشاعر إدريس زايدي السرد والوصف،كأنه يحكي حكاية من حكايات شهرزاد.ومن ثمة استخدم الخبب وهو يتناسب مع السمة السردية المهيمنة على القصيدة.
– توظيف التعبير الديني والقرآني:
وظف إدريس زايدي بعض التعابير الدينية التي من خلالها نستحضر بعض الآيات القرآنية التي شكلت نوعا من التناص القرآني..كما في قوله:
كل ليل يقول أيا ليتني
كنت مثل كمان جفا موقعه
……….
سأنشد سبحانك الله من كان وحيه في الكلمات
يحدث عن صحبه
كيف يمضي إليه المساء شريد الخطى
ويحدث تين الشهيد
وزيتونه في النشيد
وقوله أيضا:
سأزرع للناس حبا
فأبى الناس زرعي
زرعوا الحب فلم تمطر
قال الراوي:
ذروه في سنبله
وخذوا الكيل من زمني
وهكذا نجد هذه المقاطع تتضمن مجموعة من التناصات القرآنية،التي تدفعنا إلى استحضار السور التي تم الاقتباس منها كسورة يوسف،وسورة التين،وسورة الفجر.
كما نجد في شعره بعض الكلمات الدينية أو المقدسة،مثل:(توضأ- أشرح صدري- يا أيتها الصلوات- المعراج- نفل الصلاة- السجود- صلى- قابيل- النور- مشكاة…).
– المكونات الفنية والجمالية في شعره:
الجملة الشعرية تركيب يتكون من مجموعة من الانواع،تتنوع بحسب المسند والمسند إليه،وما يطرأ عليهما من تقديم وتأخير أو تعريف وتنكير.وتمتاز بانزياحها وإيقاعها،وموسيقاها ودلالتها .
والشعر لغة العرب وحال لسانهم وأساس اللغة الفنية.إنه تفجير الطاقة اللغوية.يساعدها الإيقاع فيشحن الدفقة الشعرية.ومن هنا يمكن القول بأن:”لغة الشعر هي لغة الوجود الشعري الذي يتحقق في اللغة انفعالا وصوتا وموسيقى،وفكرا” .
– الانزياح اللغوي:
إن الانزياح اللغوي في شعر إدريس زايدي جمالية تطبعه بطابعها.تخرج كلماته من اعتيادية المعجم،ومن اعتيادية اليومي.وهذا ما نلاحظه في جل قصائده بالمجموعة الشعرية(وجع النخيل).فنجده يقول في قصيدته(نافخ النظر)،ص:91:
الليل يطرد النجوم
يخلو المكان
والريح منتش تهادى في خفر
في يده ربابة من قصب
منخورة في شفة
من سالف العبر
بين الدوالي
نافخ يرعى النظرْ
يحلو الصغير
في المرايا أن يعود
حاملا أشواقه للنور
وقبل أن تستحمم الشمس بظل الفجر
كان النجم يمسح الغبار في المحيط
ففي هذا المقطع الشعري نجد بعض الانزياح اللغوية.كما في قوله(الليل يطرد النجوم)- الريح منتشى(- في يده رباب من قصب)-(يحلو الصفير في المرايا)-(تستحم الشمس بظل الفجر)-(النجم يمسح الغبار في المحيط)…وهذه الانزياحات هي التي تخرج اللغة من الاعتيادية إلى الشعرية،وبالتالي الغرض منها الرفع من حدة الدهشة،والتعجيب والتحبيب،والرفع من شدة الانفعال،وجمالية اللغة- أيضا- وفنيتها.وهذا كله يزيد المتلقي تأثرا وانفعالا،وبالتالي تصبح العلاقة ما بين القصيدة ولغتها والمتلقي،لغة تأثير وتفاعل وتأثر.
فعندما قال إدريس زايدي في (الليل يطرد النجوم)،خلق بذلك خرقا في اللغة العادية.فقد أصبح لليل كيان ووجود.وقام بفعل إنساني،فيه حركة وانفعالية.وبالتالي أخرج إدريس زايدي الليل من سكونيته إلى الحركة.
– الانزياح التركيبي من حيث التقديم والتأخير:
نجد إدريس زايدي في شعره يعتمد خرق التركيب اللغوي.إذ يعتمد التقديم والتأخير في مواضع الجملة.ومن ثمة تأتي مخالفة للجملة الاعتيادية.
فنجد يقدم العامل على المعمول..ويقدم الجار والمجرور على مكونات الجملة الأخرى كما في قوله:
تهب المحو خطا لبعض الخطى
في الرياض تداعبه زوبعهْ
حيث يقدم شبه الجملة(في الرياض) الدالة على المكان على الفعل(تداعب)،..أو تقديم المفعول به على الفاعل كما في قوله:
شاق ذا القلب نخل فما اوجعه
فيه عاشق يشتكي أدمعه
فهناك تقديم(ذا القلب)(المفعول به) على (نخل) الفاعل،وغير هذه الانزياحات كثير.وكل هذا وظفه الشاعر عن وعي،لأنه يعرف أنها تحقق له جمالية القصيدة،وتستقطب إليه متلقيا يضعه في حسبانه أثناء الكتابة،وبالتالي يصبح الانزياح عنده مرتبطا بجمالية التلقي وخصوصياته.
– جمالية الأسلوب:
يتضمن شعر إدريس زايدي مجموعة من الأساليب اللغوية التي شكلت فنية الشعر عنده.ومن هذه الأساليب نجد:
– النداء:فقد وظف إدريس زايدي أسلوب النداء في شعره،مستعملا أدوات في إقامة هذا الأسلوب.فنجد توظيف لخمس أدوات نداء هي:( أيا- يا- يا أيتها- أيها- يا أيها).وتكررت في المجموعة الشعرية 19 مرة.احتلت فيها (يا) المرتبة الاولى ب 12 تكرارا،محققة بذلك نسبة بلغت 63.15%..
– الاستفهام:كذلك وظف سي إدريس زايدي اسلوب الاستفهام معتمدا على مجموعة من أدوات الاستفهام،بلغت ثمان أداة هي:(هل- من – كيف- أين- كم- ماذا- أي- الهمزة).تكررت 40 مرة.وكانت هل هي الأولى ب 11 تكرارا،محققة نسبة 27.5%.
– الأمر والنهي:استعمل إدريس زايدي أسلوب الأمر وأسلوب النهي..فجاء الأمر في المجموعة الشعرية 63 مرة،والنهي ثلاث مرات.
– علامات الترقيم:وظف إدريس زايدي مجموعة من علامات الترقيم لما لها من أهمية في تحديد المعنى،وتحديد حدود الجملة الشعرية..وقد وظف 11 علامة ترقيم،وردت في المجموعة الشعرية 389 مرة،موزعة على الشكل التالي:(الفاصلة(،):186 مرة- النقطة(.):96مرة- نقط الاكتفاء(…):63- علامة الاستفهام:11 مرة- النقطتان(..):11مرة- نقطتا القول(:):8- القوسان(“”):7 مرات- نقط ما لا نهاية(….):3 مرات- العارضة(-):2- القوسان(()) و علامة التعجب مرة واحدة.
– اللون:إن المتتبع لشعر الأستاذ إدريس زايدي يلفت نظره توظيف اللون بكثرة،بكل اشتقاقه.وقد تكررت كلمة(لون) في المجموعة الشعرية(وجع النخيل) 18 مرة.بالإضافة إلى الكلمات اللونية أو الدالة على لون مثل (السواد- البياض- الدجى- الليل) وغيرها.ويرجع هذا التوظيف إلى تفضيل الجانب التصويري في شعره.ويرى الشاعر في اللون والألوان وسيلة توصل إلى أهدافه وغاياته.
– الإيقاع في شعره:
قصائد إدريس زايدي قصائد حداثية،ونحن نعرف أن القصيدة الحداثية تخلت عن البحر والعروض والقافية الموحدة.ومن هنا فقدت هذه القصيدة عنصرا فعالا في تحقيق نغم موسيقي ثابت.
وهذا التخلي عن النمطية،دفع بالشاعر العربي الحداثي إلى البحث عن بديل إيقاعي وموسيقي.ومن ثمة لجأ الشاعر المحدث إلى الإيقاع اللغوي المحقق للموسيقى الداخلية للشعر،”ولم تعد القصيدة مجرد أبيات تتوالى بشكل موسيقي معين لتظهر مقدرة الشاعر،وإنما هي تجربة نابعة من الداخل تخرج إلى عالم الواقع لتمتزج به فيكون تجربة آلا ف البشر.والشاعر في هذا يحتاج إلى لون من الموسيقى التعبيرية تتناسب مع عمق تجربته” .
وتتجلى هذه الموسيقى المحدثة في الإيقاع،وهو” تماثل الوحدات الصوتية تماثلا جماليا ومنسقا.ويمكن من خلال بعث حيوية النص الشعري عبر المستويين:مستوى التشكيل الجمالي،ومستوى الرؤية الدلالية” .
والإيقاع عند إدريس زايدي يتجلى في :
1- التماثل في المقاطع المفتوحة والمغلقة.
2- التماثل في الجناس الصوتي.
3- التماثل في الحروف المهموسة والمجهورة.
4- التماثل في التفعيلة او الوحدة الإيقاعية.
وإذا أخذنا قصيدة(قفص) على سبيل المثال ،والتي يقول فيها:
1 أراقص طيرا سجينا
أ- را- ق- ص/ طيْ- رنْ/س- جي- ننْ
cv- cvc- cv- cv- cvc- cvc- cv- cvc-cvc
2 يزقزق في قفص من حجرْ
ي- زقْ-ز-ق/في/ق-ف-صن/من/ح- جرْ
cv-cvc- cv- cv- cvv- cv-cv-cvc- cvc- cv- cvc
3 وأنا أحتسي نشوتي في الصورْ
و- أ- نا/أحْ-ت-سي/نشْ-و- تي/فلْ
cv- cv- cvv- cvc-cv-cvv-cvc-cv-cvv-cvc- cv- cvc
هكذا تسير القصيدة إلى نهايتها،حيث نجد المقاطع متنوعة ما بين مفتوحة ومغلوقة،من حيث الطول والقصر..ومن ثمة فهي تلعب دورا مهما في تشكيل الإيقاع اللغوي،وبالتالي في تشكيل الرؤية الشعرية.وهذا يتضح في الجدول التالي:
اسم القصيدة السطر الشعري cv cvv cvc
قفص 1 4 2 2
2 7 1 3
3 5 3 3
4 2 2 1
5 7 2 3
6 4 2 3
7 5 3 3
8 6 3 4
9 4 —– 1
10 4 2 1
11 5 1 2
12 3 1 4
المجموع 12 56 22 30

ومن خلال الجدول نتبين أن هناك علاقة ما بين المقاطع المغلقة والمقاطع المفتوحة.فحين تكثر المقاطع المغلقة نفهم ان المعنى ينحو نحو السكونية.
وإذا ما نظرنا السطر الشعري الأول،نجد أن المقطع المغلق cvcتكرر مرتين.في حين أن المقطع المفتوح cv تكرر أربع مرات.ولما جاءت المقاطع المفتوحة أكثر من المغلقة،جاء المعنى في النص الشعري أقرب إلى الحركة والديناميكية.فكلمة(أراقص) تحمل من الحركة الكثير،وتعبر عن دوافع واصطخابات نفسية وجسمية.ومن خلال المقاطع المفتوحة بالقصيدة كلها والتي مجموعها 56،يتبين الشعور السائد في القصيدة،وما تغمرها من حركة وشعور بالفرحة والانتعاش.فالحرية التي وهبها الشاعر لعصفوره السجين في القفص،تبعتها فرحة برؤية:فرحة العصفور بحربته،يمثلها هذا العدد من المقاطع المفتوحة.وهكذا يمتاز النص بالديناميكية والحركية التي تتناسب مع الحالة الشعورية والنفسية عند الشاعر.كما أن تنوع المقاطع في السطر الشعري الواحد،يخلق إيقاعية ودلالة داخل القصيدة..”فللأبيات الشعرية جو كما للوحة الفنية،ولنغمها معنى خاص كما للقطعة الموسيقية” .
رغم إيقاعية المقاطع الصوتية،فإن إدريس زايدي اعتمد على الخبب في نسج موسيقاه الشعرية،حيث نوع فيها ما بين تفعيلة المتقارب وتفعيلة المتدارك.
وفي المجموعة الشعرية (وجع النخيل)ننجد 31 قصيدة. اثنتان منها عموديتان، وهما: (حساء)و(شوق).وقد اعتمد فيهما الوزن العروضي بتوظيف بحر البسيط.كما في قصيدة (شوق)،والتي يقول فيها:
ما أروع الحب حين الشوق يزرعه
/0 /0// 0 /0/ / 0 / 0/0/ /0 ///0
مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن
بين الجوانح وقدا هاج مجمعه
/0/ 0//0// /0/0 /0/ /0///0
مستفعلن فعلن مستفعلن فعلن
لولاه ما عرف الألوان منصرف
/0/0//0 /// 0/0/0/ /0///0
مستفعلن فعلن مستفعلن فعلن
عن الهوى أو أتاه الوحي يوجعه
//0//0 /0 //0/ 0/0/ /0///0
مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن
وتوظيف المتدارك التام كما في قصيدة (حساء):
شاق ذا القلب نخل فما اوجعه
/0//00/0/ /0/0 //0 /0//0
فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن
فيه عاشق يشتكي ادمعه
/0/0 /0//0 /0//0 /0//0
فعْلن فاعلن فاعلن فاعلن
كما اعتمد في موسيقاه- أيضا- على التجانس الصوتي وتوازناته باعتماد الجناس التام، والناقص،والمقطعي لإثارة الصورة الشعرية لدى المتلقي..”فقيمة الصوت إذن ليست قيمة مطلقة،وإنما هي مشروطة بانسجامه مع غيره من الأصوات الواردة في التركيب،ثم انسجامه مع الحالة الشعرية ومطابقته لها” ..
ففي قصيدته (شموخ)،والتي يقول فيها:
أمد يدي للشجرْ
ينحني للتراب
وتمتد أعراقه في إباء
لعاصفة أن تمرْ
وحين أعيد المواسم للزهرْ
تعود يدي للتراب
كفصل الربيع توضأ من نبضه
وأرخى اليمام أقاصيه
عزف الجمر شوقا
يباهي المطرْ
فنلحظ أن الوقفات الشعرية(شجرْ- تمرْ- زهرْ- المطرْ) تبين عن انتهاء الجملة الشعرية.واعتمد فيها على قافية الراء المقيدة.الشيء الذي خلق موسيقى وإيقاعا والذي لعب فيه الجناس المقطعي،والناقص دورا أساسيا في تحقيق الإيقاع وإغنائه.
كما لعب التكرار في القصائد دورا إيقاعيا ركز المعنى في الذهن،ونبه إليه.كما في قوله:
تذكرني من اكون
إذا الطين طين
إذا النخل يحضن شعري
إذا الشعر فيه ركوع صلاتي
أو قوله:
سأشرح صدري لمن جاء يجري
سأحمل لون دمي زيزفون اصفراري
سأرسم ريش فراشي
هكذا نرى أن الشاعر إدريس زايدي شاعر ينتمي إلى عصره.وظف كل الأساليب التي تمكنه من تشكيل الجمال والجمالية والإيقاع في شعره.وهذا نزع من الصنعة في شعره،تجعلنا نؤمن بأن إدريس زايدي شاعر مطبوع ،يعرف كيف يشد إليه متلقيه،ويدفع به إلى اللذة ومتعة القصيد..//..

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: