الرئيسية / كتابنا / السيد إبراهيم أحمد / قراءة في ديوان: “حارة الصبر” للشاعر عزت المتبولي / بقلم الدكتور : السيد إبراهيم أحمد .

قراءة في ديوان: “حارة الصبر” للشاعر عزت المتبولي / بقلم الدكتور : السيد إبراهيم أحمد .

 

 

  • قراءة في ديوان: “حارة الصبر” للشاعر عزت المتبولي.
  • بقلم الدكتور : السيد إبراهيم أحمد .

 

لا تفارقك متعة الإصغاء حين تراه يلقي قصائده بصوته الذي يصور أبعاد حروف الكلمات المنتشية بالإلقاء، تظن أن المتعة ستفارقك حين تقرأها وحدك، لكنك تعجب أن الرجل متجسد فيها بين الصفحات يرددها ويغنيها ففي الحالين متعة في امتطاء صهوة صوره التي يجيد رشرشتها فوق رمال قصائده بحرفية لكنه يوهمك أنها عفوية.

إنه الشاعر عزت المتبولي واحد من أهم شعراء السويس في ميدان شعر العامية في وقتنا الراهن، غير أن الرجل على كثرة ما حصد من الجوائز وترأس نادي أدب السويس ثم رئيس الأدب المركزي بقصر ثقافة السويس حاليًا، وعضويته باتحاد الكتاب المصري، لا يهمه سوى أن يكون ذلك العاشق الواله في دنيا الحرف، يصطاد المعاني التي يجيد التقاطها وصبها في صور جديدة تمتاز بالتماسك في البناء في مطالع القصائد ثم يشدها عبر دروب ومسارب تظن أنها تاهت منها ليضعك فجأة أمام ختام أبياته التي تردك لأولها ليرتسم المعنى بكليته في ذهنك الذي قد تظن أنه قد فر من خيال الشاعر ومن انتباهك.

تستطيع أن تطالع ذلك وغيره وأنت تطالع قصائد الشاعر في ديوانه: “حارة الصبر” الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة في 2015م، والذي يضم عدد (39) قصيدة تتعدد موضوعاتها بين الجوانب الذاتية، والإنسانية، والوطنية، والقومية، يتميز أغلبها بالحشد الكبير من الصور الشعرية، والصورة الشعرية كما يراها الدكتور صلاح فضل ليست حلية زائفة بل هي جوهر فن الشعر، ذلك أنها تحرر الطاقة الشعرية الكامنة في العالم، وهذا عين ما يفعله “المتبولي”، وليس أدل على ذلك من مطلع قصيدته “الخوف” التي يقول فيها:

الضي وجود.. والفجر خلود
والليل على إيد الصبح يتوب .. بمجرد ما يشوف النور
يجري يروَّح .. والشمس عبيطة ما بتصدَّق
ترخي شعورها ..على وش الكون
مع إن الليل دايمًا مجنون .. بمجرد ما النور بيروَّح
بيعيد تشكيل كل ملامحه .. ويشب يقوم.

ولن يمل القارئ من كثرة هذه الصور التي يجتهد الشاعر من أجل التجديد فيها، وتوليدها عبر ثنايا القصائد وليس المطالع فقط بل والنهايات، من تنوع الدلالة المجدول بلغة “القص” التي تتأتي فيها الكلمات متعاقبة، والجمل متناغمة، تؤدي إلى نهايات بعينها تحكمها أحيانًا المفارقة التي تأتي عكس ما يريد، أو ضد ما يطمح.

لا تغيب ألفاظ (الصبر/ الشارع/ الحارة/ الحواري/ الحي/ بيتنا/ الحلم/ ريح أمشير/ البحر/ يتوضى/ السفر/ المشاوير، حلق ـ حلوق الريق).

كما لا تغيب الكلمات الفصحى التي لا يقحمها على النص، بل تدخل ضمن لوحته التي يشكل فيها صوره الفسيفسائية بزخارف وألوان يصنعها من نسيج الواقع بريشة الخيال التي لا يتوقف القارئ عندها أو يتلعثم أو يراجع الجملة حين يطالعها، بل تأتي تمامًا محكومة بالسياق، مما يؤكد تواصل الشاعر بلغته الفصحى وحفاوته بها أيضًا في إبداعه.
يستخدم الشاعر عزت المتبولي الرمز ببراعة فائقة، وفي أكثر من قصيدة له مغموسة في قيم الوطنية والإنسانية حين يستدعي الطبيعة أحيانًا رموزًا، مثلما يستدعي شخصيات الطقوس التي نستخرجها من الحواديت المخيفة إلى ساحات الزار “العفاريت” كما في قصيدته “دستور يا اسياد”، وكذلك يطلق بعض الصفات المرذولة على صاحبها دون أن ينعته بها بل يختار له اسمًا أو مصطلحًا من إنشائه هو، يفرغ فيه مكنونات مفهومه هو، يستدعيه من تجاربه هو، وذكرياته معه، من مثل “طرح الهجين” وغيره.

تعانق أكثر من قصيدة في الديوان ذات “البحر” مع ذات الشاعر الذي لا يتعامل معه بوصفه مُفردة من مفردات الطبيعة الصامتة، ولعل القارئ حين يطالع تلك المقاطع لن يكون البحر في تخيله كما كان عليه بعدما عرف “بحر المتبولي”. وقد استغل البحر كثير من الشعراء السابقين في سياقات كثيرة، وهو ما يثبت أن لكل شاعر رؤيته الذاتية التي يرصفها لفظًا وحرفًا وكلمة وصورة ودفقة تحوي مضامينه وزاويته التي يبصر من خلالها، أو نظرته الذاتية النفسية التي تنعكس عليها المفردة المرئية.

وأنا لا أريد أن أرحل إلى تعقيدات النقد ومعجميته التي لا تتوازى مع تلك النصوص التي لا يخضعها المتبولي تحت لمضامين سياسية تغلفها أيديولوجية معينة، وإنما هو يستقيها من الحياة ويردها إليها ثانية في سلاسة وأريحية، ذلك أن الجانب الاجتماعي فيه شكَّل أجواء القصائد التي لا تفارق الحارة، ولا الحي، ولا الشارع، ولا عيال الحي، ولا إضافة “نا” “الجماعية” إلى كل تلك المفردات التي يحملها فوق ظهر قلمه يتجول بها من قصيدة إلى أخرى مع تفصيلات جديدة بمحبة ووله يتمددان داخل شخصية الشاعر التي تتواصل، مازالت، مع الطفولة وترتد إليها عبر أكثر من مقطع في أكثر من قصيدة.بالديوان.

تصنع قصائده الذاتية ديوانًا وحده تناثر عبر جغرافية حارة الصبر/الديوان، وإذا جمعها من ديوانه هذا وكل دواوينه لوصفت حاله الذي يهوى البكاء على الحظ العاثر، والحلم المهاجر، وأكثر من قصيدة تعانق فيها الصبر بالسفر بالحلم، وهو ما يعبر أقوى تعبير عن غربة الذات الشاعرة بين جوانح المتبولي الإنسان أو بطل قصائده، والتي أحيانًا ما تأتي النهايات بالتصريح بمحاولات الانعتاق التي لا تجد في غير الحلم ملاذًا، والسفر أمنية، والبحر والقطار والسفائن وسائل، وكذلك التشوف إلى الغد المأمول أن يأتي بجديد يغسل أعتاب الحزن والخيبات والعثرات، وسنين الصبر:

ـ تاهت كل سفاين حلمه … ف زحمة روحه [عَفَرِ الأيام].

ـ نظرة لبكره … والشوف عناقيد [نايات الصمت].

ـ أصل الأحلام اللي ف قلبه …بتدوَّر في ملامح بكره [الخوف].

ـ وف الآخر .. برغم التوهه والزحمة .. بيتصحبوا على الأحلام [أكيد ممكن].

ـ أي مراكبي .. يقدر ياخدك.. ويسافر بيك.. وسط الأحلام [بُص وشوف].

ـ مش قادر أخطي ف مره لوحدي .. وأشب وأنط .. وأروح أتشعبط.. على كتف حيطان

.. قطر السكة .. الجاي هناك .. كان نفسي في مرة .. يقف وياخدني [ولسَه بدوَّر].

ـ وتبطل تنزف من أحلامي .. سنين الصبر [ولسَه بدوَّر].

تأتي قصيدة “درويش ده عايش” التي أهداها الشاعر عزت المتبولي إلى صديقه الشاعر الراحل “درويش مصطفى” نسيجًا وحدها، وموتيفة غزلها بالحب، وبصدق الأحاسيس الإنسانية، غير أن نفسه وقلمه لم يطاوعاه؛ إذ لم يتنازل عن أن يصب تشوفه للغد الساكن في عيون الحلم على “درويش”، وكأنها قضية وحلم كل شاعر، وهمه الأبدي الذي لن يموت بموت صاحبه.

كانت سياحة ماتعة عبر حارة صبر الشاعر عزت المتبولي، الكبير ـ بحق ـ على المستوى الإبداعي، والجميل والنبيل كذلك على المستوى الإنساني، تذوقت فيها بعضًا من ثمرات قريحته، وزناد فكره، وفرائد فلسفته الإنسانية التي لا تراوح ذاتيته وتتوق إلى المستقبل الزاهر الذي يعم لا نفسه وحدها ولا وطنه مصر وحسب بل أمته العربية، والإنسانية بشكل أعمق وأوسع.

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: