الرئيسية / كتابنا / زياد صلاح / قراءة في كتاب ” الخيال الشعري عند العرب ” للشابّي – بقلم الناقد زياد صلاح

قراءة في كتاب ” الخيال الشعري عند العرب ” للشابّي – بقلم الناقد زياد صلاح

” لقد أصبحنا نتطلّبُ حياةً قويةً مشرقةً ملؤها العزمُ والشباب، ومن يتطلب
الحياة فليعبد غدَه الذي في قلب الحياة … أما من يعبدُ أمسه وينسى غدَه فهو
من أبناء الموت وأنضاءِ القبور الساخرة ”
هكذا يفتتح ” أبو القاسم الشابي” كتابه الذي كان في الأصل، وكما سمّاه هو من قبل ، “مسامرة”، كان قد ألقاها في ” قاعة الخلدونية ” بتونس، قبل عقودٍ طويلة.
كنت هناك ، أجل كنت أجلس في تلك القاعة، كائناً متخيلاً ، يستمعُ بأثرٍ استباقيّ، وينتظرُ أن يوجدَ يوماً حتى يمكنه أن يتحدّث عن ذلك ، وهكذا كان، وإلا ، فما الذي أفعله الآن ؟!

تعالوا لنرى ، كيف يرى الشابي الخيال .. !!
إنه يَبسُط ذلك أمام القارىء في نقاط محددة :
النقطة الأولى : هي أن الخيال ضروري للإنسان لا بد منه ولا غُنيَة عنه.
النقطة الثانية : هي أن الإنسان الأول حينما كان يستعمل الخيال في جمله وتراكيبه، لم يكن يفهم منه هاته المعاني الثانوية التي نفهمها منه نحن ونسميها ( المجاز ).
النقطة الثالثة : هي أن الخيال ينقسم إلى قسمين : قسم اتخذه الإنسان ليتفهّم به مظاهرَ الكون وتعابيرَ الحياة، وقسم اتخذه لإظهار ما في نفسه من معنىً لا يفصحُ عنه الكلامُ المألوف.

أنتم تعرفون بأن الخيال لا يملك إلا أن يكون بعيد المنال، فهو في الأصل، قائمٌ على مبدأ الاستحالة ، وتلك هي الخصيصة التي لا يكون له “حضورٌ” فينا ، إلا بها.
وصفوة القول – كما ورد في كلام الشابي – أن الإنسان مضطرٌ إلى الخيال بطبعه، محتاجٌ إليه بغريزته ؛ لأن منه غذاءَ روحهِ وقلبهِ ولسانهِ وعقله.

وهو لم يزل بحاجةٍ إلى الخيال لأنه وإن أصبح يحتكمُ إلى العقل، ويستطيعُ التعبيرَ عن خوالج نفسه ، فهو لم يزل يحتكمُ إلى الشعور ، وسيظلُّ كذلك ، لأنَّ الشعورَ هو العنصر الأول من عناصر النفس، واحتكامه إلى الشعور يدفعه ولا بد إلى استعمال الخيال ..

ثم يعود للتأكيد على أن اللغة لا يمكنها – بلا خيال – أن تنهض بالأعباء الثقيلة التي لا ينفكّ الإنسانُ يضعها على كاهلها.
وأنها ، أي اللغة البشرية ، تظلُّ قاصرةً، وهي بحاجةٍ إلى الخيال لكي يمدَّها بالحياة والقوة والشباب.
يمكنكم أن تعودوا خطوتين إلى الوراء ، دون أن تبرحوا أماكنكم ..
يَقسم ” ابو القاسم ” الخيال إلى قسمين :
قسم اتخذه الإنسان ليتفهّم به سرائرَ النفس وخفايا الوجود.
والقسم الثاني ، هو الخيال الشعري..

في حين يصف الأساطير القديمة – كمحرّضٍ أساسي للخيال، وموضوعٍ أول له – بأنها طفولة الشعر في طفولة الإنسان.
وتبعاً لذلك يشير ، إلى أن التاريخ لا يعرف من الأساطير العربية إلا الشيء اليسير.
ورأيه في ذلك الشيء اليسير، أنه يفتقر إلى وضاءةٍ الفن ، وإشراقِ الحياة.
وهو يستذكرُ الآلهةَ التي اتخذها العربُ قبل الإسلام، مشبهاً إياها بلعبِ الصبية ، وعرائسَ الأطفال.
ذلك أنه لم يجد ما يتّصلُ بها من أفكارٍ فلسفيةٍ عميقة، أو مشاعرَ إنسانيةٍ راقية.
ثم يستطردُ في القول :
.. وبقيةُ الأساطيرِ الدينيةِ لا تفصحُ عن فكرٍ عميقٍ أو شعورٍ دقيق ، ولا ترمزُ لمعنىً من المعاني السامية ، وإنما هي أدنى إلى الوهم منها إلى أيّ شيءٍ آخر ، لا أستثني من ذلك إلا ” أسطورةَ النجوم ” فإن عليها شيئاً من وضاءة الشعر ، ونضارة الخيال.
ويفسّرُ هذا الرأي، بالإشارة إلى أن العبادةَ الوثنيةَ عند العرب لم تكن بباعثٍ على “التشخص” الذي يخلع الإنسانُ به على الأشياءِ من حوله ثوبَ الحياة، بل كانت من بابِ “عبادة الأموات”، أو تقليد الأمم الأخرى.
لقد تحدّث عن عبادة الأموات، وفي ذهني ما يتصل بذلك من مأساةٍ تاريخيةٍ كبرى اسمها : “عبادة الذات ”
وكذلك كانت أساطيرُ العرب، وثنيةً جامدةً جافيةً لم تفقه الحقَّ ولا تذوَّقتْ لذّةَ الخيال، وأوهاماً معربدةً شاردةً لا تعرفُ الفكرَ ولا اشتملتْ على شيءٍ من فلسفة الحياة …

ويستأنف قائلاً :
أما أساطيرُ الأمم الأخرى، فقد كانت مشبعةً بالرّوح الشعريةِ الجميلة، زاخرةً بفلسفةِ الحياةِ الفنيةِ الراقصةِ في ظلّ الخيال …
فقد أخذ اليونانُ كثيراً من عقائدِهم وأساطيرَهم عن الآشوريين كما أخذ العربُ أنفسُهم، ولكنهم طبعوها بطابعِ حياتِهم الخاصة ، فكانت رشيقةً شعريةً ساحرةً أكثر مما كانت عليه عند الآشوريين. فهم أخذوا عن الآشوريين عبادة إلهة الحب والجمال : « عشتروت » كما أخذها العربُ عنهم، ولكنَّ العربَ عاملوها كما يعاملون أنصابَهم التي لا ترمزُ إلى فكرٍ ولا تمثّلُ عاطفة، فكانت صنماً حجريّاً جامداً تحجبه الكآبةُ الصماءُ والسكونُ الأليم.
بينما كانت آلهةُ اليونان وأساطيرُهم عنها : آراءَ شعريةً يتعانقُ فيها الفكرُ والخيال..

(( الخيال الشْعري والطبيعة في رأي الأدب العربي ))

إنه الجمالُ الخالدُ المعبودُ الذي أحسّ به أهلُ بابل فعبدوه في ( عشتروت ) وشعر به اليونان فقدّسوه في ( أفروديت ) واستفزّ قلوبَ الرومان فمجّدوه في ( فينيس ) وأقامت له الإنسانيةُ كلُّها معابدَ المجدِ في أعماقِ القلوب ..
والجمالُ ، هو الذي أنطقَ شعراءَ الوجودِ بتلك الأناشيد الخالدة ، المتغنيةِ بجلالِ الكونِ ومجدِ الحياة.

وإذًاً ، فماذا يمكنني أن أقول عن الأمة العربية إذا أخَذْتُ هذا القياسَ وطبّقتُه عليها ناظراً إلى الوسطِ الطبيعي الذي عاشت فيه، لا يمكنني أن أقول إلا أن شاعريَتها ستكون شبيهةً كلَّ الشبه بالوسط الطبيعي الذي نَمَتْ وتدرّجتْ فيه .
لقد عاشت الأمةُ العربيةُ في أرضٍ محرومةٍ من هذا الجمالِ الذي يستفزُّ المشاعرَ ويؤجّجُ الخيالَ ، لأنها قطعةٌ عاريةٌ قاحلةٌ لا يعترضُ العينَ فيها غيرُ الموامي المقفرةِ الموحشة ، والصحاري الضاميةِ المتراميةِ ، يخطفُ في حواشيها السراب ،،
والآن ، نريدُ أن نعرفَ كيف كانت الطبيعةُ في نظرِ الشعرِ العربي ، وهل كان لهاتِه النظرةِ من الخيالِ الشعريِّ حظٌّ وافرٌ أم لم يكن ، فأقول : أهم الأدوار التي ينقسم إليها الأدبُ العربيُّ أربعة :
الدور الجاهلي ، والدور الأموي ، والدور العباسي ، والدور الأندلسي.
وفي هاته الأدوارِ الأربعةِ سيكون بحثي عن الطبيعةِ وحظِّها من الخيالِ الشعري.
أما الدورُ الجاهليُّ والدورُ الأمويّ فقد كانا خاليين أو كالخاليين من هذا الشعرِ الذي يتغنّى بمحاسنِ الكون ومفاتنِ الوجود ويشبِّبُ بجمالِ الطبيعةِ وسحرِ الربيع.
أقولُ ؛ أو كالخالي لأننا نجد في شعر هذين العصرين شيئاً من ذلك ولكنه نادرٌ كلَّ الندور.

ثم يسوق هذا المثال من شعر الأعشى :
ما رَوْضَةٌ مِنْ رِياضِ الحَزْنِ مُعشبةٌ خَضرَاءُ جادَ عَلَيها مُسْبِلٌ هَطِلُ
يضاحكُ الشمسَ منها كوكبٌ شرقٌ مُؤزَّرٌ بِعَمِيمِ النّبْتِ مُكْتَهِلُ

أو كما يقول كثير عزة :
فما روضةٌ، زهراءُ، طيبةُ الثرى، يَمُجُّ النَّدى جثجاثَها، وعرارَها
بأطيبَ مِنْ أردانِ عزَّةَ موهناً إذا أُوقِدَتْ بالمندلِ الرَّطبِ نارَها

وهو يزعم أننا قد نجد شعراً في هذين العصرين يمثّلُ مظاهرَ الطبيعة ، ولكننا نقرؤه فلا نحسُّ فيه روحَ الشاعر الملتذّةَ المعجَبة ، ولا نسمعُ صوتاً من أصوات القلوب.
ويسوقُ عدّةَ أمثلةٍ من ذلك ، قبل أن يسائلنا :
أرأيتم كيف أنّ أدبَ هذين العصرين قد كان لا يَعرِضُ لوصفِ مناظرِ الطبيعة إلا إذا دعت إليها الضرورةُ دون أن يُسهبَ في الوصف ، ويشبعَ القولَ ، وكيف إذا تحدّث عن ظواهرِ الطبيعة أسهبَ في الوصف وأطال في البيان ؟!

كان “الشابي” مصاباً بمرضٍ مزمنٍ وخطير في القلب، لكن قلبه العليل، لم يَحُلْ دون إحساسه بالجمال.. بل على العكس من ذلك تماماً، فلقد ذهب بذلك الإحساس إلى أقصاه ..
وها هو يعود ليضع قوساً جديداً في محيط الدائرة ، دائرة الفكرة التي يتحدث عنها، فيقول:

وكذلك ظلَّ الأدبُ العربيُّ حتى أظلَّ العصرُ العباسيُّ حياةَ العرب، فكانت عاداتٌ وأخلاقٌ وأمزجةٌ وطباع، غير ما ألَف العربُ من طباعٍ وأمزجةٍ وأخلاق. وكان أن اصطبغت الحياةُ الإسلاميةُ بصبغةٍ قويةٍ مشتركةٍ من حضاراتٍ عتيدةٍ متباينة، تكونت منها حضارةٌ جديدةٌ مُهَلهْلَةٌ ناعمة، تجمعُ كلَّ ما عرف الفرسُ والرومُ والإسلام، من فكرٍ وطبعٍ ودين، فكان لهذا كلِّه أثرٌ غيرُ يسير على النزعة العربية الجافية. وكان أن أتقن اللغةَ العربيةَ كثيرٌ من الفرس والروم، ونظموا فيها الشعرَ بأمزجةٍ غير الأمزجةِ العربية وأذواقٍ غريبةٍ عن طبائع العرب، وكان أن سكن نبغاءُ شعراءِ العرب العواصمَ والمدنَ واستبدلوا بشظفِ العيشِ وعنُجِهيَّةِ البداوةِ غضارةَ الحضَر ورقةَ المدنيةِ المترفة، فعاشوا في أوساطٍ جميلةٍ لم تبخل عليها السماءُ بما بخلت به على الوسطِ الطبيعي الذي نشأ فيه أدبُ العصر الأموي والجاهلي قبله.

وفي هذا الوسط المترَف الذي تغيرَ فيه كلُّ شيء، شّبَّ ذلك الفنُ الطبيعي الوليد، الذي يَتَغنَّى بسحر الطبيعة في مختلف المظاهر وشتَّى الألوان، فأصبحنا نسمع من الأدب أصواتاً لم تألفها أسماعُنا من قبل فيها رقةٌ وعذوبة، وفيها طلاوةٌ وحلاوة .
أصبحنا نسمع أبا تمام يقول :
يا صاحِبَيَّ تَقصَّيا نَظرَيْكُمَا تريا وجوهَ الأرضِ كيفَ تصوّرُ
تريا نهاراً مشمساً قد شابهُ زهرُ الرّبا فكأنما هو مقمرُ
دنيا معاشٌ للورى حتى إذا جَلِيَ الربيعُ فإنما هيَ منظرُ
ونجد البحتري يقول :
أتاك الربيعُ الطّلقُ يختالُ ضاحكاً من الحسنِ حتى كاد أن يتكلّما
وقد نبّه النوروزُ في غَلَسِ الدُّجى أوائلَ وردٍ كنَّ بالأمسِ نوّما

ولكنّ هذا الفنَّ الوليدَ لم يكثر كثرةً مطلقةً في الأدب العباسي !
ولم يتفشَّ فيه كما تفشّى في الأدب الأندلسي.
وما ذاك – في رأي الشابي – إلا لأن الوسطَ الطبيعيَّ الذي نمَتْ فيه حياةُ الأدبِ العباسي لم يَكْن من الجمال والروعة كما كانت بلادُ الأندلس الجميلة.
أرأيتم ، لقد وضع “ضيفُنا ومضيفُنا” “الغائبُ الحاضر”، مجملَ أسباب هذه الظاهرة التي يتحدث عنها، دفعةً واحدةً، في سلّة الطبيعة.
ورغم ما تقدم، فهو يقدّمُ الأدبَ العباسي على الاندلسي في هذا السياق، معللاً ذلك ، بأن الأدب الأندلسي قد نشأ في عصرٍ توفرت فيه أسبابُ الحضارة توفراً منكراً .
فانغمست النفوسُ في حمأة الشهوات انغماساً أمات بها العواطفَ الهائجةَ ، وأخمد نوازي الشعور .
وللتمثيل على ما يسوقه من أفكارٍ وحجج؛ من جهة، وبغرض المقارنة؛ من جهةٍ أخرى، يقدّم لنا نموذجاً من أشعار ” ابن زيدون” :
إني ذكرتكِ بالزهراءِ مشتاقاً والأفقُ طلقٌ ، ووجهُ الأرضِ قد راقا
وللنسيمِ اعتلالٌ في أصائلهِ كأنّما رقَّ لي فاعتلَّ إشفاقا

ثم يمدُّ يدَ خياله ، ليعلّقَ جرسَ الجمالِ بسقفٍ منخفضٍ عن مستوى تطلعاته ، قائلاً :
وعلى هذه السنَّة التي رأيتموها يسعى الأدبُ الأندلسي كلُّه : ديباجةٌ غضّةٌ ناعمة ، وتعابيرُ عذبةٌ ناصعة، ووصفٌ دقيقٌ جميل، ولكن، ليس وراءَ ذلك عاطفةٌ حادّةٌ أو إحساسٌ عميق.

وبعد،، فإنه يتيح للمقارنة ، بين الخيال في الشعر العربي ، والخيال في الشعر الغربي، أن تتقدم لتسفر عن وجهها الآخر، فيقول:
الآن ، أريد أن أتلو على مسامعكم كلمتين ، لشاعرين من شعراء الغرب :
” لامرتين ” و ” جيتي ” ..
حتى تتبينوا الفرقَ بين الرنَّةِ العربيةِ الساذجةِ البسيطة ، وبين الرنّةِ الغربيةِ العميقةِ الداوية، وتعرفوا كيف ينظرُ الأدبُ الغربيُّ إلى الطبيعةِ بعد أن عرفتم نظرةَ الأدبِ العربيِّ إليها ، وتحكموا بأنفسكم على حظِّ نظرةِ أدبنا العربي من الخيالِ الشعريِّ العميق.
يقول ” لامرتين ” :
” إن الطبيعةَ أكبرُ قساوسةِ الله وأمهرُ مصوّريه .. وأقدرُ شعرائه وأبرعُ مغنّيه…”
ويقول “جيتي ” :
” آه كم تمنيتُ في ذلك الزمن أن أقطعَ أجوازَ الفضاء على جناحي ذلك الكُرْكيّ الذي يطيرُ فوق رأسي فأبلغَ ساحلَ ذلك البحر الأعظم الذي لمّا ينكشف سرّهُ للإنسان لأشربَ من اللانهاية كأساً دهاقًا تبسط القلوبَ وتنعشُ المشاعر !! ”

تلك كلمة ” لامرتين ” و” جيتي ” ، ولست بمستحلفكم مرةً أخرى أيَّ النظرتين إلى الطبيعة أعمق ؟ وهل عندنا في العربية مثلُ هاته الروحِ القويةِ الشاعرة ؟ ولكني أقول كلمتي، وهي أن النظرةَ العربيةَ إلى الطبيعةِ بسيطةٌ إزاءَ هذه مهما بلغت من العمق والشعور.

هكذا يصرّحُ ” أبو القاسم الشابي ” بهذه الأفكارِ والقناعاتِ الصارمةِ الصادمة، والتي تبدو راسخةً في ذهنه رسوخَ الجبال ..

(( الخيالُ الشعري والمرأة في رأي الأدب العربي ))

يقولُ الفلاسفةُ الأقدمون : ” إن النفس البشرية قد خُلِقت من عنصرِ الحسنِ وجُبِلت من فنِّ الجمال ”
بهذه المقولة، يمهّدُ ” الشابي ” لما سيُدلي به في هذا الفصل، قبل أن ينعطفَ إلى ذكرِ بني قومه قائلاً :
أما العرب ، فقد حُرِموا كما قلنا من قبل من هذا الجمالِ السماويِّ الذي يجدُ عندَه القلبُ لذّةَ الحسّ وسعادةَ الشعور، ولم يكن لديهم من مظاهرِ الجمال على اختلاف فنونه غيرُ فنٍّ واحدٍ هو : « المرأة »، ففي المرأة وحدها استطاعوا أن يجدوا ذلك الينبوعَ السحريَّ المتفجّرَ من قلب الحياة ..
وفي المرأة وحدها ظفروا بتلك الكأسِ الرويّةِ التي تُطفىء ظمأَ القلب إلى الحسنِ وغُلّةَ النفس إلى الجمال، فتغنّوا بمحاسنِ المرأة وشبَّبُوا بمفاتنها ما شاء لهم الشعرُ والعاطفة.
لأنّ الشاعرَ العربي ما كان يُبَوِئُ المرأةَ المنزلةَ الساميةَ وذلك المقامَ الجميلَ إلا ليتحدّثَ عن ملهاته الساحرة التي ألفى عندها متعةَ الجسد ومنهلَ الشهوات.. أو لكي يفاخرَ رفاقَه من أبناء البادية بأنه قديرٌ على تصبِّي قلوبَ النساء والعبثِ بهنَّ ليس غير …!
وقبل أن نتابع مع صاحبنا الملقب بشاعر الخضراء ، فإني اعتذر لكم سلفاً، بسبب العبارات القاسية التي سأوردها – على لسانه – للأمانة العلمية ، والدلالة على المنحى الذي يتخذه في هذا المساق، حيث يقول مستطرداً :
أجل، فإن نظرةَ الأدبِ العربي إلى المرأة نظرةٌ دنيئةٌ سافلةٌ منحطّةٌ إلى أقصى قرار ، لا تفهم من المرأة إلا أنها جسدٌ يُشتهى ومتعةٌ من متع العيش الدنيء … أما تلك النظرةُ الساميةُ التي يزدوج فيها الحبُ بالإجلال والشغفُ بالعبادة.. أما تلك النظرةُ الروحيةُ العميقةُ التي نجدها عند الشعراء الآريين فإنها منعدمةٌ بتاتاً أو كالمنعدمة في الأدب العربي كلِّه لا أستثني إلا الأندرَ الأقلَّ على الرغم من أن أكثرَه في المرأة.
وبواسطة اثبات الفكرة بنفي الأخرى التي تناقضها ، فإنه يعرض لما يلي :
لم يحاول الشاعرُ العربيّ أن يحسَّ بما وراء الجسد، من روحٍ جميلةٍ ساحرة، تحمل بن جنبيها سعادةَ الحبّ ومعنى الأمومة وهما أقدسُ ما في هذا الوجود، ولا بذلك القلبِ النقيّ الذي يزخرُ بأسمى عواطفِ الحياةِ وأشعارِها، وأجمل أحلام هذا العالم الكبير ، ولا شعر بما بين هاته الطبيعة الكبرى وبين المرأةِ من اتصالٍ وثيق، حتى كأنها قلبُها الإنساني، الذي يحملُ بسمةَ الفجر، ويأسَ الظلام .
وذلك ما لا يظفرُ به الباحثُ في الشعر العربي كلِّه، لا أستثني أحداً غيرَ “ابن الرومي” ومَن لفَّ لفّه وهو نفرٌ قليل .
وهو القائل :
ليت شعري إذا أدامَ إليها كَرَّةَ الطَّرْف مُبدىءٌ ومُعِيدُ
أهيَ شئٌ لاتسأمُ العينُ منه ؟ أمْ لها كلَّ ساعةٍ تجْديدُ
فالشاعر العربي في نظره، لا يتكلم عمّا وراءَ جسد المرأة من تلك المعاني السامية، ولكنه مجيدٌ كلَّ الإجادة إذا أراد أن يحدّثَ عن قدِّها الأهيف الممشوق وعن طرفها اللامع الوسنان وعن وجهها المتورّد المنضور .
هذه هي النظرة الشائعة في الأدب العربي كلِّه، والتي يتساوى فيها جميعُ شعراء العربية على اختلاف عصورهم، وتبايُنِ طبقاتهم، وتفاوتِ أوساطهم، سواءً في ذلك عفّهم وفاجرهم، وأوّلُهم وآخرهُم .. يقول.
وها أنتم ترون معي كيف يحكم على التجربة الشعرية العربية ، وما هو دافعه لهذا الحكم .
ثم يأتي على هذا البيت من أشعار المتنبي :
ومن خَبِرَ الغواني فالغواني ضياءٌ في بواطنهِ ظلام

ويتبعه ببيتٍ آخر ” لامرىء القيس ” :
وَيَا رُبَّ يَوْمٍ قَد لهَوْتُ وَلَيْلَةٍ بِآنِسَةٍ كَأنّهَا خَطُّ تِمْثَالِ

وعلى المنوال نفسه يقول ” البحتري ” :
قد أطرُقُ الغادَةَ الحْسنَاءَ مُقْتَدِراً على الشّبابِ، فتُصْبِيني ، وأَصْبِيها
في لَيْلَةٍ لا يَنَالُ الصّبحَ آخِرُهَا عَلِقْتُ بالرّاحِ أُسْقَاهَا وَأسْقِيهَا
وليس بمبعدةٍ عن ذلك يصدح الأعشى :
غَـرَّاءُ فَرْعَـاءُ مَصْقُـولٌ عَوَارِضُـهَا تَمشِي الهُوَينَا كَمَا يَمشِي الوَجي الوَجِلُ
كَـأَنَّ مِشْيَتَـهَا مِنْ بَيْـتِ جَارَتِهَـا مَرُّ السَّحَابَةِ ، لاَ رَيْـثٌ وَلاَ عَجَـلُ

فيما يشدو كعب بن زهير قائلاً :
وَما سُعادُ غَداةَ البَينِ إِذ رَحَلوا إِلّا أَغَنٌّ غَضيضُ الطَرفِ مَكحولُ
هَيفاءُ مُقبِلَةً عَجزاءُ مُدبِرَةً لا يُشتَكى قِصَرٌ مِنها وَلا طولُ
وعلى مثل هاته السنة يذهب النابغة، وعنترة، ولبيد، وعمرو بن كلثوم، وأوس بن حجر وزهير .. وغير هؤلاء من شعراء الجاهلية.
هذا ما ورد على لسان “الشابي” ، قبل أن يدرج مثالاً من شعر “عمر بن أبي ربيعة” :
ممكورةُ الساقِ ، مقصومٌ خلاخِلُها ، فمُشبَعٌ نَشِبٌ، منها، ومُنكَسِرُ
هَيْفاءُ لَفّاءُ مَصْقولٌ عَوَارِضُها تكادُ ، من ثقلِ الأردافِ، تنْبترُ
ولم يكن المجنون على غير ذلك بما قاله في ليلاه .

ثم يأتي على نماذج من أشعار “أبي نواس” ، فيبدو بأنه أكثرهم إخلاصاً لهذه السمات الشعرية الفاضحة والجارحة.
هنالك يدهمنا “الشابي” بالسؤال عن مكانة المرأة في الشعر العربي :
فهل رأيتم أيها السادة من تطوّرٍ بين العصر العباسي والعصرين قبله من حيثُ نظرِ الشعرِ إلى المرأة ومنزلتها منه رغماً عن الاختلاف الشديد بين المدنيّةِ والفكرِ والعوائدِ في هاته العصور الثلاثة ؟
ثم ينتقل إلى العصر الأندلسي ، مستشهداً بقول ” ابن خفاجة ” :
فتَقَ الشَبابُ بِوَجنَتَيها وَردَةً في فَرعِ إِسحِلَةٍ تَميدُ شَبابا
وَضَحَت سَوالِفُ جيدِها سوسانَةً وَتَوَرَّدَت أَطرافُها عُنّابا

وفي ختام هذا الفصل، يتوجه صاحبُ قصيدة ” إرادة الحياة ” الشهيرة إلينا ليسألنا مجدداً :
والآن ما رأيكم بعد كل هذا ؟ هل وجدتم بين من تلوتُ عليكم أشعارَهم – وهم من نوابغ الشعر وأبطاله – واحداً يعبد في محبوبته ذلك الجمالَ الروحيَّ المجسد، لا تلك المرأة التي تضمّ وتشمّ ثم تتصوّح وتذوي بين الأحضان الفانية كما يقول ” لامرتين “.
بهذه اللهجة الاستنكارية، يختم كلامه ، وينتقل مرفرفاً كالطائر الغريد، من شجرة هذه الفكرة، إلى شجرة فكرةٍ أخرى..

(( الخيال الشعري والقصّة في الأدب العربي ))

يستهلّ “الشابي” كلامه تحت هذا العنوان، بعدم إنكاره لوجود بعض التجارب الشعرية العربية التي اتخذت الطابع القَصَصي ، وكانت تتحلّى بخيالٍ عذبٍ ومشرق، وتضجُ بروح الحياة.
وهو يدلّلُ على ذلك بمثلين ساطعين في هذا المضمار، وهما : “أمرؤ القيس” و “عمر بن أبي ربيعة” .
فيختار من أشعار ” امرىء القيس ” على سبيل المثال :
وبَــيْـضَـةِ خِــدْرٍ لاَ يُــرَامُ خِــبَـاؤُهَــا تَـمَـتَّـعْـتُ مِـنْ لَـهْـوٍ بِـهَـا غَـيْرَ مُعْجَلِ
تَـجَـاوَزْتُ أحْـرَاسـاً إِلَـيْـهَـا وَمَـعْشَراً عَـلَّـي حِـرَاصـاً لَـوْ يُـسِـرُّوْنَ مَـقْـتَـلِي

والآن، إليكم بسؤاله التالي :
هل كان القَصَص العربي من ذلك النوع الذي يَنْقُدُ ويمحِّصُ ويَسْبُرُ ويحلّل ؟
والجواب عنده، أن القصَص العربيَّ لم يكن من هذا النوع وإنما كان أحدَ أنواعٍ ثلاثة :
إما قَصَصٌ يُقصَدُ به اللذّةَ والإمتاع ، وهو ما نجده في شعر ” ابن أبي ربيعة ” وأمثالِه من تلك الأحاديث الغرامية الغَزِلة.
وإما قَصَصٌ يُرادُ منه الحكمةَ، وضربُ المثل، وهو القَصَص الذي يمثّله كتاب «كليلة ودمنة» وما سار على نهجه.
وإما قَصَصٌ يُقصَدُ للنكتةِ الأدبيةِ والنادرةِ اللغوية ، وهو فنُ المقاماتِ الذي يحمل لواءَه البديعُ وأستاذُه، والحريريُّ ومن حذا حذوه.

وقبل أن يغادر هذا المربع الأدبي ، يقرّ “أبو القاسم” بلا مراوغة، بأن هذا القَصَص كان يفتقر إلى الخيال الشعري الذي نبحث عنه.

(( فكرة عامة عن الأدب العربي ))

دون أي مقدمات ، يحدد رائد مدرسة ” أبولو” موقفه الحاد والحاسم، من الأدب العربي، وهو يقول في ذلك بالنص :
أنه أدبٌ ماديٌّ لا سموَ فيه ولا إلهام ولا تَشوّفٌ إلى المستقبل ولا نظرٌ إلى صميمِ الأشياء ولبابِ الحقائق، وأنه كلمةٌ ساذجة، لا تعبّرُ عن معنىً عميقٍ بعيدِ القرار ، ولا تفصحُ عن فكرٍ يتّصل بأقصى ناحيةٍ من نواحي النفوس.
ويستأنفُ قائلاً – من باب الاستدراك – – وبحكمٍ موضوعي – :
على أنني حين أقول هذا الذي قد يراه بعضُ الناس خطيئةً لا تُغفر ، لا أنكرُ أنَّ الأدبَ العربيَّ قد أجاد أيَّما إجادةٍ فيما تخصّص فيه من وصفِ المظاهرِ الباديةِ وما بينها من تخالفٍ أو تآلفٍ أو تشابهٍ أو تنافُر، بل ربما فاق كثيراً عن الآداب الأخرى في هذا الصدد.
وكمن يقف على ما يشبه مفترقَ الطرقِ بين العصور ، يطلقُ هذه المقولةَ المدويّة :
فلا خيرَ في أمّةٍ عاريةٍ تكتم فقرها … ولا خيرَ في شعبٍ جائعٍ يُظهرُ الشّبع .
ومقصده في ذلك ، بأن علينا أن نتجاوز تلك المراحل السابقة التي كانت موائمةً لوقتها وظرفها، ولا نبقى محبوسين في الصورة القديمة للشعر العربي، أو أن نعتبره تراثاً منزّهاً غيرَ قابلٍ للتغيير ، أو أثراً مقدساً فوق مستوى النقد.

وبصيغةٍ تعتريها مسحةُ التحدّي، يستسأل الناسَ أن يدلّوه على شاعرٍ عربيٍّ ينفذُ بشعره إلى عمق الحياة، ويحاكي به جوهرَ الوجود ، ويسمو معه إلى أعلى مراتب الخلود .
هذا تعبيري عما فهمته مما قاله بهذا الصدد .
وفي السياق نفسه ، يعود من جديد، ليستشهد بمقاطع من أشعار “لامرتين” في الحب، والطبيعة، والمرأة ، والحياة، حتى يصل إلى ذات الله ..
وبعد أن ينكر على الشعراء العرب قدرَتَهم على الإتيان بمثل هذه الصور الشعرية البليغة، والمعبّرةِ عن روحِ الحياة، يصفُ قراءَته المعمّقةَ لهذا النوع من الشعر قائلاً :
وهكذا فجّر الحبُّ في قلبي ينابيعَ الغبطة.. وأيقظ في نفسي راقدَ العواطف.. وجلّى لعينيَّ مسارحَ الخلود .. !!
ثم يتحدّثُ عمّا يمكن تشبيهُهُ في نظري، بفوضى الأفكار عند الشاعر العربي، والتي تتبدّى في طريقة تناوله لها خلال القصيدة.. في مقابل الفكر المنظّم والمتّسق عند الشاعر الغربي، والذي يتّسم بالنظرة الشعرّية التحليلية العميقة.
(( الروح العربية ))

طبيعتُها الخاصةُ والعواملُ التي كَّونَت فيها ذلك الطبع. والمؤثراتُ التي عملتْ على إبقائه في مختلف العصور.
هكذا يفتتح شاعرُنا الرومانسي الحالم، هذا الفصل ، ولكن، لا تتعجلوا ، فثمّة جرعةٌ نقديّةٌ أخرى مرّةٌ في طريقها إلى العقولِ المستفَزَّةِ ، والقلوبِ الحائرة ..
فالطائر التونسي الحر، كما يصفونه، والذي يقول عن والده : ” إنه أفهمني معاني الرحمة والحنان ، وعلّمني أنّ الحقَّ خيرُ ما في هذا العالم ، وأقدسُ ما في هذا الوجود ” .. هو ذاته الذي يخاطبنا في كتابه الذي بين أيدينا قائلاً :
لقد علمتم من كلماتنا السابقة، أن كلّ ما أنتجه الذهنُ العربيُّ في مختلف عصوره، قد كان على وتيرةٍ واحدة، ليس له من الخيال الشعريّ حظٌّ ولا نصيب، وأنَّ الروحَ السائدةَ في ذلك هي النظرةُ القصريّةُ الساذجةُ التي لا تنفذُ إلى جواهرِ الأشياءِ وصميمِ الحقائق، وإنما همّها أن تنصرفَ إلى الشكلِ ، والوضعِ ، واللونِ ، والقالبِ ، أو ما هو إلى ظواهرِ الأشياء أدنى من دخائلها .
أما الذي يهمّني الآن ، بعد أن علمتم أنّ كلَّ ما أنتجه العقلُ العربي كان مطبوعاً على غرارٍ واحدٍ ومصطبغاً بصبغةٍ واحدة، فهو أن نعرفَ طبعَ الروحِ العربيةِ التي صقلَت منتجاتِها هذا الصّقال.
وإذن ، فما هذه الروحُ ، وما هو طبعُها الخاص ؟؟
الروحُ العربيةُ خطابيّةٌ مشتعلة، لا تعرفُ الأناةَ في الفكرِ فضلاً عن الاستغراق فيه، وماديةٌ محضةٌ لا تستطيعُ الإلمامَ بغيرِ الظواهرِ مما يدعو إلى الاسترسال مع الخيال إلى أبعد شوطٍ وأقصى مدى.
ومن هاتين النزعتين – الخطابةِ والماديةِ – اللتين ذهبا بها في الحياة مذهباً خاصاً، كان لها ذلك الطبعُ الشبيهُ بالنحلةِ المرحةِ ، لا تطمئنُّ إلى زهرةٍ حتى تغادرَ إلى أخرى من زهورِ الربيع؛ ولذلك فهي أبداً منتقلة وهي أبداً حائمة، تلك هي الروحُ العربية وذلك هو طبعُها، وإنّ فيما رأيتم من آثارها العقلية لصداقٌ لما قلته.
ولا يمكن أن تجتمعَ الخطابةُ ودقّةُ الإحساسِ في نفسٍ إلا ندورا؛ لأنّ الخطابةَ تعتمدُ المزاجَ الناريَّ والنظرةَ البسيطةَ والإلمامةَ القانعة، ودقةَ الإحساس تستلزمُ المزاجَ الهادئَ والنظرةَ الطويلةَ المتدبّرةَ ، والإحاطةَ الشاملةَ المتقصيّة.

يُدلي “الشابي” برأيه في هذا الخصوص ، دون أن يغفل نقطةً في غاية الأهمية، حيث يستطرد قائلاً :
ومن هاته الآثار التي أثّرتها النزعةُ الخطابيةُ ، كثرةَ المترادفات في اللغة العربية كثرةً هائلة، وما ذلك إلا لأنّ الخطابةَ تُؤثِر الفصاحةَ على أيِّ شيءٍ آخر، ولا بدّ للفصاحةِ من موردٍ غزيرٍ تستمدُّ منه جمالَ القولِ وبراعةَ الأسلوب.

مسترسلاً في الايضاح ، ومتوخياً البحث عن أسباب ذلك وعلله ، يقول :
نشأ العربُ في رقعةٍ من الأرض ساهمةٍ واجمةٍ لم تُجرِ عليها الطبيعةُ ريشةَ الفن، ولا ضربتْ عليها سحرَ الجمال، فظلّت محرومةً من ذلك الجمال الإلهي الذي يغمرُ النفسَ بما يفيضُ عليها من سعادةِ الحسِّ ونشوةِ الشعور.
ويضيف :
شبَّ العربُ تحت سماءٍ ضاحيةٍ صاحية، لا يحجبها سحابٌ مرْكوم، ولا يسترُها ضبابٌ كثيف، وليس تحتها غيرُ الصحراء الأبديّةِ الصامتةِ التي لا يعرفُ الطرْفُ لها حدّاً، تضربُ في مراكبها سمائمُ القيظ وأرواحُ الرياح، مروعةً تائهةً شاحبةً كأرواحٍ ضائعةٍ في آباد الجحيم … فكان لهم من ملامحِ الصحراءِ الشاحبة، ومن طبيعةِ الأرض القاحلةِ الجدوب، هذا النحوُ من الحياة الذي عاشوا عليه، هذا النحوُ الذي لا يعرفُ رغدَ العيشِ ولا روحَ السلام، ولا يفقهُ دعةَ الحياة الآمنة المطمئنَّة، ولا غبطةَ العيشِ الرخيّةَ الحالمة، وإنما هو ثورةٌ جامحةٌ كالرياح، ظامئةٌ كالهواجر، مشرقةٌ كشمس الظهيرة، لا ترتوي ولا تشبع، ولا تسكنُ إلى الرّاحة، ولا تخلدُ إلى السكون.

تصويت

ادعمنا بتعليق

%d مدونون معجبون بهذه: