الرئيسية / حوار أدبي / حوار مع الأديب المهندس عبد الحفيظ العمري / حاوره الدكتور : السيد إبراهيم أحمد .

حوار مع الأديب المهندس عبد الحفيظ العمري / حاوره الدكتور : السيد إبراهيم أحمد .

  • حوار مع الأديب المهندس عبد الحفيظ العمري.
  • حاوره الدكتور : السيد إبراهيم أحمد .

 

[بمناسبة احتفال صحيفة “ذي المجاز” بالعيد الخامس والخمسين لثورة 26 سبتمبر الخالدة كان هذا الحوار مع ابن من أبناء اليمن الحبيب الذي تفخر بهم الثقافة العربية في مجاليها العلمي والأدبي].

……………………………………

في مرابع اليمن السعيد ولد المهندس عبدالحفيظ أحمدصالح العمري في بدايات الربع الأخير من القرن العشرين، هيأ له عمله مدرسًا، وموهبته في الكتابة وترجمة المواد العلمية الاطلاع على آخر البحوث والدراسات والمستجدات في ميادين العلم الحديث؛ إذ يعمل مدرسا لمواد: ميكانيكا وكهرباء السيارات، والرسم الصناعي والفني، وميكانيكا الهندسة، والاحصاء والاحتمالات، ونظرية الانشاءات، والهياكل المتقطعة، والحاسوب، في جامعتيّ الجزيرة والعلوم والتكنولوجيا والعديد من المعاهدالمهنية.

ولممارسته الشعر وكتابة القصة وعنايته بالأدب وفروعه المتعددة شارك في العديد من مهرجانات القصة والرواية، والأدب اليمني، الأمر الذي أهله لأن يعد العديد من البرامج للفضائية اليمنية، مثل: “لسان عربي”، و”دلائل الإعجاز”،كما ترجم العديد من المقالات العلمية المطولة، وأصدر العديد من الكتب والدراسات العلمية ترجمةً وتأليفًا من خلال دار حروف منثورة للنشر الإلكتروني، وهي: “عالَم الذرة”، “الزمن منذ العصور القديمة إلى أينشتاين”، “التلوث الضوضائي/الضجيج”، “هذا زمان النانو”، “هل نحن وحدنا في الكون؟”، “حكاية النسبية”، “آفاق الثقافة العلمية”، “هنا أخيرًا”، “ما هو بوزون هيجز؟”، “عالم من المعادلات”، “المعادلات التي تحكمنا”، العيش في زمن السندويتش”.

سيدور حوارنا مع العالم الأديب عبد الحفيظ العمري حول العلم، والثقافة العلمية، دون التطرق للجانب الأدبي الذي سنؤجله لحوار قادم معه إن شاء الله، فلنبدأ:

ــ المهندس عبد الحفيظ العمري، لأنك تعلم أن التعاريف لا حصر لها وفضفاضة، فنرجو أن تعرف الثقافة العلمية طبقًا لوجهة نظركم المعرفية في هذا الشأن؟ وهل نحن في حاجة إلى تعريف للثقافة العلمية تبعًا لكل مرحلة يحتاجها المجتمع؟

ـــ الثقافة العلمية وما أدراك ما الثقافة العلمية؟ التعاريف كثيرة كما تفضل أخي الدكتور السيد إبراهيم، وحيث أن الأمر متعلق بالثقافة فلا بد أن نمر على الثقافة نفسها، الثقافة عمومًا مصطلح يعني: “الإلمام الشامل الواسع والعميق لمجالات المعرفة المختلفة”، أو كما تعرفه المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم: “المخزون المعرفي، ومستودع قيم المجتمع وأعرافه وأحكامه ومفاهيمه السائدة التي يتأثر بها أفراد المجتمع بمختلف فئاتهم: المتعلم والجاهل، والكهل والطفل، المرأة والرجل، وذلك بدرجات متفاوتة وفق استيعاب كل منهم، وحسب اتساع مداركه، وبالتالي يكون للثقافة الدور الأبرز في تحديد سلوكيات الأفراد، وردود أفعالهم وطرائق تفكيرهم”. وما الثقافة العلمية إلا أحد فروع الثقافة بوجه عام، وهي ترتبط بالعلوم الطبيعية والبيولوجية على التحديد.

ـــ لو تحاول بشكل مختصر.

ـــ بشكل مختصر يمكننا تعريف الثقافة العلمية بأنها مستويات متنوعة من المعرفة في مجال العالم لكن لا بأس أن نتعرف على تعاريف أخرى للثقافة العلمية لكي نلم بالأمر:

التعريف الذي قدمته موسوعة “ستانفورد” للفلسفة على أنها: “مجموعة القيم التي تُعلي من شأن العلم كمصدر وحيد لإنتاج المعرفة، وتقدر دوره في الارتقاء بحياة الإنسان، وتُدعم الجهود الساعية للقضاء على الأمية العلمية والتكنولوجية”. ويرى دكتور علي بن الأشهر: (أن الشقافة العلمية والتقانية هي فرع من فروع الثقافة في كل المجتمعات الإنسانية، وما يقتضيه ذلك من ضرورات نشر وترسيخ النظرة العلمية، والتفكير العلمي والتقاني، ونزويد الإنسان العربي بحقائق العلم وإنجاز التقانة، وأن تكون لديه اتجاهات عقلانية نحو العلم بوصفه قيمة، وتدريبه على التفكير العلمي في تصرفاته ومعالجة المواقف المختلفة).

وجاء في تقرير ندوة “استراتيجية نشر الثقافة العلمية والتقانية في الوطن العربي، الذي انعقد في القاهرة 2004″، أن الثقافة العلمية ليست مجرد الإلمام بالحقائق والقوانين والظواهر العلمية، وإنما هي اتجاه عقلي نحو العلم بوصفه قيمة، والتدرب على التفكير العلمي في التصرفات، ومعالجة المواقف المختلفة، ومن ثم فإن الشخص المثقف علميًا يتسم سلوكه بما يلي: وعي أو دراية كافية بالقضايا العلمية، ومشاركة جيدة في المناقشات العلمية، وقدرة على استيعاب التقدم التقاني، واستخدامه لصالحه، عدم قبول الأشياء على أنها مسلمات، بل ميل إلى التساؤل والمناقشة.

ـ وما التعريف الذي يختاره المهندس العمري تحديدًا؟

ـ لو جمعنا كل التعريفات سيطول الأمر بنا، ويكفينا أن نعرف أن الثقافة العلمية هي حسن تعاملنا مع العلم والتكنولوجيا معًا، وهناك خلط بين مصطلحين هما الثقافة العلمية، والتنوير العلمي. معرفتي أنا المهندس بالآلة الميكانيكية وتعريف غيري ضمن التنوير العلمي، لكن معرفتي بأمور الفيزياء الحديثة أو الكيمياء التي هي خارج تخصصي، هو ثقافة علمية.

ــ التنوير في حد ذاته مشكلة، فإذا اقترن بالعلمي صارت المشكلة أكبر؟

ــ نعم، فهمنا للتنوير مستورد، لكن ما يهمنا في هذا المقام هو الثقافة العلمية. ويرتبط بأهمية الثقافة العلمية الذي سأتحدث عنه لاحقًا..

ــ حقًا، فتعريف التنوير ذاته يحمل خلافات جوهرية بين الفصائل. ولكن دعني أسألك: هل نحن في حاجة إلى تعريف للثقافة العلمية تبعًا لكل مرحلة يحتاجها المجتمع؟

ــ لا، المتغير هو حيثيات العلم، أما الثقافة فهي الإلمام بمفاهيم هذا العلم، لذا سيظل مفهوم الثقافة العلمية ثابتًا.

ــ ما أقصده من سؤالي، أن تعريفك كان قاصرًا على محو الأمية العلمية، فإذا تدرجنا بالإنسان وتخطى تلك الأمية، وقتها هل سنحتاج لمفهوم مرحلي جديد؟

ــ لو رجعت إلى ندوة القاهرة، ستجد السمات الثلاثة للشخص المثقف من الوعي والمشاركة والاستيعاب.وهذا يشمل كل المراتحل مهما تطورت.

ــ هل هناك ترابط زمني تقريبي لكل مرحلة، أي من الوعي ثم المشاركة ثم القدرة؟

ــ قد تكون متداخلة، وقد تكون متباعدة، على حسب المتلقي، ونوع المادة المعروضة، من وعي، فمشاركة، فقدرة.

ــ تستعرض في بعض كتبك مراحل الثقافة العلمية التي مرت بها مصر واليمن، وأعتقد أن في الحديث تحديدًا عن “حاجتنا” أي العرب تتفاوت مجتمعيًا وعلميًا بحسب كل دولة، فهل سنشبع تلك الحاجة بمعيار واحد أم متعدد؟

ــ حاجتنا للثقافة العلمية هذا العصر، أنا أتحدث باسم العرب جميعًا، طبعًا سنراعي الفروق الفردية بين الدول العربية، لكن لا ننسى أننا متقاربون في درجة التأخر المعرفيمهما بدا التباين بيننا واضحًا، هو بيننا نعم، لكن أمام الآخر لا زلنا متأخرين، المواطن في العصر الحديث الذي نعيشه يحتاج إلى الثقافة العلمية حتى لا يتخلف عن مجاراة متطلبات العصر الحديث ويصبح عبء على المجتمع.

ولا ننسى أن الثورات العلمية الهائلة التي شملت أغلب جوانب العلم في القرون الأخيرة أفرزت كمًا معرفيًا هائلًا أمام إنسان اليوم سواء كان مشاركًا في صناعة هذه العلوم أو في تلقي نتائج هذه العلوم كتكنولوجيا متداولة ومطبقة في كل نواحي الحياة، وكان دخول هذه التكنولوجيا إلى الدول المتخلفة عن مسيرة الثورات العلمية مُحْدثًا فجوة معرفية ضخمة تمثلت في تراكم المعرفة العلمية الغير مستوعبة من قبل مستخدمي هذه التكنولوجيا فأصبح هذا الاستخدام أشبه بتقليد أعمى دون أي وعي مرافق له، دول التقدم العلمي أدركت هذه المشكلة في بداية عهد الثورات العلمية فظهرت بوادر حلول في تلك المجتمعات تمثلت في نشر مفاهيم العلوم جماهيريًا حتى لا تكون الجماهير المستهدفة لتكنولوجيا تلك العلوم بعيدة عن جو العلم الذي صنع تلك التكنولوجيا المتطورة، بل تكون على إدراك ووعي بأساسيات العلوم.

هذا لديهم، فكيف لدينا نحن في الدول النامية التي تستورد التكنولوجيا ولا تستورد العلم؟! علاوة على ذلك فإن هذه الفجوة تتزايد يومًا بعد يوم مع تسارع الاكتشافات العلمية مما حمَّل دول التخلف العلمي أعباء متراكمة لسد هذه الفجوة المتوسعة، تقهذه الفجوة المعرفية بأربعمائة سنة، ولا مناص من ردمها إذا أردنا أن نلحق بالركب، أو على الأقل نعرف ماذا يعملون؟! وقد يقول الواحد منا: هل الثقافة العلمية هي العصا السحرية التي ستحل مشاكلنا؟

ـ ولو أجاب المهندس العمري، فماذا يقول:

ــ طبعًا لن أقول أنها العصا السحرية، لكن الهدف من نشر الحقائق العلمية المبسطة عبر الثقافة العلمية، هو وسيلة لأن يتخذ الإنسان لنفسه الطريق أو المنهج العلمي لحل مشاكله في حياته اليومية. ويعني هذا أن يواكب تبسيط العلوم تفسير المنهج الذي يتناول العلماء من خلاله مشاكلهم العلمية، والثقافة العلمية تتيح لغير المتخصص فرصة الإلمام بالمنهج العلمي الذي لا غنى عنه لتقدم أي مجتمع، لا في حل المشاكل العلمية وإنما لحل مشاكل الحياة العملية اليومية.. بكلمات بسيطة: الثقافة العلمية، تعلمنا التفكير العلمي الذي يتناول العلماء من خلاله مشاكلهم العلمية. وفائدة أخرى، تدفع المجتمع للدخول في مجتمع المعرفة.

ــ وما هو مجتمع المعرفة؟

ــ هو المجتمع القائم على إنتاج المعرفة، والتعامل معها.

ــ من المؤكد أن مجتمعاتنا العربية ليست منها!

ــ للأسف، لا يوجد مجتمع عربي يمكننا أن نسميه “مجتمع المعرفة.

ــ على الرغم من الكثرة الكاثرة من الجامعات والمعاهد العلمية! مهندس العمري، لقد بذلت جهدًا طيبًا في مسح علمي لمصر ثم اليمن.. نرجو أن تتعرض لكل تجربة على حدة.

ــ الاستعراض التاريخي حول اليمن ومصر، كان على سبيل عرض نموذج الحالة الراهنة للثقافة العلمية العربية.

ــ نعم، أرجو استدعاؤه..

ــ ستبدأ الحالة بلمحة تاريخية عن الثقافة العلمية العربية، “ولتكن مصر أنموذجًا”: بدأ الاهتمام بالثقافة العلمية في الدول العربية منذ نيف وسبعة الآف عام، مع ازدهار الزراعة على ضفاف نهر النيل في مصر وما بين دجلة والفرات في العراق.

في عام 332 قبل الميلاد أسس الأسكندر الأكبر مكتبة الإسكندرية التي أعيد افتتاحها مؤخرًا، ولم يشهد التاريخ مثل ما حققته تلك المكتبة ومتحفها من خدمات جليلة للعلوم، حيث صانت التراث العلمي من الضياع، وجعلته ميسرًا لمن يرغب في دراسته والاستفادة منه خلال القرون الأربعة الأولى من تاريخ الإسلام، رسخت ثقافة عالمية واضحة المعالم، بيد أنها تعرضت لعدة نكسات متتالية أطاحت بها خلال زمن الاستعمار العثماني، والحروب الصليبية في القرن السابع الهجري، وغزو المغول بعد ذلك.

ومع بناء الجامع الأزهر الشريف عام 968 ميلادية في العهد الفاطمي امتدت أنشطة العلماء لتشمل كافة علوم الدين من فقه وشريعة وحديث جنبًا إلى جنب مع العلوم الطبيعية من كيمياء وفيزياء وأحياء ورياضيات وغيرها، وأصبح الأزهر في تلك الحقبة منارة لنشر العلم، وكان يحظى بمكانة متميزة في العالم كله، وفي عام 1798 ميلادية أبدى نابليون بونابرت اهتمامًا واضحًا بالثقافة العلمية، وخطط لتنفيذ حملة كبيرة لترجمة الكتب العلمية الأجنبية إلى اللغة العربية، وكان أول من دخل المطابع، كما أسس المجمع العلمي المصري لنشر وبعث التراث العلمي.

بدءًا من عام 1806 ميلادية بذل محمد علي جهودًا كبيرة لنشر الثقافة العلمية بإصدار الكتب والجرائد والمجلات وترجمة أمهات الكتب العلمية إلى اللغة العربية، ومنذ منتصف القرن الماضي بدأت الصحافة العربية تهتم بتبسيط العلم ونشر الثقافة العلمية والتقانية؛ إذ خصصت أبوابًا ثابتة للعلم ما زالت قائمة حتى الآن. وتصدر حاليًا مجموعة من المجلات العلمية تعني بقضايا تبسيط العلم عن مؤسسات حكومية وخاصة في مختلف أرجاء الوطن العربي وتلقى بعض الإقبال من الجمهور، كما اهتم كل من التليفزيون والإذاعة منذ تأسيسهما بقدر، ولو محدود، بقضايا الثقافة العلمية والتقانية.

ــ ألا ترى أن عبارة “منذ نيف وسبعة الآف عام” فيها نوع من المبالغة حيث لم تكن الثقافة العلمية بمفهوم اليوم؟

ــ هو كذلك بالفعل، ولكن ما أقصده بها، هو أن الاهتمام بالعلوم كان قديمًا في منطقة الشرق الأوسط، لكن هل رافق هذا نشر ثقافة علمية؟

ــ وقفة: بمراجعة علوم الطب والكيمياء والعمارة والفن عند الفراعنة توحي بمجتمع علمي معرفي، ولك أن تراجع قصة الحضارة لـ “ديورانت”، لا أقصد انحيازًا ولكن تساؤلًا.

ــ لا، عادي، ليست مشكلة انحياز، إنما هل كان هناك نشر للثقافة العلمية؟ التكنولوجيا بدأت قبل العلم وهذا معروف للجميع.

ــ نعم معروف، ولكن أرجو توضيح المعيار، قبل انتقالنا لنموذج “اليمن”..

ــ المعيار الذي أتحدث عنه، هو: هل كان هناك تعريف المجتمع بهذه العلوم أم كانت محصورة على طبقة بعينها، لا ريب أنها كانت محصورة في طبقة معينة.

ــ نعم، طبقة رجال الحكم والكهنة.

ــ هذا ما أقصده، لذا ظلت أسرار علمية كثيرة محجوبة وماتت بموت أهلها.

. ثم ماتت اللغة الهيروغليفية زمنًا بعد ذلك، وهي لغة رجال البيت الكبير “برعو” والنخبة أيضًا، دعناننتقل إلى اليمن إذن..

ــ في اليمن نماذج معاصرة قد نستغرب وجودها، هناك مؤشرات تدعو للتفاؤل في قضية الثقافة العلمية ونشرها، نرصد منه، ما يلي: تبني مؤسسة العفيف ندوات حول الثقافة العلمية، وجود المكتبات العامة في أغلب المحافظات اليمنية التابعة للهيئة العامة للكتاب بوزارة الثقافة وما فيها من كتب علمية عربية أو مترجمة، إنشاء مدينة التكنولوجيا في صنعاء ودورها في محو أمية الحاسوب، إصدار مجلة التكنولوجيا التابعة للمؤسسة العامة للاتصالات كأول مجلة علمية متخصصة يمنية في مجال الحاسوب، إفراد صفحتين كاملتين من صحيفة الثورة لنشر ثقافة الحاسوب، ظهور كتابين علميين في الصحف اليمنية حملوا على عاتقهم موضوع الثقافة العلمية، هما: “القرآن والكون ــ رؤية قرآنية لقوانين الكون” لكاتبه أسامة علي خضر، “عدة مقالات، تناولتْ موضوع الكهربائية والمغناطيسية بقلم محمد علي زيد”، ولا أستثني نفسي من خلال عدة مقالات لي على صفحات صحيفتي: الجمهورية والثقافية وكذلك الملحق العلمي لمجلة العربي الكويتية، وجود برنامج “كيف بدأ الخلق؟” الذي بثته الفضائية اليمنية.

ــ صدقت، ولعله يغيب عن كثير من الناس أن الكثير من أبناء اليمن يشاركون في مصانع الغرب.

ــ نعم، ما رصدته على سبيل النموذج فقط سواء مصر أو اليمن.

ــ فهل هذا جزء محسوب على الثقافة العلمية في اليمن أم في تعلمهم تلك الثقافة مباشرة من الغرب.

ــ طبعًا على ما يعلمهم الغرب لكن بجهود محلية، وهنا نقطة مهمة أريد توضيحها، وهي أن موضوع “التبيئة” وهو نقل التجربة إلى البيئة المحلية مهمة جدًا لكي نصبغ كل شيء بصبغتنا الخاصة، وأيضًا العلم تراث إنساني للبشرية كلها.

ـ دعني أخاطب فيك المترجم، وأنت تملك الشق اللغوي في نقل العلم، وتملك الجزء التخصصي أيضًاـ

ــ الترجمة حديثها ذو شجون.

ـ سأقتصر على حديث واحد منها يتصل بالعلم أيضًا، قضية تدريس العلوم التقنية والطبية وغيرها باللغة العربية فقط، أرجو أن أرى رأيًا صريحًا في هذه القضية التي مازالت تشهد صراعًا بين مؤيد ومعارض؟

ــ تدريس العلوم باللغة القومية هو الأولى طبعًا، لكننا يجب أن نؤهل العربية لأن تكون قادرة على هذا الدور، وذلك بحركة الترجمة والتعريب، وهذا الأمر يعاني في عالمنا العربي، يكفي أن نعرف أن ما ترجمناه من أيام المأمون حتى اليوم يوازي ما تترجمه أسبانيا في عام واحد!

ــ ضيفي الكريم مهندس عبد الحفيظ، في إحدى كتبك استعرضت المجتمع العربي أفقيًا وشخصت له عدد من الوسائل والوسائط المباشرة وغير المباشرة، أولًا: نود التعرف عليها، وثانيًا: التعرف على مدى ونسبة نجاحها بعد تطبيقها، وهل سنحتاج لمزيد من الوسائل لنشر الثقافة العلمية، أم سيكون الأمر مرحليًا، مع الإيجاز؟

ــ سنقسم أمو نشر الثقافة العلمية إلى نوعين: وسائل ووسائط، دعنا نتعرف عليها..
الوسائل: وهي الاستراتيجيات والتدابير والآليات المُتخذةمن قبل المهتمين بالثقافة العلمية لنشرها في أوساط المجتمع، ومنها: تبسيط العلوم، التعليم، الإعلام. أما الوسائط، فهي: الأدوات التي سيتم بواسطتها نشر الثقافة العلمية في اوساط المجتمع، وتنقسم إلى نوعين: وسائط مباشرة، ووسائط غير مباشرة، كالتالي:

الوسائط المباشرة، وتتمثل في: التعليم التقني، مؤسسات السياحة العلمية، هيئات وجمعيات التعليم العلمي والتقاني، أما الوسائط غير المباشرة، فهي: أدوات الإعلام جميعها، ولو جعلناها مكونًا رئيسًا من مكونات الثقافة العامة للمواطن العربي، فسيتم إعداده ليعيش عصره بكل تحدياته وأبعاده وآفاقه.

ــ مهندس عبد الحفيظ العمري: كان لك رأيًا في المعوقات التي تعترض نشر الثقافة العلمية إلى العديد من المساقات المختلفة، كما توصلت لتوصيات عامة تراها داعمة لإزالة هذه المعوقات مستقبلًا، وافشاء الثقافة العلمية في ثنايا المجتمع العربي، أرجو ذكر أهم تلك المساقات والتوصيات بدون إسهاب لو تكرمت؟

ــ ألخص المعوقات في عدة سياقات، منها، سياق السياسات، ويتمثل في: ضعف دور المؤسسات، وضعف ودور المجتمع المدني، ومنها، السياق الاقتصادي، ويتمثل في: التخلف الاقتصادي، انكماش فرص العمل، فقر الثقافة، ومنها، السياق العلمي والتقاني، ويتمثل في: التبعية العلمية، غياب الترجمة العلمية، عدم توفر مصادر المعلومات، ومنهل السياق الفكري والتقاني، ويتمثل في: تفشي الأمية، هيمنة الخرافات، تجاهل التفكير العلمي، ومنها، السياق التربوي، ويتمثل في:مشكلات التربية والتعليم، ضعف النظم التربوية، ومنها، السياق اللغوي، ويتمثل في: تطويع اللغة العربية، ضعف أساليب تعليم اللغة العربية، تغريب اللغة العربية، ومنها السياق الإعلامي، ويتمثل في: قصور الإعلام العربي، تبعية الإعلام السياسي، ومنها، سياق القيم والعقائد، ويتمثل في: ربط العلم بالدين، الخطاب الديني ما زال دون المستوى الجاد، ومنها، تأخر القيم، ويتمثل في: تأرجح القيم في الوطن العربي بين المعاصرة والماضوية، غياب الحوار بين فصائل الفكر المتعارضة.

ــ سؤال قبل الختام: مهندس عبد الحفيظ العمري، ألا ترى ضعف الإقبال والمشاركة في الموضوعات العلمية بعامة، دليل على فقر الثقافة العلمية في المجتمعات العربية؟

ــ نعم، هذا دليل من الواقع، واستشهاد منك أستاذنا في محله، وختامًا دعونا نتذكر عبارة الدكتور محمد عبد السلام والحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1979: (إن النهضة العلمية مشروطة بأن يشمل حب المعرفة المجتمع كله، وأن يكون سعيه في سبيل العلم هو سابق إصرار وتصميم. وهذا أيضًا هو بمثابة قانون اجتماعي سري على كل المجتمعات فالثورة الصناعية في أوروبا لم تأت بمحض الصدفة، بل نتيجة عمل هادف ودؤوب قام به رجال جعلوا حب المعرفة رائدهم في الحياة).

ــ في نهاية حوارنا القيم مع قيمة وقامة علمية عربية، لها باع في تدريس العلوم التقنية، أمضينا هذا الوقت الطيب، وبالطبع نحتاج المزيد من الحوارات لنقف على باقي ما أبدع، أشكر الحضور الكريم، وأشكر ضيف الحوار المهندس عبد الحفيظ العمري، كما أشكر “صحيفة ذي المجاز” ممثلة في مؤسسها الشاعر والإعلامي القدير محمد عبد الستار طكو، وأشكر كل من سيتابع الحوار معنا وسيستمتع به، وتحياتي لكم وسعدت بصحبتكم، ومع حوار آخر ألتقيكم على خير..

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: