الرئيسية / كتابنا / زياد صلاح / أدب الاعتراف – بقلم الكاتب زياد صلاح

أدب الاعتراف – بقلم الكاتب زياد صلاح

 

يقف السر حائراً على أول السطر . يتلفّت من حوله، مستودعاً ملامح وجهه، مرايا الجهات.. ثم يمشى عارياً، بخطىً متسارعةٍ ، إلى أن يجد نفسه عالقاً في آخر الكلمات.
قد يقول البعض : هذه جرأةٌ غير معهودة ، فيرتدّ صدى صوتِهم : ولا محمودة.
وقد يصمت آخرون ، ويقفون على حياد، تحت سقف آمالهم، قبل أن ينخفض حتى يقبّل وجه الأرض.
وربما يرى نفرٌ ثالث ، بأنها مجرّدُ محاولةٍ بائسةٍ ، لاقتحامٍ أكثر من صاخبٍ للمنطقة الحرام.

احذر أيها الكاتب ، فقد يدفعك فجأةً، وبقوّة، شيءٌ غامضٌ من الداخل ، فتسقط خارج حدودك الذاتية ، من فوق الجسر الافتراضي، الذي مددته من قبل، عامداً ، بين القارىء ، وبين إحدى جزرك السريّة المعزولة.

الاعتراف في الكتابة الأدبية ، يُفصح عن اشتراطه لجرأةٍ مركبة ، وشجاعةٍ مزدوجة .
فهو يتضمّن كسراً صريحاً لنمطين سائدين من أنماط الحياةِ في المساكن المشيّدة بالكلمات:
نمط فني : يتعلق بغزو الفضاء الأدبي .
ونمط قيمي : يتعلق بغزو الفضاء الاجتماعي .
إذن ، عليك أن تستعد جيداً لهذه المغامرة الأدبية ، بكل ما تخبّئه لك من صعوباتٍ متعددة المستويات، وما تحمله لسواك من إثارةٍ، قد تُشعلُ نارَ الغريزة، وتحطّمُ زجاجَ المزاج.
من جهة، يبدو الاعتراف وكأنه نصٌّ اعتراضيٌّ، في السياق العام للأدب، ربما يحول – بوصفه عمليةً استذكاريةً محضة – دون التدفق الحرّ لسيّال الخيال..
ومن جهةٍ أخرى ، يبدو وكأنه حالةٌ من حالاتِ تفجير الطاقة التعبيرية..
إن موقفنا من تجربة الاعتراف الأدبي، عادةً ما يتحدد، في ضوء ما نتوقعه من كسرٍ متعمّدٍ لكل التوقعات.. وكأننا نشاهد مسرحيةً واقعيةً ، يلعب فيها “السر” دور البطولة المطلقة.
حينها، ربما نصفّقُ حتى نفقدَ الإحساس بأيدينا ، وقد يجعلنا إحساسُنا بما نرى، غير قادرين على التصفيق.
فمن يا ترى يملك من الجنون ما يكفي ، حتى يصفّقَ بحرارةٍ للحريق ؟!
ما هو جديرٌ بالاهتمام والاستفهام : كيف يمكن المواءمة، بين الحقيقة كضرورةٍ من ضرورات الاعتراف، وبين الخيال، كمنتِجٍ فطريٍّ وحصريٍّ ، للأعمال الإبداعية على اختلافها؟!
من حق الجواب أن يحتل مكانه في العقل، مؤلَفاً من شطرين :
فالجرأة الأدبية، تحلّ محلّ الجرأة الفنية .
أما الخيال ، فيستحيل إلى مكمّلٍ ، أو ربما مجمّلٍ ، للطروحات الأدبية السافرة.

أفليست الحرية ، هي أحد أسماء الأم ” غير المنسية ” ؟
أمّ تربّي إحساس الكاتب المتفرّد ، وترعى أفكاره الخلاقة.
أمّ تعتني بالمعنى ، حتى ينمو في ذهنه ، خارج سجن أفكاره السائدة .
أمّ تدلل فطرته في ظل خبرتها ، وتحنو على خبرته تحت شمس فطرتها ..

الاعتراف ” اقترافٌ لاثمٍ مشروع ” يسمّى : البوح.
هنالك من يصف هذا النوع من الأدب ” بالكتابة العارية ”
عند الاعتراف ، غالباً ما يتعرّض النص الأدبي للأثر الجليّ ، لتراجع دور الرمزية، بل وامتناعها عن أداء وظيفتها التضمينية، الاستثنائية، المتعلقة ” بالإحالة “.
يصعب تصور الدلالة وهي تفقد ذاكرتها خارج النص.
الكاتب في أدب الاعتراف لا يغيّر اسم السر ، ولا يبدل الشيفرة الذاتية لذاكرته العامرة بالخبرات غير السارّة ، ولكنه يعرّض نفسه – من الداخل – لأشعّةِ لغة الكشف .
الأمر المُعجِب هنا ، أننا نتحدث عن عملية ” المسح ” بواسطة ” الأضواء السوداء “.
فهل بالضرورة ، أن تكون اللغةُ الكاشفة لغةً مباشرة ؟
لا ، ولكن ، حينما تكون اللغةُ الشعريةُ هي أداة البوح ، فإنها قد تُخفي أكثر مما تُظهر، وهنا تكمن أحدى أهم اشكاليات أدب الاعتراف.
في مثل هذا النوع من الأدب، ولا سيما في الغرب ، تقف ” الفضيحة ” في شرفات نصوص الاعترافات، لتقدّم أكثرَ الأدوار إثارةً ، فتخطف أبصار جماهير المتلقين من عيونهم ، وتسرق اهتماماتهم من خزائن صدورهم، جالبةً أكبر قدرٍ من الشهرة المصطنعة ، للكاتب الذي يقرّر في لحظةٍ فارقةٍ من حياته، أن يذكّر الآخرين بوجوده، ولو بفعلٍ كلاميٍّ فاضحٍ وجارح.
حينها ، تهرب السريرة كامرأةٍ فاتنةٍ ومثيرةٍ ، من بين جدران الكتمان، متمردةً على عتمة النسيان، ومتحديّةً سلطة المجهول.. لتتعرى أمام عيني فتىً عالقٍ في شباك الشبق ، وغارقٍ في بحر القلق ، يُدعى الفضول.
يقول الكاتب الساخر “مارك توين”: ” إذا أردت لكل الناس قراءة كتابك، أكتب عليه فضائح ”
هكذا تبدو الصفحات في كتب الاعتراف، أشبه بصفعاتٍ مدويةٍ، على الخدٍّ الثالث للمتلقّي.
فيما يغدو العمل الأدبي، وكأنه عمليةٌ جراحيةٌ نفسية ، يجريها الكاتب لنفسه بنفسه، تحت أضواء اعترافاته الكاشفة، على طاولةٍ بيضاءَ من الورق الناصع.

أما عن المراحل الرئيسية للكتابة الاعترافية، فهي تدهمنا مثل عرباتٍ في قطار الحياة ، الذي يسير على سكة الزمن، متجهاً في رحلته الحتمية نحو المستقبل :
فالتلميح : هو المطلع الاستباقي للتمهيد لما بعده..
والتصريح : هو المصدر النظري للبوح داخل النص ..
أما الاستباحة : فهي تغطية المضمون بالمكشوف ..!!

( العلاقة الجدلية بين الاعتراف وموضوعه )
أحياناً، تصر الحقيقة أيها الكاتب، أن تقرّ بأنك كنت كاذباً .
هذا ما حصل مع “جان جاك روسو ” في كتابه : ” الاعترافات ”
وهو القائل عن هذا النوع من الكتابة : ” إنها تعرّي روحي السرية ”

وحينما نعرّج على آلية الاعتراف التي يعاين الكاتب بها مساقط الواقع في اللغة ، فيجب التنبيه إلى أنه محظور عليه، أن يعود بالقراء، من رحلة اعترافه الشاقة والمشوّقة ؛ بجيوبٍ فارغةٍ، وقلوبٍ جوفاء.

وإذا ما أردنا أن نطل من نافذة اللغة المشرعة، على الحقل الدلالي لكلمة الاعتراف، فإننا سرعان ما نستعرض المفردات التالية :
اعترف ، صرّح ، باح ، كشف ، أظهر ، أفشى ، أدلى ، أعلن ، أشهر ..
والمعنى المقصود هو : ( جعَل العرفان هدفاً للكتابة عن شأنٍ كان في طي الكتمان ) .
أما عن أهم أسباب الإقدام على الاعتراف الأدبي، فها هي تطالعنا على هذا النحو :
= فقدان القدرة على الكتمان : ( المحمول الذي لم يعد بالإمكان احتماله )
= التمرّد : ( التعبير عن سمة متأصلة في ذات الكاتب )
= حب الظهور : ( الوقوع تحت سطوة الأنا المتضخمة )
= التطهّر : ( التخلص من عقدة الشعور بالذنب )
= البراغماتية : ( تحقيق بعض المكاسب الذاتية )
= الإفلاس الأدبي : ( البحث عن حل سريع لمشكلة النضوب الإبداعي )
= الاعتذار : ( وسيلة للمصالحة مع الذات ومع الآخر )

من المهم أن نشير إلى أن العامل المشترك بين هذه المجموعة من الأسباب ، يكاد يكون: تفريغ الشحنات السلبية لمكنونات الصدر.
أي : الشعور السلبي الذي يحمله الكاتب تجاه ما يخفي بداخله عن الآخرين من أسرار .
مثل هذا النوع من المشاعر الاستلابية، عادةً ما يدفع صاحبه إلى أن يعمل ضد الكثير من اعتباراته الذاتية الخاصة، وبإخلاصٍ منقطع النظير !!

يمكن للجرأة الإيجابية، أن تختصر المسافة الدلالية ، بين تواضع الكاتب وموضوعيته .
أما الجرأة السلبية ، فهي منبعٌ لسيلٍ من الادعاءات التي عادةً ما تصب في مستنقع الكتابة المجانية.
تلك المجانية التي قد تحمل الكاتب على مقارفة المجون، قبل أن تنتقل به جزافاً – ودون أن يشعر- إلى عتبة الجنون.
علينا أن نقرّ ، ونحن نواجه الحقيقة، عند باب الاعتراف، بأن السباحة في بحر اللغة ، تحتاج إلى التعرّي من الداخل.
كما أنه لا بد من الإشارة إلى العلاقة الملتبسة بين الاستعادة والاستعارة .
إننا بصدد ما يمكن وصفه ؛ بلعبة الاشتباك الفتّاك ، مع نصّ خارج النص !!
يحدث ذلك ، تحت عنوانٍ كبير هو : ” الحقيقة لا يسترها إلا عريُها ” !!

( الرؤية النقدية في أدب الاعتراف ) :
إن الكتابة الاعترافية ، تعكس موقفاً نقدياً عميقاً ؛ من الذات .. ومن الحياة .. !!
فالاعتراف ، هو حكم ذاتي، يتصل بالموضوع من جهة، وبصاحبه من جهةٍ أخرى.
أي : أنه حكمٌ على الموضوع بالخروج – مطروداً – من بؤرة السر الخفية، إلى دائرة العلن الجلية.
وحكمٌ على الكاتب بإشهار أسراره ، لاعتباراتٍ قد تكون أشبه بالمنارات الآيلة للسقوط.

ويبقى السؤال الكبير ، الذي يقدم نفسه إلينا بصيغةٍ استنكاريةٍ وتذكيرية :
ماذا يعني غيابُ أدب الاعتراف عن الوسط الأدبي العربي ؟!
العادات تمدّ ألستنها . التقاليد ترفع حواجبها . الأعراف تعضّ على شفاهها .
هذا ما يلوح في الأفق القاتم .. وما كان لنائمٍ أن يوقظ جاره النائم .
من الصعب تقبّل فكرة : “هتك الستر “.. أو صورة كشف المستور.. !!
ولكن الأصعب ، هو تفهّم حالة الاستقواء بنقاط الضعف !!
في كتابه : “الأيام”.. يعود الدكتور طه حسين قليلاً إلى الخلف، قبل أن يتقدم كثيراً إلى الأمام.
ثم ما ينفك يدور حول نفسه ، وحول المرأة التي كان يسميّها : “حميدة الخَلق والخُلُق”..
وكأنه كوكبٌ سيار.. يدور حول نفسه وحول الشمس.. فحياته رحلةٌ .. وعمره مدار .
لقد أتاح لذلك الكائن البشري المتفرّد ، الذي أوكل له مهمة القيام بدور المعادل الإنساني له على الورق، بأن “يمارس الجنون ” كما كان يردد دائماً على لسانه، وهو يتمشى مع صديقه في شوارع ” المحروسة ” التي ليس لها آخر.. بينما هو يحدثه وهو في أوج تجلياته، عن تلك ” الموؤدة في القلب ” .
أما الكاتب المغربي “محمد شكري” ، فإنه يعلن في روايته الشهيرة : ” الخبز الحافي “، من الباب الواسع للاستذكار.. عن رغباته الدفينة ، وهي تنطلق من موقد صدره المشتعل، كألسنةٍ من نار .
وهو القائل في معرض أحد فصول تلك الرواية :
” قساوة أبي عليّ توقظ شهواتي نحو كل ما هو جسديّ ”

أرجو الانتباه ..
إن ذلك الخفاء الممتد فيما يعتقد الكاتب أنه عالمه الذاتي الخاص، بل وربما “الخالص” أيضاً، وهو ما يمكن أن نسميه : ” الغيب الصغير ” ، إنما يُعدُّ واحداً من اشتراطات التوازن النفسي القائم في الأساس ، على كلٍّ من عمليتي التوافق ؛ الداخلية والخارجية.
السر ، يُعلن بنفسه، أنه نقطةُ جذبٍ إلى الداخل ، ربما تؤدي إلى نوعٍ من التمحور حول الذات.
أي : ( الانكفاء ).. وذلك على سبيل ( التموضع ) الذي يصب في خانة ( الفردانية ).
لكنه قد يتحول مع الوقت، إلى دافعٍ غامضٍ لفعل الكثير من الأشياء الواضحة .
فيصبح الكشف عن أشياءَ مخفية ، مظهراً من مظاهر النرجسية .
وقد يكون الاعتراف ، شهادةً أدبيةً أمام التاريخ المسجون خلف قضبان الزمان اللامرئية.
حيث يصير الشأن الخاص فيه ، ” حلقةً ذهبية ” في سلسلة الشأن العام الطويلة، التي غالباً ما تتحول إلى أغلالٍ تكبّل ذلك السجين ” المستكين ” ، وتمنعه حتى من الحركة بين جدران سجنه المؤبد .. هناك ، داخل النص الحقيقي لحياةٍ سرّيةٍ ، يتساوى فيها الكلام مع الظلام.

وبعد ،، فهل الكتمان ضرورةٌ إنسانية ؟
أجل ، إنه أحد أهم عوامل الخصوصية. والخصوصية هي الجانب الآخر الجواني لهوية الإنسان الذاتية. والإنسان بطبيعة تكوينه، هو الابن الشرعي لهويته الذاتية.
إنه عادةً ما يعبّر عن وجوده كإنسان ، بما يمكن تسميته : ( الانعكاس المتعاكس ).
فهو يرتد إلى الداخل من جهة، ويفضي إلى الخارج من جهةٍ أخرى، وتلك هي الآلية “السيكوسوسيولوجية ” التي يعتمدها تلقائياً، من أجل تحقيق ذلك الهدف الوجودي العميق.

إذا كانت الحرية شرطاً من شروط الإبداع ، فإن الأخلاق ينبغي أن تكون محوراً للأدب الخلّاق.
بل إنها يجب أن تبحث عن معاييرها المتجددة فيه..
والكاتب الحقيقي ، هو الذي يبدع في مجالاتٍ واسعةٍ ومتعددة ، ليس فيها من تعارضٍ جوهري، بين التحرّر والالتزام.
بل إن القيم عادةً ما تجرّد الأديب من الكثير من أسلحة التعبير اللغوية المحرّمة، فتضعه أمام تحدّي الإبداع الأدبي، بقدراته الفعلية، وموهبته الحقيقية، بعيداً عن الاستعراضات الشفاهية الزائفة ، وبمعزلٍ عن المحاولة غير المجدية للاختباء وراء الصفحات الشفافة كالبلور، أو بين السطور المنسابة كجداول الماء.
ليس من العدل والانصاف، أن يهرب الحس الابداعي من قلب الكاتب، خوفاً مما يمكن أن يسميه اعتباطاً : “أوهام الالتزام” ، لكي يحتمي بإصراره على هتك المزيد من الأستار.
وهذا لا ينفي بالطبع، إمكانية أن يكون الاعتراف مسلكاً تطبيقياً للحرية كقيمة ، وممارسةً فعليةً لأحد أشكال هذه الحرية.
فالإحساس المتنامي بالحرية، يوسع فضاء التعبير.. مما يدفع الأدباء إلى تحطيم حواجز الأعراف، وتجاوزها بفن كتابة الاعتراف.
لكن !!
يجب التركيز ، وبقوة ، على أن العملية الإبداعية برمّتها ، إنما تحدث بمعزلٍ عن “الحاجة المفتعلة ” لكسر التابوهات، بحجة التغيير في أنماط التفكير الاجتماعية التقليدية السائدة والمألوفة.
لا بد من إعلان براءة الإبداع الحقيقي، من دم الأدب الرفيع.
ولنتذكر ، بأن الاعتراف ، هو في حقيقة الأمر ، قرارٌ بالتوقف عن الهروب من ” الخلف” المسطور في الماضي، إلى ” الأمام ” غير المنظور في المستقبل .
أعذروني ، إن طلبت إليكم، أن تتخيلوا معي ، كيف يطبع الاعترافُ على فم التورية ، قبلةَ الموت !!
بدافعٍ قوي من فكره الوجوديّ الحي، يفتح القديس أوغسطين بوابة ” الاوتوبيوغرافيا ” في العالم الغربي على مصراعيها.. حتى ليخال المتأمل في سيرته الذاتية الطليعية ، وكأنه يتيح لروحه أن ترتديه إنساناً، وكأنه معطفٌ مقلوب.
في حين يخرج من تجربة وقوفه الاختياري أمام مرآة الذات.. ليقرّ بصراحةٍ فواحةٍ بعطر ذلك النوع العميق من الفكر : ” لقد أصبحتُ أنا نفسي مشكلةً كبرى بالنسبة إلى نفسي ”
وبعد قرونٍ مديدة، ينظر ” اوسكار وايلد ” – الذي يُعتبر من رواد أدب الاعتراف – بإحدى عينيه إلى الوراء، وبالأخرى إلى الأمام، وهو يجهر بالقول :
” كل قدّيسٍ له ماضٍ ، وكل مخطىءٍ له مستقبل ”
أفليست المكاشفة، نوعاً من أنواع ” تصفية الحساب ” مع الماضي، على طاولة الحاضر المستديرة، من أجل عيون المستقبل ؟!
في إحدى تجاربي الشعرية، أذكر أنني رسمت بالكلمات، صورةً لذلك العاشق الذي يكسر قلمه عامداً، ليرسم وجه معشوقته بالممحاةْ .
شيٌ من هذا القبيل يحدث، عندما تطبع فتاةٌ حالمةٌ ، صورةً مطابقةً لشفتيها المطبقتين على سيلٍ من الكلمات، بأحمر الشفاه على المرآة.
(( سيكولوجية الاعتراف )) :
كثيراً ما يجمع أدب الاعتراف بين القوة والضعف.
بل إنه ربما يجعل من الضعف موضوعاً للقوة.. أي : “مأخذاً ” لتفريغ طاقة الاعتراف.
حيث تغدو المصارحة، رغم ما تتطلبه من شجاعة، وجهاً آخر من أوجه الضعف والقصور.
من المهم عدم استبعاد أن يكون الاعتراف، هو أحد “ميكانيزمات” الدفاع الذاتي لدى الكاتب.
وربما جاء على العكس من ذلك، على سبيل التهاوي ، أو ما يسمى : الانهيار النفسي .
وأحياناً ، قد يلجأ الأدباء ، إلى الكتابة الاعترافية ، كوسيلةٍ فعالةٍ للعلاج النفساني .
وهم يعتمدون في ذلك على أسلوب التداعي الحر ..
من هنا تظهر أهمية متابعة تلك الممارسة الحيوية عبر خط الزمن .
يمكن تسمية هذه الحالة بالمجمل : ( الانكتاب )
فالكتابة عموماً ، هي وسيلة للمعالجة السيكولوجية . أقصد : العلاج بالكتابة.
أما الكتابة الاعترافية ، فهي حالةٌ متقدمةٌ ومركبةٌ من حالات “المعالجة السرديّة”.

حين يمد الكاتب يده الخفية إلى ذلك الثقب الأسود في أعماقه، ليخرج بعضاً من أسراره، فإنه يضطر اللاشعور في هذه الحالة ، لأن يتقدم نحو دائرة الضوء ، على هيئةٍ واضحةٍ ومحددة ، للتعبير عن مكنوناته، وإظهار خباياه، ولكن ، بطريقةٍ سائغةٍ ، وغير معقدة.
وهذا ما سوف ينعكس في اللغة ، وعلى الأسلوب.
ومن المرجح حينها، أن تظهر آثار عملية الممانعة التي عادةً ما تحدث في الداخل.
أي : عملية “الشد العكسي” : “المانعة ” التي تبدر من العقل الباطن ، في مواجهة العوامل الأخرى ” الدافعة ” لكتابة نص الاعتراف.
ومن المفيد إعادة التأكيد على أهمية المشاركة الوجدانية المتمثلة في : اقتسام الهم .. أو تحويل الهمّ الخاص إلى همٍّ عام كما سبق وأشرنا.
ولا بد من “الاعتراف ” ؛ بأن الاعتراف بخفايا النفس، يُعدّ وسيلةً تجاوزيةً للتعريف بها.
لا سيما فيما يتعلق بالسيرة الذاتية ، التي يلجأ الكاتب من خلالها إلى إبداء نزوعٍ فرديٍّ غير مسبوق ، إلى الشفافية والمكاشفة.
على أن الصدق، قد يبدي اعتراضه بطريقةٍ ما ، على ما أوكل إليه من أعمالٍ استذكاريةٍ، تتضمن صوراً مقحمةً في سياق الكتابة بهدفٍ معلنٍ هو : إعادة اكتشاف الذات.
أحياناً ، يكون التحول من حالة الكتمان إلى حالة المكاشفة، أشبه بالتحول من النزف الداخلي إلى النزف الخارجي.
وقد يبدو هذا ، أقل خطورةً ، على حياة الكاتب النفسية، ولكنه ليس كذلك بالنسبة لتجربته الإبداعية.
يقول ” كافكا ” : ” الكتابةُ انفتاحٌ لجرحٍ ما ”
ليس من المستغرب أن يسعفنا الشعر، حتى نتصور شاعراً وهو يطعن نفسه في الظهر !!
رغم أن المواجهة مع “المسكوت عنه” ، هي المحور النظري لأدب الاعتراف.
الاعتراف ؛ إما بدمٍ بارد .. أو تحت سطوة ما يُسمّى : حمّى الاعتراف ..!!
إننا بصدد مواجهةٍ ذاتية ، يقرر الكاتب فيها أن يعترف بسرّ مخبوء، فيقود عربة نصّه الجديد المكشوفة، ويسير بها مسرعاً ، حتى يصدم نفسه بلا رحمة ، في حادث اعترافٍ أدبيّ مروّع.
وبعد ،،
فمن حق كلّ إنسان أن يخشى على خياله كما لو أنه أحدُ أطفاله، ولكن ليس إلى درجة أن يحبسه بين جدران الذاكرة الصماء !!
ثم أن علينا أن ننتبه جيداً ، فحينما نخفي عن الآخرين شيئاً ما، فإننا نضعه وراءنا حتى نحجبه عنهم، أما عندما نفصح عن ذلك الشيء، فإننا نضعه أمامنا فيحجبنا عنهم !!

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: