الرئيسية / قصص / نص حقيقي برواية محتملة حكومة المزامزة الجنوبية شعيب حليفي

نص حقيقي برواية محتملة حكومة المزامزة الجنوبية شعيب حليفي

 

نص حقيقي برواية محتملة

حكومة المزامزة الجنوبية
شعيب حليفي

من رحمته التي جعلت حياتنا مستمرة ولم تنكسر، نزول الأمطار هابطة من السماء تمنحنا لحظات فرح هارب، تبلل الأمل المتأرجح وقد خفَتَ نوره في زمن صعب، تتنوع مِحنه التي تُدمي القلب والروح.
بلاد المزامزة، قلب الشاوية وروح تامسنا وسر أسرار المغرب وخزائن التاريخ المنسي لعهود الأمازيغ والبورغواطيين والعرب، قبل أن تصبح، اليوم، حكاية معلقة على حافة الزمن. إنها ضمن الترتيبات الإدارية، واحدة من كبرى القبائل الرئيسة بالشاوية، كونها مركز سطات والعالم. تنقسم قبائلها إلى جنوبية وشمالية، فيما اختفت الشرقية والغربية داخل جيوب الغيب والقدر.
والمزامزة أيضا، في الحدود الجغرافية، محاطة غربا بقبائل أولاد سعيد وشرقا بقبائل امزاب وشمالا بقبائل أولاد احريز وجنوبا بقبائل أولاد سيدي بنداود وأولاد بوزيري .. وفوقها سماء ربنا وتحتها كنوز الدنيا وخزائنها.
– (قال لي صديقي شمس الدين، وكأنه يلومني) تترك كل الحرائق خلفك، وهي تملأ سماء الشرق والغرب وكأن شيئا لم يقع. لا يدهشك إلا ما يجري في بلاد المزامزة.
– ألم تكتب من قبل، في واحدة من مقالاتك، بأن بلاد المزامزة تُركتْ لقدرها تموت بلا شرف.. ونسيَ الناسون أنها رَوَت بدماء نسائها ورجالها، على مرّ قرون، هذه الأرض دفاعا عن الحياة الكريمة.
– ألم تكتب أيها الراوي يوما تلتمس من ملك البلاد الزيارة لتفقد البلاد والعباد وما جرى فيهما.
كتبتَ ما يلي أهل المزامزة ضاقوا بالحياة وباتوا يعدّون الأيام بحثا عن حكايات للتسلية في مواجهة انتظار ” مول البلاد” على حد تعبيرهم المجازي، لينقذهم مما هم فيه بعدما فاض اليأس المفرط على ما تبقى من آمالهم .. يأتي ليفتح ملفات الفساد ويُطهر المكان والزمان ويبدأ زمنا جديدا كان المولى إسماعيل العلوي قد انتبه، قبل حوالي ثلاثة قرون ونيف، حينما جعل القصبة علامة على النظام وبداية تاريخ جديد ..هو جسر الأمان والآمال .
– لماذا تأخر في المجيء كل هذه السنوات.. هل هو غاضب على الشاوية ورجال المزامزة ؟
– لا تيأس . سيأتي قريبا وتزول تلك السحب السوداء الثقيلة وتعود الشمس ساطعة في وجوه السطاتيين المزامزة.
– متى .. فقد نفذ الصبر.] حكاية دائرية !!
كان يوما صعبا من أيام سطات العجيبة، ولكنه ممتع ومقنع لي بأن ما خلفه السيد الجليل صالح بن طريف التامسني من صُحُف يتنبّأ فيها بما صار إليه حاضرنا… هو الحقيقة الضائعة، فقد بدّد وصاياه في النفوس والمياه الباطنية والغمام الذي يطل علينا.
يوم سبقته رياح شديدة، كانت تعضُّ على الأنجاد وتضربُ الأرض ومن عليها، علّها تقتلعُ هذا العبث من جذوره وترمي به بعيدا إلى بحر الظلمات. لذلك فإن الناس ببلاد المزامزة، جنوبها وشمالها، لا يخشون الرياح والأمطار، لأنهم أبناء الطوفان .. جاءت بهم سفينة قادها جدنا الأول الذي اختفى، كما نختفي اليوم الواحد تلو الآخر، جاءت واثقة من كبد الخيال الجريح في زمن سحيق مضى ولم يمض، ثم رَسَت على حافّة الزمن.. ورمانا ثم صعد إلى السماء منتظرا…
هُم اليوم، بلا شعور أو وعي ظاهر، يتهلفون هطول الأمطار بلا حدود، لعله يعودُ بسفينته من شاويته العليا والساحرة، فيحملنا إلى فجر الخيال الرشيق . في انتظار ذلك، يخرج نساء ورجال المزامزة ( مثل كل أهل الشاوية) تحت الأمطار لعلها تُطهّرُهم من الزمن الميت العالق ، مثل علقة متوحشة، على أكتافهم… كما يترقبون الرياح لعلها تذروا، بمذاريها اللامرئية، عنهم أحزانهم التاريخية وآلامهم النازفة.
ـ قال لي صاحبي وهو يتأمل ضجري: أنتَ ترسم صورة لا توجد إلا في خيالك. الواقع غير ما تعتقد.
ـ قلتُ له : الواقع يا صاحبي هو الجزء الأخف في حكايتنا ، وأنا لا أحمل الحكاية إلا من الجهة الغائبة. لا تستسلم لِما ترى.. واعْبـُر المرحلة كما تعبر جبلا لا منتهيا.
ألحّ عليّ صديقي إلحاحا غير مسبوق للمجيء عنده. وحينما أحس ببعض الفتور من جهتي، فأضاف بعض التهويل في كلامه معتبرا أن مجيئي سُنّة واجبة. لكنني اعتذرتُ، فلم يكن بُدّ من إخباري بأن لديه ضيفا يمتلك معلومات عن بلاد المزامزة.
كانت ساعة العصر باردة في مدينة لا تملك من حاضرها إلا خيالا قاعدا بارتباك فوق غروب يوم جمعة من شهر مارس، شهر الأخطار والأمطار. عجّلتُ بقضاء بعض مشاغلي ثم أغلقتُ هاتفي، وكان الغروب يزحف مثل شيخ عيساوي متجهم، أسمعُ جلجلة نهوضه لإغلاق أبواب نهار بات من الماضي. وصلتُ الضيعة الرابضة خلف الغابة، على ربوة عالية تعلو على الواقع. منقطعة عن العالم، تتأمل السماء بلا عُمد وهي تُبلل حياتنا.
دلفتُ الرياض، فلمحتُ صاحبي قاعدا مقرفصا، بجلبابه الأسود وسلهامه الأبيض الواسع، مُحاطا بوسائد كبيرة يتكئ عليها بمرفقيه، وغير بعيد عنه مجمر طيني كبير تزندُ منه نيران ثملة عن فحم يجاهد كي يتحول إلى رماد ، وفوقه مُقراج نحاسي، وبالقرب منه صينية بكل لوازمها.
دنوتُ من صاحبي وجلستُ بالقرب منه وهو يبتسمُ. شعرتُ أنه كذبَ عليّ، فقلتُ له:
ـ الكذب عندك وأنت في هذا الوضع، جعلك مثل عابد احترقَ إيمانه وصِدقه وقعَدَ ينتظر معجزة.
ظل يبتسم، ينظر إليّ حينا وإلى النار العاجزة عن الصعود إلى أعلى نقطة ممكنة وهي متماسكة في محاولاتها المتكررة.
وفجأة زمّ صاحبي فمه ملتفتا إلى دخول رجل في الأربعين أو أكثر، طويل القامة في حوالي المترين، يلبس جلبابا صوفيا قصيرا. شاحب يشبه علامة تعجب مديدة، شعر رأسه خفيف وأشيب ومشعت، أما وجهه فقد اتخذ شكل قامته الطويلة بحاجبين لهما كثافة ملفتة وعينان عسليتان تعلوهما دهشة تصبغ كلامه وحركاته.
سلّم علينا وجلس إلى جوارنا، فطلب منه صاحبي بأدب، حمل الصينية إلى الجهة الأخرى من الرياض ليتكفلوا هناك بإعداد الشاي وبعده العشاء، فقام الرجل راضيا وحينما اختفى عاد صاحبي إلى الضحك وقال لي:
ـ هذا الرجل هو من كلمتك في شأنه ، يدعى مرة الهبطي ومرة الحاج صالح ومرة سي مسعود وقد يسمي نفسه اليوم أمامك باسم جديد …جاءني قبل أربعة أيام يطلب العمل بالضيعة، فقبلته ليعمل مع باقي العاملين، لكني في نفس اليوم اكتشفتُ أنه رجل طيب ملئ بالأوهام. مجنون لا يؤذي أحدا، يتخيل ويحكي عن المزامزة والشاوية. لكنه خلال ساعات العمل أو وهو برفقة العمال الآخرين يكون عاقلا ومؤدبا.
حكى لي بأنه من دوار أولاد الهبطي وحفيد سيدي “امْسَمّر الطرحة”، الذي عاش عصر السلطان المولى إسماعيل في القرن السابع عشر، حيث يُروَى أنه كان عابدا بحوش فمرّت بجواره، وكان الليل قد حلّ، كتيبة من الفرسان تعبوا من حروب أفقدت خيلهم الصفائح مما جعلها تعرج، وكانوا مقبلين على معارك أخرى. توقفوا للمبيت، فدخل قائد الفرسان الحوش ونام وهو مهموم لأنه لم يجد حدادين لتدارك ما قد يُعجّل بهزيمته، وكان قد شكا الأمر للعابد المسمى حتى تلك اللحظة الشيخ الهبطي،صاحب الحوش، فابتسم ورفع يديه عاليا، اليمنى أعلى من اليسرى في شكل مائل وحركة من سيُسمّر صفيحة على حافر فرس، ثم ضرب المسمار ، وقال للقائد .. نم الآن، صباحا ستجد بقدرة القادر خيول الشاوية كلها بصفائح لن تبلى قبل مائة عام. وفي الصباح هلل المهللون وكبّروا… سيدي امسمّر الطرحة وليّ من أولياء الزمان.
قال لي صاحبي: إني أتركه عندي من أجلك فقط، لا أعرف من أين جاء بكل ما يروي.
دخل حفيد الشيخ الهبطي يحمل الصينية وهو شارد يتمتم في صمت. جلس وشرع يملأ أكواب الشاي. فيما لجأ صاحبي إلى تقنية إشعال فتيل الحكاية وهو يقول له:
ـ كنتَ تريد رجلا مهما من الرباط لتحكي له ما تعرف وما تريد أن تفعله. هذا صديقي جاء ليسمع إليك.
التفت نحوي وصوت شرب الشاي من فمه يخلف رنينا مسموعا. نظر إليّ متمعنا، ثم غض البصر قليلا قبل أن يحقق النظر في وجهي طويلا.
بقيتُ صامتا في تواطؤ مع المشهد، وتأكدتُ أني لن أحتاج إلى نار المجمر لأدفأ بها، فقد كانت حكاية حفيد الشيخ الهبطي كافية .
قال: أريد سيدي أن أقدم لك نفسي، اسمي لخضر.
قاطعه صاحبي: لكنك قلت لي في اليوم الأول أنك الهبطي ثم صالح والبارحة قلتَ لي بأنك الحاج مسعود.. سمّ نفسك باسم واحد.
لم يبد عليه الغضب أو الارتباك وإنما ابتسم ابتسامة ساحرة وقال له بثقة:
قال: هل تعتقد فعلا أنك سيدي ومشغّلي؟إنك لم تعد تنصتُ جيدا إلى قلبك. ألم أقل لك يا سيدي إنك لن تستطيع معي صبرا. العجلة وسوء الظن هما الداء القاتل.
سأخبرك حتى يطمئن قلبك ويهدأ عقلك. لستُ معجزة.. ولا وهْما.الله خلقني أعيش في كل العصور باسم وحياة متواصلة. في كل زمن أولد فلا أفقه لنفسي أني كنتُ في الزمن الذي قبله إلا حينما أبلغ الأربعين. الذاكرة السابقة تلتقي بذاكراتي في هذا السن.
( كأنما أنهى كلامه مع صاحي ، فالتفتَ نحوي) سيدي،اسمي لخضر السرحاني حيما أرسلني، قبل قرون، سي الطاهر قائدي وقائد فرسان الشاوية إلى مراكش، ناحية أمزميز، للتفاوض مع أصدقاء لنا كنا ساعدناهم قبل سنوات في معركة فاصلة بأرضهم ضد قبائل شرقية كانت تبغي الاستيلاء على مزارعهم. كنا لحظتئذ في حاجة إلى كتيبة من أربعمائة فارس للحسم في معارك الشرف بهذه الأرض التي نحن عليها. لم يكن لنا متسع في القلب والعقل لكي نفهم أننا أبناء نفس واحدة يمكن أن تتذاكر وتتحدث كما تختلف بدون أن نقتل أو ننفي بعضنا البعض. نحن يا سيدي أبناء أرض تامسنا العظيمة التي نجتمع فوق ترابها وتحته.
أنا لخضر السرحاني الذي قاد كتيبة الأربعمائة فارس من أمزميز إلى حطة الزطاطة، وحاربوا معنا وانتصرنا. خيّرهم سيدي الطاهر بالبقاء أو الذهاب، فبقي أغلبهم وأقطعهم هذه الأرض التي سُميت المزامزة، وتزوجوا من بنات الزطاطة واستقروا وصرنا أبناء تامسنا بعدما اختلطت دماؤنا في الأرض والحياة.
اليوم، اسمي الآن وفي هذا الزمن العياشي. وجدتكم، سيدي الرباطي، قد أخذتم وقسمتم البلاد التي حررتها.
قال له صاحبي: وماذا تريد الآن؟
قال دون أن ينظر إلينا: أريد استعادة حكمي على بلاد المزامزة.
قلت له: الجنوبية أم الشمالية؟
قال: أعرف.. فأنا ابن هذا العصر. سأقبل ، بلا حرب، بالجنوبية. وأعقد صُلحا شاملا ودائما مع المزامزة الشمالية وكل القبائل الأخرى.
قال له صاحبي: ولكنك وحيد وغريب وتعمل عندي.
تبسم وقال له: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا. أتعني أني أعمل راعي أغنام عندك؟ تلك حكمة لا تُؤتى لبشر مثلي ومثلك.
قلتُ له: أنت الآن ، من تكون؟
قال لي بدون تردد أو تفكير: أنا أنتَ.
ارتبكتُ وتركته يواصل حكاياته العجيبة، راويا كيف عاش مع حُكام الشاوية والمزامزة، منذ علي الشاوي الذي حكم أربعة عقود، أرسي خلالها العدل والنعيم قبل أن تغتاله فلول الظلم والظلام. ثم مع حكام لن يكون لهم ذكر أو أثر في الأرض أو السماء، ففسدت النفوس وضاعت الحياة. روى عن القياد الجابري ومحمد بن حدو ومحمد بن أحمد والغازي بن المدني والمدني بن المدني والبهلول بن البهلول وأحمد بن عزوز والشافعي والكبير بن المدني والمعطي وعلي ابنه….
روى عن بطون المزامزة الثمانية، وعن أولاد عروس وأولاد ايدر وما بينهما من فخدات ودواوير وحطّات، وكيف عاش في ظل هؤلاء الحكّام مُطاردا لأنه كان يطلب العدل والحق.
بدا عليه بعض التعب. فتوقف قليلا ثم قال:
اليوم أنا ابن زمني. أريد العون لتشكيل حكومة المزامزة الجنوبية، وسأجعل لي مجلسا من سبعة رجال يساعدهم تسعة عشر رجلا يراقبون لي:
أولاد حمدون ولحفاية (لحفاية والسلاويين وأولاد حمدون).
زواغة (أولاد سليمان،المكرط، بير باعوش وعويسات واللبنة، هراوة، جوالة).
أولاد المسناوي، أولاد بن السبع (المناصرة أولاد عروس والدراركة والزاوية النزاغية).
الشرفا(عين علي مومن ودوار الشرفا ونخيلات ودوار لكرات).
العراعير أولاد عزوز (أولاد شعيب، أولاد بن علي، أولاد عبو، لغلامات ورواونة، أولاد صالح، أهل الزاوية، البسيطات،الرزيقات، الشلوح والعبايسة، بداوة، أولاد لكبير،أولاد عزوز).
أولاد اعروس (الشرفا أولاد عياد، عسيين، أولاد مطاع. ولقدامرة وأولاد يحي وموالين التيرس).
اولاد المعروفي، أولاد موسى، أولاد العياسي، أولاد المنصر.
أخرج من جيبه ورقة عليها الأسماء التي اقترحها، سلمها لي ملتمسا موافقة الرباط عليها. تململتُ وهممتُ بالنهوض وقلتُ لصاحبي بأني راحل لارتباطي باكرا بعمل وسفر. فأشار عليّ برأسه وكأنه فَقَدَ النطق وهو دافئ في جلسته تلك.
انتبه العياشي إلى الأمر فقام مؤدبا ومستأذنا، وكأنما عاد من إبحاره العجيب إلى برّ الشاوية وقال لنا بصوت عاقل ومشوب بخجل غير متصنع:
-اعذراني، لعلني آنستكم بحكاياتي. لا تصدقوا كل ما رويته.إنها بليّة من الله.
ثم انصرف سريعا بعدما أشار إليه صاحبي برأسه. خرجتُ وراءه فوجدته قد اختفى أو ذاب بين ظلام الليل وزخات المطر.
قال الزمن..
إن الحكاية في نفوس أهل المزامزة والشاوية هي روح خفية أشبه باليقين، لا إثم فيها ولا فجور.

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: