الرئيسية / كتابنا / السيد إبراهيم أحمد / أَوْجَزْتُ لَك .. لِتَقْرَأ أَنْت – الحلقة 18 – / بقلم الدكتور : السيد إبراهيم أحمد

أَوْجَزْتُ لَك .. لِتَقْرَأ أَنْت – الحلقة 18 – / بقلم الدكتور : السيد إبراهيم أحمد

 

 

  • الحلقة (18):
  • كتاب “مشكلات فلسفية 2ــ 2”

نكمل الرحلة مع كتاب “مشكلات فلسفية” للكاتب الفيلسوف برتراند راسل، وقد توقفنا في الحلقة (17) وهي الجزء الأول من إيجاز الكتاب عند: (ويرى راسل أن الاستدلال بما وراء الطبيعة هذا لا يصح أن يقام عليه برهان أو أن يكون هو استدلالًا، وأن الإطار الكلي في تفسير الكون برمته هو أيضًا اتجاه خاطئ، وحجته في هذا أن هذه البراهين التي يسوقها معظم الفلاسفة لم تخضع للاختبار أو التجريب أو التمحيص، ومن هنا فهو سيتعرض لها عند كل فيلسوف ويناقشها، ويفندها، ويقدم الحجج على نقضها).

… نكمل مع راسل، ونبدأ مع نقده للفلاسفة:

نقد راسل لهيجل:

يبدأ برتراند راسل بالفيلسوف الألماني هيجل الذي يراه واحدًا ممن يمثلون هذا الاتجاه الذي ينتقده، غير أنه يشير إلى أن هيجل تكمن صعوبة تناوله من أمرين، أولهما أن فلسفته من الصعوبة بمكان، وثانيهما أن الشراح الذين تناولوها من الكثرة بمكان، وهو ما يشكل صعوبة أخرى ما إذا كان تفسيرهم لها أو حولها صحيحًا، وراسل يعمد إلى الشروح التي يراها تدور حول إثبات أن الكمال هو ما يكمن في المجموع أي في الكلية، وأن الذي لا يصل إلى تلك الكلية يكون ناقصًا.

يحاول راسل أن يسوق أدلة هيجل وأتباعه من الشراح على صدق ما يتوهمون أنه من البراهين الدالة على ما توصلوا إليه، ومقارنة نظرتهم تلك بنظرة العالم المشتغل بالتشريح “المقارن” والذي عليه حين يفحص عَظمَة واحدة من حيوان أن ينسبها إلى أعضاء الحيوان ككل وأن يعرف علاقة الجزء بالكل، وهو تشبيه من راسل لفعل شراح هيجل في موقفهم من الفلسفة حين يحتاجون دومًا إلى فكرة مكملة للفكرة الناقصة عندهم تتممها لكي ترفع أثر هذا التناقض، ويشرح راسل طريقة هيجل بأنها تنمو من فكرة ناقصة تسعى إلى فكرة أخرى مكملة لها وإذا اتفقت الفكرتان دون أن تحدثا الجواب الصحيح سعى هيجل إلى فكرة أخرى تقابلها من أجل الاتحاد بها حتى يصل هيجل بعد كل هذا العناء نحو “الفكرة المطلقة”، والتي تمثل عند هيجل استواء الفكرة تمامًا دون حاجتها إلى فكرة جديدة ما ينفي عنها القصور أو النقص.

يرى راسل أن الحقيقة المطلقة عند هيجل هي الحقيقة التي تتصف بالمعقولية، والروحية، والخيرية أي البعيدة عن كل بذور الشر أو فيروساته، كما أنها لا يعتورها النقص، أو النقض، وأنها مطلقة هائمة في الزمان والمكان، وهو ما يؤكد توافقها، وتناغمها، وانسجامها، وأن كمال تلك الحقيقة الكونية من تماسها الإلهي الذي ينظر من أعلى إلى الكون تحته الذي سيتلاشى فيه المكان والزمان والمادة، والشقاء، وكافة أنواع الشرور، والسعي على الأعمال، أو الكفاح من أجل الوصول إلى غايات الأهداف.

بعد أن استعرض برتراند راسل فلسفة هيجل كما أفردها شراحه في كتبهم، يعلن اعتراضه عليها، ويصمها بأنها ليست سوى تخمينات ليس لها دليل من عقل، كما أن الاضطراب الفكري يسودها. ومن هنا تبرز أهمية الفصول التي مرت بنا في الكتاب والتي عبرت جليًا عن موقف راسل المنطقي من ضرورة المعرفة التي يعول عليها، وأن الحادث في رؤية هيجل لطبيعة المادة نتج عن خلطه بين الأشياء والحقائق وذلك عن طريق المعرفة العيانية والتي يرى راسل أن تلك المعرفة المشار إليها تدخل بالضرورة في تدخل في معرفة الحكم عن الطبيعة.

يرى راسل أن ما ذهب إليه هيجل من حيث أن الطبيعة الشاملة للإنسان فيما يتصل به من مجموع ذكرياته وعلاقاته تقتضي وجودها وليس نفيها عنه، وأنها في اتصالها به مما يعني وجوده هو أيضًا في إطار من الحقائق، غير أن راسل ينفي أن تكون الحقيقة عن الشيء ليست جزءًا منه بالأساس، وهذا معناه أن المعرفة بالشيء وإن كانت عيانية لا تعني المعرفة الكلية بعلاقاته وهذا استدلال منطقي، كما أن المعرفة العيانية ببعض العلاقات المنتمية إليه لا تلزم بالضرورة إحاطتها بجميع علاقاته أو المعرفة بطبيعته، وهذا ما يوصلنا إلى الحكم الكلي لراسل على هذه الجزئية.

يرى راسل أن هيجل مثله مثل الفلاسفة الميتافيزيقيين يميل إلى الاستناد إلى المعرفة القبلية التي تستند إلى أحكام الدين أو التكرار في الظواهر الكونية، وأن المعرفة العيانية مع صحتها ومنطقيتها لا تصلح حكمًا عليها، فوجود علاقات بين الأشياء ولو صحت لا يثبت أن منطقية أو ضرورة لها، وليس لأن هذه العلاقات آثار من واقع هو ما يؤكد منطقيتها، وهذا مرده فقط هو علمنا القبلي بتوقع نواتجها من مقدماتها التي ألفناها وليس من خلال التأمل المجرد.

نقد برتراند راسل لإيمانويل كانط:

يرى راسل أن كانط ينضم إلى المعسكر الهيجلي في تلك الأحكام التي تنصرف إلى المعرفة القبلية في تناولها للكون، ومنها الزمان والمكان والذي يرى راسل أن هيجل قد أفرغهما من محتواهما، وأن المعرفة الإنسانية الحديثة باستدلالها الكامل قوضت بنيان هيجل كما ستقوض بنيان كانط الذي يذهب إلى أن الزمان والمكان ذاتيان ولا يوجدان في الواقع على سبيل الاستحالة، من كونهما مظهر للعالم وليسا حقيقة له كما سار على نهج كانط كثير من الفلاسفة باعتبار تناهي الزمان والمكان وما يحملانه من تناقض بين المتناهي واللامتناهي ما يؤكد بطلانه أو استحالة أن يكون حقيقة لما لا يمكن له من أن يشكل في ذاته امتدادًا، أو قابلية أن يتجزأ، وهو ما يمكن أن يسفر عن تناقض في ظاهرة الطبيعتين معًا هما الزمان والمكان.

يبرهن برتراند راسل على خطأ ما ذهب إليه كانط من استحالة التقاء المتناهي واللامتناهي بما أثبته علماء الرياضيات من أن التقاء تلك المجموعات ليس بعيد في تطبيقه على أرض الواقع، وأن التناقض الحادث فيها لا يشكل قولًا علميًا بل قولًا استباقيًا في الأساس من عند الفلاسفة الذين ينعتهم راسل بأنهم إنما يستنيمون لهواهم العقلي، وهو ما يثبت بجلاء أن القول بأن الزمان والمكان ليسا بحقيقيين ضرب من خيال بل هو الأصح والأوقع في دنيا العلم اليوم.

ويرى راسل أن الرياضيين من العلماء قد هدموا الكثير من الأقوال التي هيمنت ردحًا من الزمان في سماء الفلسفة والعلم بما أثبتوه بأن في الاستطاعة أن يكون هناك ليس مكانًا واحدًا بل أشكل لأماكن كثيرة، وليس هذا فحسب بل يكشفوا عن وجود أماكن لا تتشابه مع المكان الذي نعيش فيه.

المعرفة العلمية والمعرفة الفلسفية وإمكانية الالتقاء:

يتخذ برتراند راسل من تلك النتائج الباهرة التي توصل إليها علماء الرياضيات في عصره ـ وقت صدور الكتاب ـ إنطلاقة كبرى لنقض آراء فلاسفة ما وراء الطبيعة في محاولة تحجيمهم للكون، وقد وضح راسل من خلال طرحه لما سبق أن استعرضه أننا في حاجة للمعرفة الوصفية مثل العيانية تمامًا، بما تربطه بين العلاقات والارتباط فيما بينها وبين الكليات، وأننا لا يجب أن نغفل المبادئ العامة المحيطة بالحقائق الحسية الدالة على كونها رموزًا لها، وأن من الأهمية أن نحيط بالأشياء المادية ونتعرف عليها بالتجربة، ومعرفة قانون السببية وبالأحرى معرفة قانون الجاذبية، والذي تلتقي فيه المعرفة السابقة القبلية وهي الاستقراء بالتجربة، ويخلص راسل من هذا بعد استعراضه إلى كل أنواع المعرفة الحدسية والكسبية والتجريبية إلى أن المعرفة الفلسفية والمعرفة العلمية صنوان، وأنهما إنما ينهلان من معين واحد.

الفارق بين الفلسفة والعلم عند راسل:

مع تسليم برتراند راسل بتوأمة العلم والفلسفة وأنهما إنما يصلان إلى نفس الحقائق وإن اختلفت الوسائل إلا أن ما يفرق بين العلم والفلسفة هو أن الفلسفة في منهجها تقوم على النقد، ذلك أنها لا تسلم للعلم تسليمًا مطلقًا بل تقوم بفحص المبادئ التي يقوم عليها بعد تجريدها مما لا تحتاجه من زيادات، وهي في هذا تبحث عما يمكن أن تخفيه في طياتها من تناقض لا يبدو من أول وهلة وهو ما يؤكد أو تنفي ما ذهب إليه الفلاسفة، وذلك باتخاذ الفلسفة منهج الشك في التمحيص ذلك الشك الذي يحذر منه راسل بما يعرف بالشك الكامل أو الشك المخرب الذي يهدم ولا يبني، ذلك أن هذا النوع من الشك لا يمكن أن يوصل لشيء أبدًا، وأن من الأهمية أن يكون هناك من الدلائل المنطقية التي تحول دون فعل ذلك، وهي تلك التي تستند على الشك الديكارتي أو “الشك المنهجي” الذي كان عنوانًا كبيرًا للفلسفة في عصرها الحديث، وأن ليس كل ما يطرحه العلم في كل جزئياته ما يخضع دائمًا للسؤال والشك، وهناك منها ما لا يمكن أن يفعل معه الشك أية استجابة مهما حاولت الفلسفة، وليس هذا على كل حال مقصود الفلسفة.

ويرى راسل أن الفلسفة لا تدعي لنفسها الكمال بل أنها قد تصيبها مثل ما يصيب الناس من هفوات وأخطاء، وأن غايتها من النقد لا يتوقف على إصرارها التام في الإنكار بل غايتها منه تبيان حقائق ما يمكن أن نعول على أنه يشكل في الواقع معرفة علمية لا يشوبها الخطأ.

بعدما تقدم أقول:

كتب برتراند راسل هذا الكتاب في مرحلة من بواكير عمره، وقد أطال عبر فصول الكتاب وأسهب من أجل أن يقيم نظريته التي قد لا تتضح في هذا الكتاب من عدائه الشديد لكل ما هو ميتافيزيقي، ومثالي، وكل ما يستند على المعرفة الدينية بشكل خاص، ولعل هذا ما لم يبسطه المترجم في مقدمته، وقد جاء الكتاب عبر فصوله المترابطة في سلسلة يسلم كل فصل منها خاتمته للذي يليه مما شكل منهجًا انتهجه راسل في هذا الكتاب الذي كان من أوائل كتبه في منهج لم يسر عليه في سائر كتبه بعد ذلك، غير أن الذي يداوم على قراءة راسل يجده يتميز بالسهولة في كثير من مقالاته ومحاضراته ما عدا الكتب التي تهتم بالرياضيات والمنطق والفلسفة، وهذا ما جعل بعض الفصول تتسم بهذا الكم من الصعوبة، والإسهاب الذي لو كان قد استطاع أن يقلل منه لكان أفضل، وهذا ما يدلل أن الطبعة السابقة الصادرة في ستينيات القرن المنصرم والتي أزيلت منها بعض الصفحات والسطور كانت أفضل من هذه التي بان مللها في متابعة موضوعات تجاوزها زمن الفلسفة بكثير وعرضتها كتب أخرى بشكل أفضل.

كان من الأوفق أن يشير المترجم في مقدمته إلى منهج راسل وخاصة في كتابيه: “فتنة الفلسفة” و”الدين والعلم” والذي كان واضحًا بشكل سافر في أكثر من موضع في الكتاب وهجومه على المعرفة السابقة القبلية ومحاولة دحضها، مطلقًا السراح للفلسفة في أن تنسف كثير من الثوابت في عالم الميتافيزيقا، منتصرًا لانحيازها إلى جانب العلم، غير أن الاستفادة القصوى كانت من الطرق التي استند لها راسل في برهنته وتفنيده، وأدلته التي صاغها بحكمة.

في نهاية هذه الحلقة .. أترككم في سلام، وألقاكم في الحلقة القادمة مع كتاب موجز جديد.. دمتم آمنين…

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: